أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 29 أكتوبر 2026

قال ربّ السجنُ أحب إليّ

 

   


  سورة يوسف مليئة بأحداث تجعلك وأنت تقرأها لا تتوقف حتى تختمها. هي السورة الوحيدة التي تتحدث عن قصة كاملة من بدايتها إلى نهايتها. ولعل من المشاهد المؤثرة في السورة تلك التي وقعت في قصر العزيز للنبي الكريم يوسف، عليه السلام، مع زوجة العزيز، ومحاولاتها العبث بأقوى غريزة بشرية، لحاجة في نفسها، بعد توفير الظروف المناسبة لإشباع تلك الغريزة !

   يحدث أمر مفاجئ من لدن يوسف. حيث وجدته يصد عنها رغم كل الأجواء المهيأة، وبصورة أثارت اندهاشها وغضبها في الوقت نفسه، حتى وصل الأمر إلى شد وجذب بين الطرفين إلى لحظة دخول العزيز عليهما، وبقية القصة المعروفة التي حكاها القرآن الكريم.

   يتكرر مشهد الفتنة مرة أخرى في بيت العزيز بصورة أشد، ولكن مع نساء أخريات من نفس الطبقة الارستقراطية المخملية، اللاتي دعتهن زوجة العزيز لحاجة في نفسها أيضاً. فكان المشهد الأول نفسه يتكرر معهن، حيث رفض كل إغراءاتهن ! فكان لابد من حسم الأمر بعد أن تسرب الخبر إلى خارج القصر، فتقرر إدانة يوسف والحكم بسجنه، حفاظاً على سمعة وشرف القصر وسيدات ذاك المجتمع المخملي الفاسد، ولو على حساب حياة بريء سيقضي سنوات من شبابه في غياهب السجن.


  الأغرب من مشهد رفض يوسف لإغراءات امرأة العزيز والنسوة، وعلى غير عادة البشر، أو الفطرة البشرية، أنه طلب السجن والقيد والتنازل عن حريته الشخصية، رغبة لا رهبة، بعد أن تم تداول الأمر مع زوجها العزيز لمنع انتشار الخبر وتبعاته.


  يتنازل إذن يوسف عليه السلام عن حريته. تلك الحرية التي لازالت تقوم ثورات بشرية تطلبها قبل غيرها من حاجات البشر المتنوعة. ففي التاريخ القديم والمعاصر، نجد كثيراً من أولئك الذين ساروا على نهج الأنبياء والمرسلين، الذين اعتبروا السجن أحب إليهم من المداهنة والمجاملة في أمور يرونها أقرب إلى الفتن؛ فالسجن كان في نظرهم حماية لهم من تلك الفتن، رغم أنّ السجن، كما يعرف الجميع، نوع من الابتلاءات الشديدة التي يتعرض لها الناس، ولكن بالطبع ليس كل الناس، إنما الذين يتم الزج بهم ظلماً وعدواناً. 


ألم يُسجن الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية وسيد قطب وغيرهم من الدعاة والمصلحين كثير كثير؟ كل أولئك اعتبروا بعض الأمور والأحداث فتناً شديدة، وأي تنازل عن مبادئهم وقناعاتهم ستكون له تبعات ونتائج غير محمودة عليهم وعلى ألوف مؤلفة من أتباعهم ومحبيهم. فكان قرار السجن والاعتقال، أحب إليهم من التعامل مع تلك الفتن، ولو كان على حساب حريتهم وعافيتهم بل وحياتهم.



وهكذا يضطر المرء أحياناً أن يدفع ثمن الثبات على الحق، ولو كان الثمن بعض حياته، أو كلها..

وقانا الله وإياكم من شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.


الخميس، 1 أكتوبر 2026

بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين

 




   ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في كل حين؟ لا اعتقد انك تنتظر ناتجاً من شخص هذا حاله، والذي بمرور الوقت، وبسبب كثرة ما يتردد على سمعه من إهانات وما شابه، سيبدأ هو بنفسه يتبنّى ويعتقد صحة ما يُقال عنه، فلا يمكن أن يكون الكل على خطأ، وهو الصائب الوحيد !!

باعتقاده هذا سيدخل مرحلة حياتية خطرة، حيث يبدأ ممارسة تحقير الذات بنفسه، فإذا ما خرج للمجتمع بعد حين، وجدته سلبياً لا يعترف بوجوده، فاقداً للثقة، ودائم التقليل من شأنه، وبالضرورة شخص هذا حاله، لن يتمكن من إنجاز ما يوكل إليه من أعمال، ولسان حاله يردد: 

ألستُ ذلك الشخص غير المنتج وغير القادر على فعـل شيء؟ 

ألستُ الشخص الذي كان ناقصاً حقيراً في بيته وبين أهله ؟ 

فلماذا أشعـر بالحزن والأسف، وهكذا نشأت وتربيت؟   

 

   تحقير الذات من الأسباب التي تجعل الفرد غير منتج لا في بيته ولا مجتمعه، ومن السهل أن يتحول لعنصر مجتمعي خامل لا يهش ولا ينش كما تقول العامة، وربما يتحول يوماً ما - إن لم يتم تداركه وعلاجه - إلى عنصر هدم غاية في الخطورة بسبب ما تحيط به من معقتدات وهمية، ومشاعر سيئة يغذيها كبت رهيب نشأ عليه  !

   حين يبدأ الفرد بالتقليل من شأن نفسه، واحتقار ذاته، فهو مؤشر على وجود جذور للمسألة ممتدة إلى أعماق ذاكرته، حيث تتغذى تلك الجذور على ذكريات وحوادث غير سارة تُعتبر مصادر تغذية رئيسية لعمليات استشعار الدونية واستحقار الذات. 

   تلكم الذكريات تعود بالطبع إلى مراحل مبكرة من عمر الإنسان أثناء التنشئة في البيت ثم المدرسة، باعتبارهما أكثر المواقع التي يمكث فيها الفرد طويلاً في حياته، وأكثر المواقع التي يختلط المرء بأفرادها، وتنشأ علاقات وصداقات، وتكون بيئات مثالية لتشكيل الشخصية قبل دخول المجتمع الكبير، فإما أن يكون الناتج على هيئة شخصية إيجابية مبادرة، أو أخرى مهزوزة قلقة تنشد البقاء حيثما كان الظل !

 

   من هنا يتبين دور البيت المهم في رفع، أو خفض شأن أي أحد من أفراده. من يجد في بيته كل تشجيع ورفع شأن من أبويه وإخوته، فهذا لا شك يؤدي إلى تأثره إيجاباً، وينشأ معتزاً بذاته، واثقاً من نفسه، ويكون عامل بناء في أي موقع بالمجتمع، فيما العكس صحيح دون ادنى ريب، وهو ما يدعونا ونحن نربي أبناءنا، إلى إيلاء الأمر أهمية بالغة من منطلق أن كل أحد منا راع ومسؤوول عن رعيته، كما قال المربي الأعظم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.