أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 5 فبراير 2026

ما بين قارون وأبستين ..

   

   

   انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى ابستين، الذي صار الإسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه..

   قيل أنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة !     

   الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام.

 

ما هو الفساد ؟ 

الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة.

  الفساد لايكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامين، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات !

   قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه.  فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة !     

 

وفي التاريخ لنا عـبرة

    قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة قارون الذي كان من قوم موسى. أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك فرعون. وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد.

   كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال.

    كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة.

  

الدروع الحامية للفساد

   لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات !   

   لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيءُ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر ( فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ).. 

هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ ( الله لا يُصلحُ عمل المفسدين ).  

الخميس، 29 يناير 2026

ظهير المجرمين


   ندم موسى عليه السلام أشد الندم على فعلته مع قبطي دخل في شجار مع إسرائيلي، حيث وكزه بقبضة يده نحو صدره فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان موسى يتمتع بها، لكن لم يكن يدركها إلا بعد تلكم الواقعة، فشعر أنه ارتكب جرماً وذنباً كبيراً.

  لكن المشهد تكرر تارة أخرى بالغد، إذ رأى قبطياً آخر مع نفس الإسرائيلي، فأراد التدخل لمنع الشجار، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما صدر عنه بالأمس، وأنه هو من قتل القبطي، ووصل الأمر لجهاز الأمن بالدولة، وبدأ البحث عنه، فاختفى موسى عليه السلام من المشهد، وصار يتحرك بحذر.

  مع التحركات الحذرة لموسى عليه السلام، لم ينس فعلته. فقد شعر بالذنب، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه ( رب إني ظلمت نفسي فاغـفر لي فغـفر له ). وحين شعر أن الله استجاب دعوته، عاهد الله وكنوع من من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه، ألا يقف يوماً مع المجرمين فقال: ( ربّ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ).

فهو عهدٌ مطلق، كما يقول صاحب الظلال، ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً ومعينا، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل.

 

الظهير والمجـرم

   إن أردنا بعض التأمل في القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله.

ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين..  

   إنّ الوقوف مع الظلم والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا.  

  عـدم الوقوف في صف الباطل والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟

 أليس ذلك من العـقوق ونكران جميل الخالق عليك ؟!

  

خلاصة الحـديث

   إنّ دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره

وعلى هذا ندير حياتنا، ونبني لآخرتنا.

    إنّ الآية الكريمة ( رب بما أنعـمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) رسالة لكل مؤمن، ألا يكون أو يُرى يوماً من الأيام في معسكر الباطل والظلم والإجرام، وبأي صورة من صور الإعانة، أو الدفاع، أو التمجيد، أو الحماية، أو غيرها من صور، فإنها كلها كما أسلفنا، تدخل في حكم مظاهرة ومعاونة المجرمين، ولو كانوا أولي قربى، والحقُ أحق أن يُتّبع.