أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 27 أغسطس 2026

لن يضروكم إلا أذى

 

   

  دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في مواجهات مع ملل الكفر، من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فلم يكن قد حان أوان المواجهات بعد، والتي كان من الممكن لتلك القوى أن تعيق البناء والتأسيس عند أي استفزاز، بل قد تكون سبباً في وأد الدعوة، أو تفتيت قوتها وتشتيت أفرادها وتأجيلها سنوات عديدة.


  لكن ما إن بدأت دولة المدينة تأخذ وضعها وتقوى شوكتها، حتى أذن الله لها أن تدخل في مواجهات مع الكفر بشكل تدريجي. فالدولة، وإن تأسست تربوياً وإيمانياً، كانت القوة المادية والبشرية فيها بحاجة للمزيد، حتى كانت البداية الحقيقية في بدر، التي جاءت كاختبار سماوي للفئة المؤمنة، فنجحت فيه، وتعمَّق الإيمان وزادت الثقة بالنفس، لتتوالى الأحداث في أحد، ثم الخندق، وانتهاء بفتح مكة، وصولاً إلى قناعة تامة ويقين راسخ أن الإسلام قد تمكن في الأرض، وليس من شيء اليوم ولا في الغد القريب، أو البعيد يمكنه التأثير على ذلكم البنيان الصلب المرصوص، المؤسَس وفق أفضل قواعد البناء والتأسيس التي عرفتها البشرية.


  المخاوف من الاستئصال أزعجت المؤمنين حيناً من الدهر وهم في مكة، بل دعت النبي الكريم لإرسال مجموعة من صحبه إلى الحبشة عند النجاشي، لتعيش تلك الفئة سنوات عديدة كقوة احتياطية تواصل مهمة بناء نفسها، ثم تقوم بالدعوة إنْ حدث مكروه للفئة الرئيسية بمكة. واستمرت تلك المخاوف حتى معركة الأحزاب، إلى أن بشّر الرسول الكريم أصحابه بعد هزيمة الكفر يومها، أنّ وقت الدفاع والخوف ولّى، وجاء وقت المبادرة لنشر الإسلام، وتأديب المتربصين بالدين ودولته الفتية :" الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ".


   إنْ اجتمع الكفر على ملة الإسلام في أي مكان وزمان، فالله يضمن للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، كما يقول صاحب الظلال. ضمانة صريحة وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين ( لن يضروكم إلا أذى ) بعد أن وصل الإسلام إلى نقطة اللاعودة إلى الكفر، أو الاستئصال. فمهما تنزل على أمة الإسلام من كوارث وأزمات على يد أهل الكفر، فهي باقية، بعد أن يئس أهل الكفر من اجتثاث هذا الدين، أو دفع أهله للردة (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). هذا الدين قد يختفي بالظلم والإجرام والإكراه من موقع ما، لكنه يظهر في موقع آخر، وفئة مؤمنة تقوم عليه وتنشره وتدافع عنه، دون خشية من الكفر، فالله أحق أن نخشاه ( فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).   


الخميس، 20 أغسطس 2026

إنّ الإنسان لربه لكنود



   حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم من تلك المخلوقات. هاهنا يُقسم الله تعالى بعظمة واحدة من مخلوقاته، الخيل التي في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة، والتي تصهل وتضبح، أي تصدر أصواتاً، وهي تعدو في سبيل الله.

   يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، بأمر أعظم منه وهو أنّ ( الإنسان لربه لكنود ) أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير لا يرى النعم، بل يُحصي ويعد المصائب والنقم، كأنّما حياته خلت من أي نعمة من نعم الله عليه !

  عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:" أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". ويمنع رفده، أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا يقدم المساعدة لمن يحتاجها.


   ليس شرطاً أن يكون الإنسان الكنود، أو الجحود كافراً ومشركا، بل قد يكون من المؤمنين أيضاً، لكنه كفور بالنعمة، كما يقول ابن عطية في تفسير المحرر الوجيز، فتقدير الآية أنّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرضٌ الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يُعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي تُنسيه سيئة واحدة، حسنات كثيرة، ويُعامل الله على عقد عوض !

   إنّ نكران الجميل، سلوك مستهجن يصعب كثيراً على النفس البشرية لا يمكن قبوله، لأنه يُحدث من الألم النفسي الشيء الكثير. ذلك أنّ الفطرة السليمة والذوق السليم عند أي إنسان، أنّ من يقدم لك جميلاً، أن ترد بالمثل، أو أجمل منه، لا أن تنكره، أو ترد بالأسوأ منه. فإذا كان هذا هو حال البشر بين بعضهم البعض، فكيف تفسد فطرتهم السليمة مع الخالق تبارك وتعالى، ويتحول الإنسان إلى شخص كنود جاحد لنعمه سبحانه، التي لا تُعد ولا تحصى؟ إنّه بكل تأكيد، سلوك مُشين ومعيب، وفطرة مشوهة ( ما لها من قرار ).

  رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، حذرنا من نكران الجميل وجحد المعروف كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ). وفي حديث آخر ( مَن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التَّحدُّثُ بنعمة الله شُكْر، وتركُها كُفْر، والجماعةُ رحمة، والفُرقةُ عذاب ).. 

فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.

اللهم آمين.