حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم من تلك المخلوقات. هاهنا يُقسم الله تعالى بعظمة واحدة من مخلوقاته، الخيل التي في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة، والتي تصهل وتضبح، أي تصدر أصواتاً، وهي تعدو في سبيل الله.
يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، بأمر أعظم منه وهو أنّ ( الإنسان لربه لكنود ) أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير لا يرى النعم، بل يُحصي ويعد المصائب والنقم، كأنّما حياته خلت من أي نعمة من نعم الله عليه !
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"
أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع
رفده، ويضرب عبده ". ويمنع رفده، أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا
يقدم المساعدة لمن يحتاجها.
ليس شرطاً أن يكون الإنسان الكنود، أو الجحود كافراً ومشركا، بل قد يكون من المؤمنين أيضاً، لكنه كفور بالنعمة، كما يقول ابن عطية في تفسير المحرر الوجيز، فتقدير الآية أنّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرضٌ الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يُعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي تُنسيه سيئة واحدة، حسنات كثيرة، ويُعامل الله على عقد عوض !
إنّ
نكران الجميل، سلوك مستهجن يصعب كثيراً على النفس البشرية لا يمكن قبوله، لأنه يُحدث
من الألم النفسي الشيء الكثير. ذلك أنّ الفطرة السليمة والذوق السليم عند أي
إنسان، أنّ من يقدم لك جميلاً، أن ترد بالمثل، أو أجمل منه، لا أن تنكره، أو ترد
بالأسوأ منه. فإذا كان هذا هو حال البشر بين بعضهم البعض، فكيف تفسد فطرتهم
السليمة مع الخالق تبارك وتعالى، ويتحول الإنسان إلى شخص كنود جاحد لنعمه سبحانه،
التي لا تُعد ولا تحصى؟ إنّه بكل تأكيد، سلوك مُشين ومعيب، وفطرة مشوهة ( ما
لها من قرار ).
رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، حذرنا من نكران الجميل وجحد المعروف كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ). وفي حديث آخر ( مَن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التَّحدُّثُ بنعمة الله شُكْر، وتركُها كُفْر، والجماعةُ رحمة، والفُرقةُ عذاب )..
فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.
اللهم آمين.

