أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 17 سبتمبر 2026

انتبه من البيت العنكبوتي !



العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن جاء ذكرها في آية واحدة بالإشارة إلى بيتها، الذي يُضرب به المثل على الوهن والضعف وعدم التماسك أمام أي هزة، أو هبةأنثى العنكبوت هي كل الحكاية في عالم هذا الحيوان. الذكر لا دور له سوى المحافظة على استمرار النوع، ثم عليه أن يكون سريع الفرار بعد أداء وظيفته الفطرية مع العنكبوت، من قبل أن تقتله وتلتهمه، فهذا غالباً ما يحدث في أي بيت عنكبوتي. ومن هنا تسمى العنكبوت بالأرملة السوداء، أو الأنثى التي ترمل نفسها بيدها، لتبقى المسيطرة على البيت، ولهذا القرآن ينسبُ البيت إليها.

  قد نظن للوهلة الأولى أن الوهن في بيت العنكبوت بسبب النسيج المستخدم لبناء الشبكة، لكن بعد دراسة علماء الأحياء لحياة هذا الكائن، تبين مدى دقة الوصف القرآني المدهش لمعنى الوهن في هذا البيت تحديداً، دون غيره من البيوت. إذ أنّ الوهن ليس في الشبكة، أو الخيوط، بل في كيان هذا البيت.


  لاحظ أن الأنثى ما إن تنتهي من عملية التزاوج مع الذكر، تبدأ ترتيباتها لقتل العنكب دون أدنى رأفة ورحمة. لكن بعض ذكور العناكب من الذكاء والمهارة، تهرب سريعاً وتنجو بحياتها قبل أن تستعيد العنكبوت نشاطها بعد التزاوج. لكن في أحيان أخرى، هذه الشريرة، وبدلاً من قتل العنكب، تقرر الإبقاء على حياته، فتسجنه في بيتها، ليس رحمة وحباً فيه، وإنما تبقيه كطعام جاهز لصغارها حين يفقس البيض، حتى تجد تلك العناكب الصغيرة الجائعة أباها كطعام لذيذ جاهز للالتهام ! 

وفي بيوت عنكبوتية أخرى، تتطور الأمور في السوء. فما إن تبدأ العناكب الصغيرة بالنمو حتى تنقلب على الأم أيضاً، والتي يجدونها وجبة شهية سهلة المنال. وهكذا يبدأ يعيش أولئك الصغار في مرحلة النمو، وفق مبدأ القوي يأكل الضعيف، حتى يُنسف البيت عن بكرة أبيه !


   البيت العنكبوتي إذن متخلخل لا أساس له منذ بداية تأسيسه، ولا هدف من وراء بنائه سوى تحقيق مصالح فردية بحتة، ولو على حساب جميع أهل البيت. وما أكثر البيوت العنكبوتية في عالمنا البشري، وهو مغزى حديث اليوم، حيث تجد بيوتاً كثيرة يغيب عنها الترابط والتعاون والألفة، وهي أساسات البيت السليم الصحي. لأنّ الوهن حين يضرب في جذور العلاقات الأسرية، ويقع التفرق والخلاف بين أفراد البيت الواحد، وخاصة بين الزوج وزوجته، فإنّ نتائجه عادة هي خراب وانهيار هذا البيت على من فيه. ولذلك كلما قويت العلاقات، صمد البيت، والعكس صحيح دون كثير شروحات وتفصيلات..    

        

الخميس، 10 سبتمبر 2026

لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

 

  

  ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.

  هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً، وقد عبّر عن هذا الأمر التابعي الجليل، أبو الأسود الدؤلي بقوله :

 

            لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

                    عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

            أيها الرجــل المعلـّمُ غيرَه

                    هلاّ لنفسـك كان ذا التعـليمُ

            ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

                    فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

            فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى

                   بالقـول منك وينفعُ التعــليمُ

 

   اليهود هم أبرز نموذج لمن يأمر الناس بالمعروف وينسى نفسه، كما في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) لكن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.


   أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.


   الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود !

 عافانا الله وإياكم من هذا النفاق، وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعـون أحسنه ).