أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 4 ديسمبر 2025

وقطّعـن أيديهن ..

 


أرادت زوجة عزيز مصر أن تراود فتاها عن نفسه، وهو في كنف الله سبحانه ورعايته، يتم إعداده وتأهيله ليكون نبياً من أنبياء الله الكرام بعد حين من الدهر قصير. يأبى يوسف عليه السلام الخضوع لها ولغريزته ورفض. لكن الخبر بقدرة قادر انتشر في المدينة وصار حديث المجالس، لاسيما مجالس الطبقة المخملية من النساء، حتى ضاقت زليخة، زوجة العزيز مما يُقال عنها في تلك المجالس، فدعت مجموعة من تلك النسوة لوليمة أو حفل نسائي مغلق أو محدود على عدد معين قليل، وجاءت بأطعمة متنوعة، كان لابد من وجود سكاكين للتعامل معها.    

  بعد أن اجتمعت أولئك النسوة الثرثارات، طلبت زوجة العزيز من يوسف - عليه السلام - الخروج عليهن في المجلس لتقديم واجب الضيافة، وهن منهمكات في تقطيع بعض الأطعمة أمامهن. وما إن دخل عليهن، انقطعن فجأة عن واقعهن، كما لو أن كل واحدة أخذت حقنة مخدر شبيهة بتلك التي يتلقاها المريض في غرفة العمليات الجراحية.

  تعطلت الأحاسيس والمشاعر عندهن للحظات، لكنها كانت كافية لتجرح كل واحدة منهن يدها بسكين، فتعود بعدها النسوة إلى عالم الواقع سريعاً، بعد أن انتهى المشهد بخروج يوسف من المجلس، وهو ربما لا يدري سر الصمت الذي خيم على المجلس، وذهول النسوة إلى درجة الانفصال عن الواقع للحظات، وحدوث مشهد تقطيع الأيدي وإحداث جروح بها، لكن في الوقت نفسه، تحقق لزليخة ما كانت ترمي إليه، وبقية التفاصيل المعروفة التي يمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة في القصة في التفاسير المتنوعة، إذ ليس المجال هاهنا لسرد القصة، بقدر رغبتنا الدخول عبر هذا المشهد الى عالم الألم وكيفية السيطرة عليه ..

  

  في عالم الطب، يتم السيطرة على الألم المادي في الجسم بأدوات تخدير محكمة الكمية، كتلك المستخدمة في العمليات الجراحية، أو لتخفيف أنواع أخرى من الألام كالصداع النصفي مثلاً، أو غيره من آلام معروفة.. أما الآلام النفسية، فالمسكنات والمهدئات غالباً لا تكون كيماويات بقدر ما هي إيمانيات، إذ تعتمد على يقين وايمان الشخص نفسه بدينه وعقيدته، بغض النظر ها هنا عن الدين أو المعتقد، وليس هذا حديثنا أيضاً، وإنما استطراد مفيد يناسب جو الحديث عن الآلام.

   إن أردنا فهم ما حدث بشكل علمي مبسط في مجلس زليخة، مع النسوة اللائي قطّعن وجرحن أيديهن، فيمكن القول ابتداء بأن الحدث استثنائي نادر جعل النسوة لا يشعرن بألم القطع أو الجرح بالسكين، رغم عدم استخدام أي دواء أو مخدر، وهذا الأمر يمكن أن يُفسَّر علمياً من زوايا عصبية، هرمونية، أو نفسية.

  منها اضطراب وراثي نادر يولد فيه الإنسان وهو غير قادر على الشعور بالألم مطلقاً، وهذا خطر جداً على الإنسان، لأنه قد يعرض نفسه لإصابات بليغة دون أن يشعر. وهذا احتمال مستبعد في حال النسوة.  

   الاحتمال الآخر كما يقول المشتغلون بعلم الأعصاب، أن انفصال الإنسان عن واقعه للحظات قصيرة، قد تتسبب حالات الصدمة العاطفية أو النفسية الشديدة في حدوث ذلكم الانفصال اللحظي القصير. والسبب أن في حالات الصدمة الشديدة، يقوم الجسم بإفراز كميات كبيرة من " الإندورفين " وهي مادة كيميائية طبيعية تُنتجها الغدة النخامية وتعمل كمسكّن للألم، وتأثيره مشابه لمخدر المورفين.  

  كما يقوم الجسم أثناء الصدمات العاطفية والنفسية الشديدة بإفراز هرمون آخر هو " الأدرينالين " الذي يزيد من شدة انتباه المرء وتركيزه نحو حدث واحد دون غيره في لحظات قصيرة مؤقتة. وهذه المواد ترتبط بمستقبلات الألم في الدماغ والنخاع الشوكي. أي أن ما يحدث أثناء الصدمة، أنه يتم  تعطيل مؤقت، أو تجاهل لعملية نقل إشارات الألم من العضو المصاب إلى مراكز الألام بالجسم، رغم وصولها فعلياً من الأعصاب !  



 إن عدنا لمشهد النسوة تارة أخرى بشكل عميق، وأراد أحدكم أن يسأل ويقول بشكل دقيق:

 ما الذي جرى في أدمغة النسوة لحظة خروج يوسف عليهن؟


ما جرى هو حدوث نشاط هائل ومفاجئ للدماغ العاطفي، الذي يتعامل مع المشاعر القوية مثل الخوف، أو الدهشة، أو الرغبة. حيث يرسل إشارات تحفّز الجسم عبر المواد الكيمياية التي ذكرناه آنفاً، وهما " الإندورفين والأدرينالين " من أجل أن يتحول الانتباه كلياً نحو المثير العاطفي، ويخفف الإحساس بالألم. ذلك أن الدماغ يعطي الأولوية في تلكم اللحظات للتعامل مع الحدث العاطفي، أو المشهد المثير الذي نتحدث عنه، بدل الألم اللحظي.

  عندما جرحت النسوة أيديهن، انتقلت الإشارات العصبية للألم من الجلد إلى الدماغ، لكن الدماغ في تلكم اللحظة كان مشغولاً جداً بمشهد مثير، لا يمكن أن يصرف انتباهه  إلى أي حدث آخر بالجسم ! لكن بعد لحظات، أو حين زال المثير بخروج يوسف - عليه السلام - من المجلس، هدأت أجسام النسوة وعاد التركيز إليها، وبدأ الدماغ من فوره في استقبال إشارات الألم، ولكن في وقت متأخر عن المعتاد، وهو ما يفسر فجائية الإحساس بألم القطع أو الجرح لدى النسوة، حيث شعرت كل واحدة منهن بحرقة الجرح وكأنه حدث للتو !!

   بعبارة أخرى مختصرة، دماغ كل امرأة في تلكم اللحظات فضّل أن يرى، لا أن يشعـر ! والحديث عن عالم الألم متنوع ومتشعب، قد نجد في قادم الأيام فرصة لسبر أغوار هذا العالم بإذن الله.. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

الخميس، 20 نوفمبر 2025

حياة العـبيد والعـباد

 


 

 واحدة من صفات عباد الرحمن، هي الحلم والإحسان وعدم مقابلة السيء بمثله.. لماذا ؟

 لأنهم في طاعة الله جُل وقتهم، لا ينشغلون بتوافه وسفاسف الأمورحولهم ، وما أكثرها..

إنهم في جدهم ووقارهم وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة، تجدهم لا يتلفتون إلى حماقة حمقى وسفاهة سفهاء، كما يقول صاحب الظلال في تفسيره، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين، كما يصفهم القرآن ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ). 

لا يقولون ذلك عن ضعف، ولكن عن ترفّع؛ ولا عن عجز، إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة، بما هو أهم وأكرم وأرفع.


   كثيرون منا في زحمة هذه الحياة، وخاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال، ويتألم منها كثيراً وطويلاً، وتراه مشغول البال في كيفية رد الصاع صاعين !

   لكن من وفقه الله لأن يكون من عباد الرحمن، أو قريباً منهم، تجده وقد اعتبر حياته أغلى وأرقى من أن تنزل إلى تلكم المستويات الدنيا من التفاعل مع الآخرين، لأنه اختار منهج التغافل أو التجاهل في حال الإساءة إليه بقول أو فعل، ليقينه التام أن التغافل فعلٌ إرادي ناتج عن إحاطة وإلمام وإدراك بما يدور في البيئة المحيطة.

 وهذا يعني أن التغافل أقرب إلى أن يكون حكمة من الإنسان حين يختاره وسيلة للتعامل مع المسيئين في موقف ما، كقوله تعالى في آية أخرى ( وإذا سمعـوا اللغـو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ).

  

الفرق بين العـبيد والعـباد 

إذن عباد الرحمن كما جاء وصفهم في سورة الفرقان، ولأنهم عرفوا الله حق معرفته،  فعبدوه حق عبادته، كانت نتيجة تلك المعرفة وذلكم العمل، استحقاقهم درجة الانتساب إلى الله عز وجل، فهم عباد له وليسوا عبيدا، والفرق بين الكلمتين كبير. إنّ كلمة عباد تُضاف إلى لفظ الجلالة، كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، فالذين يعبدون الله يُضافون للفظ الجلالة، فيزدادون تشريفاً، فيُقال : عباد الله أو عباد الرحمن. أما كلمة عبيد فهي تُطلق على عبيد الناس وعبيد الله معاً، وعادة تُضاف إلى الناس. والعبيد تشمل الكل، محسنهم ومسيئهم، كما ورد في سورة ق ( ما يُبدلُ القَولُ لدي وما أَنا بظلَّام للعـبيد ).


  إنّ كل بني البشرعبيدٌ لله في هذه الأرض. المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي وكذلك الملحد الذي لا يؤمن أساساً بوجود الخالق ! العبيد يعاملهم الله في أمور أساسية حيوية وبشكل متساو لا يُظلم في كونه وملكه أحد، وتعالى الله وتنزه عن الظلم..

   تجده سبحانه يرزق البر والفاجر، والمؤمن والملحد. لا يقطع ماء ولا هواء عن الذين يجحدونه ويكفرونه ويشركون به، ولا غير ذلك من نعمه التي لا تُحصى. الكل سواء هاهنا، لكن في الحياة الأخرى القادمة ولو بعد حين، الأمور لن تكون كذلك، وبالطبع ستتغير..

    لكن ليس الكل يرضى أن يكون في درجة العبيد، بل تجد آخرين يبذلون الجهد للخروج من نطاق العبيد، والدخول إلى نطاق أو منزلة العباد، وليس أي عباد، بل عباد للرحمن. وحين يسمي الله تعالى الذين يتقربون إليه ويعبدونه حق عبادته بأنهم عباد للرحمن، فإنّ هذه التسمية أو هذا الوصف يمكن اعتباره جائزة دنيوية قبل تلكم الأخروية المنتظرة بإذنه تعالى، بل ربما هذه التسمية بشرى لعاقبة طيبة وجزاء عظيم في الآخرة.

 

الأمن والاستقرار الداخلي 

 ما يهمنا هاهنا هو كيف وصل عباد الرحمن الى ما هم عليه، كي يمدحهم ويذكرهم الخالق في قرآن يُتلى الى يوم الدين؟ لاشك إن السر يكمن في ذلكم الأمن أو الاستقرار الداخلي، الذي يأتي كنتاج طبيعي ليقين وإيمان بالله عميق، والذي به يغنى المرء، وبه تعتدل صحته، وبه أيضاً يحقق نجاحات مستمرة على شكل ترقيات ودرجات ومكافآت، وغيرها من صور النجاحات المادية والمعنوية في الدنيا قبل الآخرة..


   الأمن الداخلي الناتج عن عميق الصلة والإيمان بالله، بسببه نعيش في سلام، وإن كان ما حولنا في قلق وفوضى أو رعب وبلوى، وبالتالي نبدع وننتج بشكل ايجابي. إنّ الذي نسميه بالسلام أو الأمن الداخلي، هو الذي يدعـو عباد الرحمن الى عدم الخوض في جدال عقيم ومراء لا يفيد.. فقد أدرك هؤلاء أن هذه الحياة ليست حالة ثابتة تجعلهم مستنفرين طوال حياتهم لأي أمر، أو يتقاتلون ويتنافسون على مباهجها وجميل ما فيها، أو يتعاركون بسبب تفاهات وهوامش تسنزف طاقاتهم في الأقل أهمية عن المهم، أو المهم عن الأكثر أهمية.


    عباد الرحمن تراهم مدركين أن كل ما في هذه الحياة العاجلة من أحداث ووقائع لن تستمر، بل زائلة دون أدنى ريب، وبالتالي أي قلق أو توترات بشأنها ستزول أيضاً. ومن هذا الفهم العميق للحياة ومفرداتها وأدبياتها، يعيش عباد الرحمن في سلام عميق، منتظرين السلام الدائم من السلام سبحانه، وقد ظفروا بجائزتهم المنتظرة، جنة عرضها السموات والأرض، وما أغلاها من جائزة ( يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ).

فاللهم اجعلنا وإياكم منهم.