لاحظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية كالقصور ذات الأنهار والثمار وما لذ فيها وطاب، بل هناك جزاء ربما هو أوفى وأعمق من ذلكم الجزاء المادي، وهو ما نعبّر عنه في دنيانا بالراحة النفسية، أو الأمن الداخلي، الذي يتحقق أساساً كنتيجة طبيعية تلقائية حين يبتعد المرء عن كل كلام ساقط لا خير فيه، ولا وجه له، أو إن صح التعبير، يبتعد عن أجواء اللغو والثرثرة، وما شابه من موبقات اللسان، المهلكات لبني الإنسان، والتي استغرب معاذ رضي الله عنه منها وهو يسمع للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم ينصحه وقد أخذ بلسانه قائلاً له: كُفّ عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكَبُ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ؟ ".
كثيرون منا في زحمة الحياة الدنيا، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك تلك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال. يتألم منها كثيراً وطويلاً، بل ربما رأيته مشغول البال أياماً وليالي يبحث كيفية رد الصاع صاعين !
أليست الثرثرة وكل كلام ساقط ، أو لغو على صورة سب وتطاول وسخرية وهمز ولمز، من مسببات القلق والتوتر لدى الإنسان، ومن عوامل فقدان الأمن والأمان والطمأنينة؟ ألا يهرب كثيرون إلى السفر، أو الإنعزال عن الناس حيناً من الدهر، طال أم قصر، من أجل ضبط إعدادات قلوبهم وألبابهم ؟
لقد حرص سلفنا الصالح على الابتعاد عن اللغو في الحديث، أو كثرة الكلام دون داع، وكانوا أشد حرصاً على قلة الكلام والميل نحو الصمت، ما لم تستدع حاجة إلى النطق، أو الإكثار من الكلام لسبب وآخر. ها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، يقول:" من كثُر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل ورعه، ومن قل ورعه قل دينه ".
وهل هناك مصيبة تحل بالمرء أعظم من قلة الدين؟
من هنا لا نستغرب أن يكون إبعاد الله لعباده المتقين في الجنة عن اللغو والفحش من الكلام، سباً كان أم كذباً أم خصومة أم جدالاً، أحد العطايا الربانية لهم، فما عانوه في دنياهم من أذى نفسي ناتج عن ألسنة الناس حولهم، يجعل من حماية آذانهم من اللغو، عطية لا تقل قيمة عما في جنات النعيم من ملذات، حيث ( لا يسمعـون فيها لغـواً ولا كذّاباً جزاءً من ربك عطاءً حسابا ).

