أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 14 مايو 2026

الخوف من المجهول

 


  العالم الخفي من حولنا مخيف بحكم طبيعتنا التي تخاف المجهول، حتى يتحول لظاهر بيّن معلوم. والعوالم الخفية عنا كثيرة لا نراها، إما بسبب حجمها أو تكوينها. فتكون كبيرة بعيدة كالمجرات وأمثالها في الكون الواسع الممتد، أو تكون صغيرة قريبة جداً كعالم الجراثيم والميكروبات، أو عالم ثالث غير مرئي بحكم طبيعة تكوينها، كعالم الملائكة والجن.. وليس حديثنا هاهنا حول هذه العوالم الخفية، بل خواطر حول المجهول والمألوف في حياتنا.

   إنّ أي أحد منا تجده تلقائياً حينما يكون أمام خيارات في أمر ما، يختار المألوف على المجهول،  والتفكير لا يطول به كثيراً في ذلك. لماذا؟ لأن المألوف عادة يُشعره بالأمان، بينما المجهول يفقده ذاك الأمان، وهو ما جعل العامة تقول حول هذا المعنى: خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه!

   أصحاب الخبرات الحياتية يرون البقاء على المألوف، نوع من حرمان النفس من متعة التجريب، والاستمتاع باكتشاف المجهول، الذي يكون في الغالب مثيراً، أو ربما في طياته فرص كبيرة لتحصيل المزيد من الخبرات الحياتية، وهذا الأمر لا يتأتّى لك من خلال الروتين، أو المألوف من الأعمال والمهام الحياتية اليومية.

 

 حين تخاف من المجهول، فأنت مُعرَّض لتفويت فرص عديدة على نفسك..

 ستقول: كيف؟

خذ على ما أقول مثالاً حياتياً لابد أنك عشته مرة، أو ربما ستعيشه مستقبلاً بإذن الله.

تخيل أنك تعمل في وظيفة ما، وتشعر بما نسميه الرضا الوظيفي بسبب أنك تحفظ عملك هذا عن ظهر قلب، لا أخطاء ولا مشاكل، ولا أنت من الذين يحزنون. لكن حين تجد عرضاً وظيفيأ لا يُقاوم، وفي مجال قريب من تخصصك، لكن الوظيفة تتطلب جهوداً وأفكاراً تطويرية، ماذا أنت فاعله؟


   إن كنت من النوع الذي يميل إلى المألوف فستختار تلقائياً ما ألفت عليه، وتبقى في عملك والروتين الذي تعيشه، لأنه يشعرك بأمان، فما الداعي للذهاب إلى مجهول لا تعرفه، وقد تفقد بسببه كل ما أنت عليه؟!

وأنت بهذا الاختيار تكون قد وضعت نفسك في خانة الروتينيين غير المحبذين للتجديد والتطوير وحب الاكتشاف والتجريب، فتظل بسبب ذلك السلوك، جامداً لا تضيف إلى حياتك المهنية أي جديد بعد عدد من السنوات، بل ربما تكون عُـرضة للاستغناء عنك في أول قرار لتطوير وتجديد موقع عملك !


   أما إن كنت من النوع المتجدد الراغب في استكشاف المجهول، والمتطلع إلى التغيير المستمر والتجديد والتطوير، فستختار من فورك الوظيفة الجديدة، لأنها فرصة للخروج بك عن المألوف والروتين والجمود الوظيفي، وفرصة لاكتساب خبرات حياتية ومهنية جديدة، بل وفرصة لمزيد من المعارف والمهارات واكتساب الأصدقاء، واختيارك ذاك سيملأ نفسك بشعور التحدي، الذي هو سر الإبداع والإنتاج المستمرين..

فانظر ماذا ترى؟


الخميس، 7 مايو 2026

قبل أن تلهث وراء المفـقـود

  


  

   زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات.

  عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار.

  بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، والتي صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ؟

 نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى  تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا..

ولا أريد هاهنا أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله . 



   صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة !  ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون 

  يقول ابن قيم الجوزية:" إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها ".

   يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: 

كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا.   

فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين..

آمين يا رب العالمين.