أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 11 يونيو 2026

حفلات الزواج وتطفيش الشباب !

  


 هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً بداياته..

 بحسب السنّة الشريفة التي أوصانا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نجد النقطة الأولى في أي مشروع زواج هي الإعلان عنه، والثانية إظهار الفرح بشكل مباح، ثم الأخيرة إطعام الطعام بدون إسراف.

    نقاط ثلاث واضحات لا تحتاج لكثير تفصيلات وشروحات، لكن إن أضفنا إلى تلكم النقاط قوله صلى الله عليه وسلم ( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ) فسيكون مشروع الزواج حينها مكتملاً للبدء به على بركة من الله ورعايته.

   لم آتِ بجديد في الموضوع لأنها أمور معروفة. لكن ما استدعى الكتابة فيه، وربما دعا آخرين كذلك لخوضه، هو ما يحصل اليوم في مسائل الزواج التي أضحت تسير عكس التوجيهات النبوية الشريفة، حيث المغالاة والإسراف والتباهي والتفاخر، وكلها عوامل لا تساعد على بدء مشروع الزواج بسلام وأمان، بقدر احتمالية حدوث العكس. 


وفي السطور التالية مزيد شروحات..


   في حديث صحيح يوضح المقصد من الكلام أعلاه ، ما جاء عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى النبي ﷺ  فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: هل نظرت إليها فإنّ في عيون الأنصار شيئا ؟ قال: قد نظرتُ إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ: على أربع أواق؟! كأنما ‌تنحتون ‌الفضة ‌من ‌عُرض هذا الجبل ).


    قوله صلى الله عليه وسلم  ( كأنما ‌تنحتون ‌الفضة من عُرض هذا الجبل )  يُفهم منه كراهة المغالاة في المهور، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يطالب بالتيسير على الشاب المقبل على الزواج، باعتبار أنّ المال الذي يكسبه من عمله يأتيه عن جهد، ولا يتساقط عليه من السماء، وبالتالي الضغط عليه وهو في بدايات تكوينه بمهر كبير، وما يأتي بعده من مراسم وحفلات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان - وهي الحاصلة اليوم في مجتمعاتنا - كلها عوامل تطفيش وتأخير سن الزواج، مع ما لذلك من آثار سلبية عليه وعلى المجتمع بشكل عام.


   ◾️مشاريع الزواج صارت مكلفة قولاً وفعلاً بالنسبة للشاب، بل ربما وصلت إلى حد مخالفة توجيهات الشرع الحنيف.. ولو افترضنا جدلاً أن حالة الشاب المادية، أو حالة أهله ميسورة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن يحدث ما يحدث الآن في مجتمعنا، لأنه يدخل في نطاق الإسراف المنهي عنه شرعاً.

   ◾️من هنا يمكن القول بأنه لا ينبغي أن تتحول حفلات الزواج إلى منصة للتفاخر والتباهي والتنافس غير المحمود بين العائلات، خاصة والسنّة المطهرة تدعو إلى التيسير في مثل هذه المشاريع المباركة، حيث يمكننا تجسيد ذلك التوجيه الكريم بالاكتفاء بحفلة منزلية نسائية عائلية محدودة العدد، ومثلها رجالية.  

   ◾️النسبة الكبيرة من المهور لابد أن تكون للفتاة، لكنها اليوم تذهب جلّها إلى الفنادق ومكاتب تجهيزات الأفراح، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء أسرة جديدة، حيث لا تستفيد الفتاة منها بالشكل المطلوب إلا النزر اليسير، ما يدفع بأهلها لتغطية مصروفات أخرى تضاف على ما يصرفه أهل الشاب، لتتجاوز التكاليف الحد المعقول والمنطقي، التي قد تصل بعضها إلى المليون ريال وربما أكثر من ذلك !!

   ◾️التفنن بالإسراف في تجهيزات الفتاة من ملابس وما شابه من احتياجات، واحدة من المسائل التي يمكن ضبطها وتأجيل معظمها لما بعد الزواج، فليس هناك ما يدعو إلى هذا الاستعجال في توفير كل المتطلبات والاحتياجات ( أغلبها غير ضرورية ) والتي يمكن توفيرها مستقبلاً. فالزوجان دخلا المشروع بهدف الاستقرار وبناء حياة أسرية مباركة خطوة بخطوة، وليست حياة مؤقتة قصيرة تستدعي كل هذا الضغط على الشاب لتوفير كل تلكم الاحتياجات وتراكمها، وهو بعد لم يبدأ يومه الأول مع زوجته !

    ◾️ لماذا ندفع الشاب إلى الاقتراض مبكراً واضطراره بعد ذلك لجدولة حياته وهندستها وفق الديون التي عليه سدادها خلال سنوات عدة قادمة، وهي السنوات المفترض أن تكون أسعد فتراته حياته، يبني خلالها مع زوجته، بيتاً هانئاً سعيداً، لا أن تتحول عند كثيرين إلى فترة  تعيسة ضاغطة بسبب الدخول إلى عالم الديون مبكراً. 


خلاصة الموضوع 

  الحديث فقط عن هذه الظاهرة المقلقة لا يكفي دون أفعال يتم ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، عبر قيام عائلات عديدة مقتدرة بالبدء في إعادة مشاريع الزواج إلى جادة الصواب والعقل والمنطق، وقبل ذلك إلى جادة الشرع الحنيف، تكون قدوة لبقية العائلات المتوسطة أو الأقل من ذلك، وذلك بمنع كل مظاهر الإسراف، وقبل ذلك التخفيف في المهور، والاكتفاء بحفلات زواج عائلية محدودة العدد، لتتوافق مع توجيهات الشرع الحنيف، وتتحقق النقاط الثلاث التي بدأنا بها الحديث. الإعلان، وإظهار الفرح، وإطعام الطعام. وبالتالي تكون العائلات المقتدرة ساهمت في وقف هذا الهوس بالمظاهر، والتنافس غير الواعي في مشروعات الزواج باستغلالها للتفاخر والتباهي في المجتمع !


  لابد من توعية المقبلين على الزواج، لا سيما الفتيات، وأهمية الابتعاد عن المقارنات، أو التأثر بما في وسائل التواصل المختلفة. والتوعية ممتدة إلى الأمهات أيضاً، سواء أمهات الشباب أم البنات، فهما من أسباب نشوء هذه الظاهرة !


  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتنظيم حملات توعوية عبر الخطباء والدعاة، وبالمثل وسائل الإعلام المختلفة، عليها واجب القيام بهذا الدور التوعوي، بالإضافة إلى المدارس والجامعات، مع قيام الوجهاء والمؤثرين بدورهم أيضاً في مثل هذه الحملات التوجيهية. والله كفيل بكل جميل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

 

الخميس، 4 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك

 


  ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب. وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر.. كما أنّ الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسدا، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لا بد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء.  


  هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومنها (.. إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون )  وآيات أخرى شبيهة.

 

   لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ ومن هنا تأتي أهمية أن يكون العقلُ واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه.

 

   خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل ! 

هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساءوا أساء، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم ( لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا ).