سورة يوسف مليئة بأحداث تجعلك وأنت تقرأها لا تتوقف حتى تختمها. هي السورة الوحيدة التي تتحدث عن قصة كاملة من بدايتها إلى نهايتها. ولعل من المشاهد المؤثرة في السورة تلك التي وقعت في قصر العزيز للنبي الكريم يوسف، عليه السلام، مع زوجة العزيز، ومحاولاتها العبث بأقوى غريزة بشرية، لحاجة في نفسها، بعد توفير الظروف المناسبة لإشباع تلك الغريزة !
يحدث أمر مفاجئ من لدن يوسف. حيث وجدته يصد عنها رغم كل الأجواء المهيأة، وبصورة أثارت اندهاشها وغضبها في الوقت نفسه، حتى وصل الأمر إلى شد وجذب بين الطرفين إلى لحظة دخول العزيز عليهما، وبقية القصة المعروفة التي حكاها القرآن الكريم.
يتكرر مشهد الفتنة مرة أخرى في بيت العزيز بصورة
أشد، ولكن مع نساء أخريات من نفس الطبقة الارستقراطية المخملية، اللاتي دعتهن زوجة
العزيز لحاجة في نفسها أيضاً. فكان المشهد الأول نفسه يتكرر معهن، حيث رفض كل
إغراءاتهن ! فكان لابد من حسم الأمر بعد أن تسرب الخبر إلى خارج القصر، فتقرر إدانة
يوسف والحكم بسجنه، حفاظاً على سمعة وشرف القصر وسيدات ذاك المجتمع المخملي الفاسد،
ولو على حساب حياة بريء سيقضي سنوات من شبابه في غياهب السجن.
الأغرب من مشهد رفض يوسف لإغراءات امرأة العزيز
والنسوة، وعلى غير عادة البشر، أو الفطرة البشرية، أنه طلب السجن والقيد والتنازل
عن حريته الشخصية، رغبة لا رهبة، بعد أن تم تداول الأمر مع زوجها العزيز لمنع
انتشار الخبر وتبعاته.
يتنازل إذن يوسف عليه السلام عن حريته. تلك الحرية التي لازالت تقوم ثورات بشرية تطلبها قبل غيرها من حاجات البشر المتنوعة. ففي التاريخ القديم والمعاصر، نجد كثيراً من أولئك الذين ساروا على نهج الأنبياء والمرسلين، الذين اعتبروا السجن أحب إليهم من المداهنة والمجاملة في أمور يرونها أقرب إلى الفتن؛ فالسجن كان في نظرهم حماية لهم من تلك الفتن، رغم أنّ السجن، كما يعرف الجميع، نوع من الابتلاءات الشديدة التي يتعرض لها الناس، ولكن بالطبع ليس كل الناس، إنما الذين يتم الزج بهم ظلماً وعدواناً.
وهكذا يضطر المرء أحياناً
أن يدفع ثمن الثبات على الحق، ولو كان الثمن بعض حياته، أو كلها..
وقانا الله وإياكم من شر
الفتن، ما ظهر منها وما بطن.


