أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 20 أغسطس 2026

إنّ الإنسان لربه لكنود



   حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم من تلك المخلوقات. هاهنا يُقسم الله تعالى بعظمة واحدة من مخلوقاته، الخيل التي في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة، والتي تصهل وتضبح، أي تصدر أصواتاً، وهي تعدو في سبيل الله.

   يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، بأمر أعظم منه وهو أنّ ( الإنسان لربه لكنود ) أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير لا يرى النعم، بل يُحصي ويعد المصائب والنقم، كأنّما حياته خلت من أي نعمة من نعم الله عليه !

  عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:" أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". ويمنع رفده، أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا يقدم المساعدة لمن يحتاجها.


   ليس شرطاً أن يكون الإنسان الكنود، أو الجحود كافراً ومشركا، بل قد يكون من المؤمنين أيضاً، لكنه كفور بالنعمة، كما يقول ابن عطية في تفسير المحرر الوجيز، فتقدير الآية أنّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرضٌ الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يُعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي تُنسيه سيئة واحدة، حسنات كثيرة، ويُعامل الله على عقد عوض !

   إنّ نكران الجميل، سلوك مستهجن يصعب كثيراً على النفس البشرية لا يمكن قبوله، لأنه يُحدث من الألم النفسي الشيء الكثير. ذلك أنّ الفطرة السليمة والذوق السليم عند أي إنسان، أنّ من يقدم لك جميلاً، أن ترد بالمثل، أو أجمل منه، لا أن تنكره، أو ترد بالأسوأ منه. فإذا كان هذا هو حال البشر بين بعضهم البعض، فكيف تفسد فطرتهم السليمة مع الخالق تبارك وتعالى، ويتحول الإنسان إلى شخص كنود جاحد لنعمه سبحانه، التي لا تُعد ولا تحصى؟ إنّه بكل تأكيد، سلوك مُشين ومعيب، وفطرة مشوهة ( ما لها من قرار ).

  رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، حذرنا من نكران الجميل وجحد المعروف كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ). وفي حديث آخر ( مَن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التَّحدُّثُ بنعمة الله شُكْر، وتركُها كُفْر، والجماعةُ رحمة، والفُرقةُ عذاب ).. 

فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.

اللهم آمين.   


الخميس، 13 أغسطس 2026

ويلٌ للمطففين

 


   سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن عباس قال: " لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا.


   قال مالك بن دينار: احتضر جارٌ لي فجعل يقول: جبلان من نار.فقلت له: ما هذا ؟ فقال لي: يا أخي كان لي مكيالان آخذاً بالوافي وأعطي بالناقص.. وقال عكرمة: أشهد على كل كيّال، أو وزّان أنه في النار ( يقصد المطففين منهم ). وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين. والمطفف كما يقول الإمام الماوردي، مأخوذ من الطفيف وهو القليل، أي أنّ المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيلٍ، أو وزن، مادي أم معنوي.


  فعل التطفيف ليس محصوراً في البيع والشراء، وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل، وقد يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا. فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملاً، بينما هو في الوقت ذاته يبخس الآخرين حقوقهم، سواء أكانت حقوقاً مادية، أم معنوية. وقد يكون التطفيف في العمل أيضاً حين يطالب موظف أن ينال التقدير وكافة حقوقه، بينما هو لا يؤدي واجباته بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين الوفاء والاهتمام والرعاية، بينما هو يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس المعاملة التي يرغبها هو منهم !! ومن صور التطفيف أيضاً، أن ينسب المرء لنفسه جهود الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم.

 

 ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل، يجعل المرء أنانياً في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي فقدان ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره، أو الوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة، بسبب أنّ التطفيف، أو بخس الناس حقوقهم، ظلم بيّن وضياع للأمانة.


  سورة المطففين كخلاصة للحديث، تدعونا إلى أهمية أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي حقوقهم كاملة، كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة. إنّ بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم تكن مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيّال أو وزّان بالويل، وهو أشد العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون )

 نسأل الله لنا ولكم العافية.