أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 3 سبتمبر 2026

لا يسمعـون فيها لغـواً

    



   لاحظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية كالقصور ذات الأنهار والثمار وما لذ فيها وطاب، بل هناك جزاء ربما هو أوفى وأعمق من ذلكم الجزاء المادي، وهو ما نعبّر عنه في دنيانا بالراحة النفسية، أو الأمن الداخلي، الذي يتحقق أساساً كنتيجة طبيعية تلقائية حين يبتعد المرء عن كل كلام ساقط لا خير فيه، ولا وجه له، أو إن صح التعبير، يبتعد عن أجواء اللغو والثرثرة، وما شابه من موبقات اللسان، المهلكات لبني الإنسان، والتي استغرب معاذ رضي الله عنه منها وهو يسمع للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم ينصحه وقد أخذ بلسانه قائلاً له:  كُفّ عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكَبُ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ؟ ".  

 

  كثيرون منا في زحمة الحياة الدنيا، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك تلك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال. يتألم منها كثيراً وطويلاً، بل ربما رأيته مشغول البال أياماً وليالي يبحث كيفية رد الصاع صاعين !

  أليست الثرثرة وكل كلام ساقط ، أو لغو على صورة سب وتطاول وسخرية وهمز ولمز، من مسببات القلق والتوتر لدى الإنسان، ومن عوامل فقدان الأمن والأمان والطمأنينة؟ ألا يهرب كثيرون إلى السفر، أو الإنعزال عن الناس حيناً من الدهر، طال أم قصر، من أجل ضبط إعدادات قلوبهم وألبابهم ؟

 

  لقد حرص سلفنا الصالح على الابتعاد عن اللغو في الحديث، أو كثرة الكلام دون داع، وكانوا أشد حرصاً على قلة الكلام والميل نحو الصمت، ما لم تستدع حاجة إلى النطق، أو الإكثار من الكلام لسبب وآخر. ها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، يقول:" من كثُر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل ورعه، ومن قل ورعه قل دينه ".

وهل هناك مصيبة تحل بالمرء أعظم من قلة الدين؟

 

  من هنا لا نستغرب أن يكون إبعاد الله لعباده المتقين في الجنة عن اللغو والفحش من الكلام، سباً كان أم كذباً أم خصومة أم جدالاً، أحد العطايا الربانية لهم، فما عانوه في دنياهم من أذى نفسي ناتج عن ألسنة الناس حولهم، يجعل من حماية آذانهم من اللغو، عطية لا تقل قيمة عما في جنات النعيم من ملذات، حيث ( لا يسمعـون فيها لغـواً ولا كذّاباً جزاءً من ربك عطاءً حسابا ).   


الخميس، 27 أغسطس 2026

لن يضروكم إلا أذى

 

   

  دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في مواجهات مع ملل الكفر، من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فلم يكن قد حان أوان المواجهات بعد، والتي كان من الممكن لتلك القوى أن تعيق البناء والتأسيس عند أي استفزاز، بل قد تكون سبباً في وأد الدعوة، أو تفتيت قوتها وتشتيت أفرادها وتأجيلها سنوات عديدة.


  لكن ما إن بدأت دولة المدينة تأخذ وضعها وتقوى شوكتها، حتى أذن الله لها أن تدخل في مواجهات مع الكفر بشكل تدريجي. فالدولة، وإن تأسست تربوياً وإيمانياً، كانت القوة المادية والبشرية فيها بحاجة للمزيد، حتى كانت البداية الحقيقية في بدر، التي جاءت كاختبار سماوي للفئة المؤمنة، فنجحت فيه، وتعمَّق الإيمان وزادت الثقة بالنفس، لتتوالى الأحداث في أحد، ثم الخندق، وانتهاء بفتح مكة، وصولاً إلى قناعة تامة ويقين راسخ أن الإسلام قد تمكن في الأرض، وليس من شيء اليوم ولا في الغد القريب، أو البعيد يمكنه التأثير على ذلكم البنيان الصلب المرصوص، المؤسَس وفق أفضل قواعد البناء والتأسيس التي عرفتها البشرية.


  المخاوف من الاستئصال أزعجت المؤمنين حيناً من الدهر وهم في مكة، بل دعت النبي الكريم لإرسال مجموعة من صحبه إلى الحبشة عند النجاشي، لتعيش تلك الفئة سنوات عديدة كقوة احتياطية تواصل مهمة بناء نفسها، ثم تقوم بالدعوة إنْ حدث مكروه للفئة الرئيسية بمكة. واستمرت تلك المخاوف حتى معركة الأحزاب، إلى أن بشّر الرسول الكريم أصحابه بعد هزيمة الكفر يومها، أنّ وقت الدفاع والخوف ولّى، وجاء وقت المبادرة لنشر الإسلام، وتأديب المتربصين بالدين ودولته الفتية :" الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ".


   إنْ اجتمع الكفر على ملة الإسلام في أي مكان وزمان، فالله يضمن للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، كما يقول صاحب الظلال. ضمانة صريحة وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين ( لن يضروكم إلا أذى ) بعد أن وصل الإسلام إلى نقطة اللاعودة إلى الكفر، أو الاستئصال. فمهما تنزل على أمة الإسلام من كوارث وأزمات على يد أهل الكفر، فهي باقية، بعد أن يئس أهل الكفر من اجتثاث هذا الدين، أو دفع أهله للردة (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). هذا الدين قد يختفي بالظلم والإجرام والإكراه من موقع ما، لكنه يظهر في موقع آخر، وفئة مؤمنة تقوم عليه وتنشره وتدافع عنه، دون خشية من الكفر، فالله أحق أن نخشاه ( فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).