أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 30 أبريل 2026

قبل أن تُقفل أبواب الجنة

   

  

   أبواب الجنة عديدة مفتوحة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لكن الدخول عبر تلكم الأبواب تحتاج جهداً وعملاً خالصاً نقياً من أي شوائب أو رياء. لكن هناك بابين، وعلى رغم أنهما تحتاجان عملاً وجهداً أيضاً، إلا أن دخول الجنة عبرهما في متناول اليد، بل ويمكن لأي أحد استثمار الأعمال التي تدفع به لدخول الجنة عبرهما بإذن الله، لا يمنعه من ذلك مانع سوى نفسه، أو قلة همته وتكاسله !

  

الأم والأب، بابان لدخول الجنة. وهما ليسا كبقية أبواب الجنة مفتوحة على الدوام إلى ما شاء الله، بل لهما توقيت معين يتم إغلاقهما. قد يكون الإغلاق تاماً سريعاً، أو يكون متدرجاً. وسنأتي على تفاصيل هذا المعنى. وبالتالي من لم يستثمر وجودهما سريعاً، فإنهما إلى الإغلاق أقرب بموت أحدهما أو كلاهما، بل ربما بموت الشخص نفسه قبل والديه، وهذه خسارة مضاعفة.

  

   قبل أيام مضت، عشت مرارة الفقد للمرة الثانية بعد أعوام سبعة ماضية، كنت قد عشت خلالها مرارة فقد الأم، وها قد جاء بعدها الأب، ولكليهما منزلة خاصة عند المرء. حيث لا يقدر أحدنا القول بأن فقد الأم أعظم من الأب، أو العكس، وخاصة إن بلغا من الكبر عتيا. ويكفي حتى تعرف قدرهما وقيمتهما، أنهما بابان لدخول الجنة، عبر الإحسان إليهما والبر بهما فور أن يبلغ أحدنا سن الرشد والعقل والفهم والوعي.

  عشت مرارة فقد الأب بعد الأم، مهما يبلغ أحدنا من العمر.. وقد زادت مرارة الفقد في الأيام الأخيرة له وهو في معاناة وآلام لا يعلم مداها وكيفيتها وقوتها إلا الله. عاش وسط أنابيب وأسلاك وأجهزة طبية متنوعة، وأدوية مختلفة الأشكال والأنواع، وقد زادت وتعقدت بعد دخوله غرفة العناية الفائقة..

  

من داخل غرفة العناية

شعرت وأنا أراقب الوضع الصحي لأبي وهو يتدهور سريعاً، أنه كما لو صار محطة لتجارب الأطباء، وذلك عبر استخدامهم لكل أنواع الأدوية، من مسكنات ومضادات وغيرهما، فلعل أحدها تثمر وتوقف التدهور في صحته بشكل عام، أو هكذا كان تفكير الأطباء.


  لكن كما كنت أشاهد، بدأت الكلى تتدهور وظائفها تدريجياً، حتى بات كل سائل يدخل الجسد، لا يعرف كيف يخرج منه، بعد أن توقفت الكلى عن العمل بصورة كبيرة. ثم بدأ الضغط ينتقل إلى القلب، الذي ظل صامداً يعمل بصمت  لعقود ثمانية هي عمر الوالد، رحمه الله، وخاصة مع استمرار الالتهابات بالرئة. حيث دخل الجسم في تحد جديد بعد مضاعفة مدرات البول - أعزكم الله – فلعلها تعين الكلى، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة السوائل دون تصريف مناسب، ما أدى إلى هبوط ضغط الدم تدريجياً، رغم حقن الجسم بأدوية تمنع هبوطه.


  لكن الجسم امتلأ بالأدوية والسوائل، وزادت الضغوط ولم تعد أدوية منع هبوط الضغط تفيد, فهكذا كنا نراه - رحمه الله- كما لو أنه يريد القول بأنه لا فائدة ترجى الآن، فقد فات الأوان، وإنّ قدرة الطب لها حدود، حيث بدأ الجسم القوي الذي عاش في نشاط وحركة وجهد طوال سبعة عقود، حتى ضعف في العقد الثامن تماماً، بدأ ينهار سريعاً أمام أعيننا، وبدأ نبض القلب ينخفض إلى أن وصل الرقم صفر، أو لا نبض !

  

   كنا من ذي قبل قد اتفقنا مع الأطباء ألا يكون للعنف والقسوة مكان على جسد الوالد، باستخدام الصدمات الكهربائية لو توقف القلب، لأنه ألم فوق ألم، وتعذيب شديد لرجل ثمانيني منهك يحتضر، فما فائدة دقائق أخرى يعمل خلالها القلب طالما ليس صاحبه في وعيه، وهو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ؟

   تم التأكد من كهرباء القلب عبر جهاز التخطيط ، وتبين للطبيب، وانا أشاهد معه التخطيط الذي بدا خطاً مستقيما، أن القلب فعلياً توقف، والمخ سيعمل دقائق أخرى، لكنه سيتوقف أيضاً سريعاً، لأن مصدر حياته توقف عن ضخ سائل الحياة إليه كما كان لسنوات طوال. نعم لقد قُضي الأمر، وحانت ساعة الأجل التي تمت كتابتها في صحيفة الوالد، رحمه الله، وهو في بطن أمه، مثله مثل أي إنسان يأتي إلى هذه العاجلة..


الوالدان كنز   

الشاهد من الموضوع، أن الوالدين كنز ثمين لا يعرف قيمته الأبناء سريعاً إلا بعد حين من الدهر طويل، بل ربما البعض يدرك ذلك فجأة وهو يرى أحدهما أو كلاهما وقد غادر الدنيا. ولات حين مناص !! ومن هنا يتبين أنّ البر بهما والاحسان إليهما، وبذل الغالي والنفيس من أجلهما، هو أقل ما يمكن أن يقوم به الأبناء تجاه والديهم.


   من كانت أمه وأبيه على قيد الحياة، فليبادر ببرهما من الآن قبل فوات الأوان، لأن البر والإحسان حال وجودهما أسهل من بعد رحيلهما. ففي حياتهما، يمكنك زيارتهما والجلوس إليهما بشكل يومي، وعمل كل ما يلزمهما. لكن بعد موتهما، سيصبح الأمر أصعب تدريجياً، حتى وإن كان أحدنا باراً بوالديه في حياتهما.


   لن يكون أمر البر بالسهولة التي نتوقعها بعد مماتهما، ليس لأننا لا نريد ذلك، بل لأن ما يبتعد ويختفي عن حياتك الدنيوية وفي محيط نظرك وسمعك، وبفعل مؤثرات وضغوط حياتية متسارعة كثيرة ومتنوعة حولك، تنسيك أمر البر بشكل متدرج، وإنّ الحكيم منا من يقاوم ذلك، ويطيل من فترة البر بهما بعد مماتهما. ومن هنا، وجود الوالدين في حياتك أيها القارئ، فرصة لا يجب تفويتها وإضاعتها وتسويف ما يستلزم تجاه البر بهما والإحسان إليهما. فالله الله في أمك وأبيك أيها القارئ قبل فوات الأوان.


خلاصة الحديث 

   الدنيا أيام معدودات، فأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً - وبر الوالدين والإحسان إليهما من ذلك العمل الأخروي - ثم اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً. لا تنشغل وتنغمس بالدنيا، إذ لا شيء في أن تؤجل من أعمالك الدنيوية، فإن فاتك عمل اليوم، يمكنك القيام به بالغد، وإن خسرت أي عمل دنيوي، فلن تخسر سوى حطام لا قيمة له في ميزان الآخرة.


   لكن إن خسرت آخرتك، فقد خسرت حياتك المستقبلية، والآخرة هي الحيوان، أو الحياة الحقيقية التي تستحق أن يعمل المرء لها في يومه وليله.. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وآبائكم وأمهاتنا وأمهاتكم، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها.. آمين يا رب العالمين .

الخميس، 16 أبريل 2026

قبل أن يختنق العالم

 


  العالم دخل حالة من الترقب والقلق بعد انسحاب الأمريكان من محادثات إسلام آباد، التي قيل أنها كانت تسير بشكل مثمر إيجابي، لكن وبحسب روايات متنوعة، تغيرت الأمور فجأة بعد مكالمة تلقاها رئيس الوفد الأمريكي، ليقوم بعدها ويوقف المحادثات إلى أجل غير مسمى، وإن بدأت بعض المصادر منذ الأمس الأول بالحديث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات اليوم الخميس !

  بعد توقف المحادثات، تساءل كثيرون إن كان التوقف خطوة تكتيكية أمريكية من أجل زيادة الضغط على إيران، أم أن هناك أموراً أخرى خافية ؟

الأرجح أن التوقف هو تكتيك أمريكي قديم تستخدمه حكومات الولايات المتحدة في التفاوض مع المخالفين لها، والتي ترغب في إخضاعهم لشروطها عبر تطبيق ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى عليهم، ويتم ذلك بطرق عدة، منها مثلاً، تعليق أو إبطاء المفاوضات، أو إرسال إشارات للمخالف بأنه غير مستعجل في الأمر، كي يخلق حالة من عدم اليقين عنده، وغيرها من طرق وأساليب.  


  إذن وبناء على ذلكم التكتيك، ربما كان إذن الهدف من إنهاء المفاوضات هو دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في ملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وكذلك العقوبات الاقتصادية. وربما استخدام ترامب التاجر مثل هذه السياسة لها علاقة بأسواق النفط والمال، وانعكاسها مباشرة على أسعار النفط ، وكذلك الأسهم في الأسواق المالية. ولك أن تبحث عن شركاته ومصالحه ومصالح آخرين من حوله في أسواق المال والنفط وغيرها، لتدرك خطوات ترامب التاجر !

 

 لكن لماذا التوقف الآن رغم أن الهدنة لم تنته؟


  التوقف قد يعني فعلاً وجود خلافات حقيقية لم تُحل، أو محاولة كسب وقت لإعادة ترتيب الأوراق، وربما اختبار ردود الفعل الدولية خاصة من أوروبا والصين، بل لم لا تكون أيضاً رسالة من كل طرف لجمهوره الداخلي بأنه متماسك عنيد ولا يتنازل بسهولة !

   منذ توقف المحادثات والتحليلات السياسية تزداد يومياً تبحث عن الأسباب. لكن كما هو معروف عن ترامب ومزاجه المتقلب، وفيما العالم ينتظر أي خبر عن موعد آخر للمحادثات لتكملة ما بقي من موضوعات، يقوم بحركة مفاجئة ويعلن عن حصار الموانئ الإيرانية، في خطوة زادت الأزمة تعقيداً، حتى قال البعض بأن ما قام به ترامب هو قرصنة على الهواء مباشرة، مثلما هذا البعض يرى في الوقت نفسه، أن الفعل الإيراني مع المضيق أيضاً فعل قرصنة وتهديد للملاحة الدولية، وضغط جيوسياسي. لكن فريقاً آخر رأى بأن كلا الطرفين تجاوزا القوانين الدولية بشكل غير مقبول ومبرر، إلى غير ذلكم من تحليلات وتقييمات.  

   لكن بشكل واضح ومختصر يمكن القول أن التوتر الناتج في الخليج بسبب سياسات ترامب تجاه إيران، وتحركات طهران في مضيق هرمز، لا يمكن تبسيطه بوصف " قرصنة " لأن أفعال الدولتين قانونياً ليست كذلك، ولكن يمكن تبسيط المسألة أكثر والقول بأن ما يجري هو نموذج لما يمكن تسميته بصراع نفوذ وضغط اقتصادي وأمني متبادل.

لكن الإشكالية هاهنا أن من يدفع ثمن عدم الاستقرار هذا، هو منطقة الخليج أولاً ثم بقية العالم المستفيد من استقرارها وعدم توتر الأوضاع فيها.

 

 ما الحل وهكذا الحال؟

 الحل بالطبع لا يكون بتصعيد حالة التوتر، والتي دون شك صار المستفيد الأكبر من استمرارها وإلتهابها هو نتنياهو وعصابته.

 الحل يكمن في عملية طويلة من التهدئة والتفاهمات التدريجية، من خلال الطرق الدبلوماسية، وضمان حرية الملاحة، ترافقها إعادة عملية بناء الثقة عبر وساطات دولية تقودها جهات مثل الأمم المتحدة مثلاً، وذلك من خلال تكليف أطراف ذات مصداقية دولية في عمليات الوساطة مثل قطر وعُمان، بشرط تأمين وضمان الحماية الكاملة لهما، باعتبار ما أصابهما من أذى إيراني غير مبرر خلال حرب الأربعين يوماً المتوقفة مؤقتاً، وفوق كل ذلك التنبه مرة وألف لمخططات جر الخليج إلى حرب مع إيران، والذي أثبت الخليج إلى الآن أنه قادر على ضبط النفس والاكتفاء بالدفاع، ليقينه أن هناك من يتمنى تورطه في حرب ناسفة ناشفة مع إيران !


خلاصة القول  

  استمرار حالة التوتر الحالية في الخليج ليس مكسباً حقيقياً لأي طرف، لا الأمريكان ولا إيران ولا أحد من الخليج وخارجه، فإنّ تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز ، ما لم يتم فتحه وتأمينه كاملاً اليوم قبل الغد، فإنه سيضغط بعد قليل من الوقت على الاقتصاد العالمي، وسيرفع المخاطر الأمنية، ويعمّق فجوة الثقة.

   نعم، قد توجد مكاسب قصيرة الأمد قد يزعمها ترامب، أو حتى الجانب الإيراني، لكنها مكاسب هشة مؤقتة في نهاية الأمر، لأن الاستنزاف سيطال الجميع..

والحل كما أسلفنا، يبقى كامناً في التهدئة والدبلوماسية، لأنّ الحالة المتوترة بالمنطقة تحتاج بكل تأكيد إلى أصوات العقل والحكمة والدراية، حيث لم تعـد المنطقة تتحمل " فهلوة " من هذا أو ذاك، أو استعراض عضلات من هذه الدولة أو تلك، لأنها كلها سلوكيات ربما تؤدي إلى نوع من سباق تسلح متسرع غير مجد ونافع، واستنزاف هائل للموارد، أو حدوث نوع من الاحتكاك العسكري بقصد أو دون قصد، التي قد تجلب كوارث وأزمات، لا أظن العالم يتطلع إليها أو يحتاجها !