أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 10 سبتمبر 2026

لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

 

  

  ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.

  هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً، وقد عبّر عن هذا الأمر التابعي الجليل، أبو الأسود الدؤلي بقوله :

 

            لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

                    عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

            أيها الرجــل المعلـّمُ غيرَه

                    هلاّ لنفسـك كان ذا التعـليمُ

            ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

                    فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

            فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى

                   بالقـول منك وينفعُ التعــليمُ

 

   اليهود هم أبرز نموذج لمن يأمر الناس بالمعروف وينسى نفسه، كما في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) لكن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.


   أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.


   الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود !

 عافانا الله وإياكم من هذا النفاق، وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعـون أحسنه ).


الخميس، 3 سبتمبر 2026

لا يسمعـون فيها لغـواً

    



   لاحظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية كالقصور ذات الأنهار والثمار وما لذ فيها وطاب، بل هناك جزاء ربما هو أوفى وأعمق من ذلكم الجزاء المادي، وهو ما نعبّر عنه في دنيانا بالراحة النفسية، أو الأمن الداخلي، الذي يتحقق أساساً كنتيجة طبيعية تلقائية حين يبتعد المرء عن كل كلام ساقط لا خير فيه، ولا وجه له، أو إن صح التعبير، يبتعد عن أجواء اللغو والثرثرة، وما شابه من موبقات اللسان، المهلكات لبني الإنسان، والتي استغرب معاذ رضي الله عنه منها وهو يسمع للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم ينصحه وقد أخذ بلسانه قائلاً له:  كُفّ عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكَبُ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ؟ ".  

 

  كثيرون منا في زحمة الحياة الدنيا، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك تلك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال. يتألم منها كثيراً وطويلاً، بل ربما رأيته مشغول البال أياماً وليالي يبحث كيفية رد الصاع صاعين !

  أليست الثرثرة وكل كلام ساقط ، أو لغو على صورة سب وتطاول وسخرية وهمز ولمز، من مسببات القلق والتوتر لدى الإنسان، ومن عوامل فقدان الأمن والأمان والطمأنينة؟ ألا يهرب كثيرون إلى السفر، أو الإنعزال عن الناس حيناً من الدهر، طال أم قصر، من أجل ضبط إعدادات قلوبهم وألبابهم ؟

 

  لقد حرص سلفنا الصالح على الابتعاد عن اللغو في الحديث، أو كثرة الكلام دون داع، وكانوا أشد حرصاً على قلة الكلام والميل نحو الصمت، ما لم تستدع حاجة إلى النطق، أو الإكثار من الكلام لسبب وآخر. ها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، يقول:" من كثُر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل ورعه، ومن قل ورعه قل دينه ".

وهل هناك مصيبة تحل بالمرء أعظم من قلة الدين؟

 

  من هنا لا نستغرب أن يكون إبعاد الله لعباده المتقين في الجنة عن اللغو والفحش من الكلام، سباً كان أم كذباً أم خصومة أم جدالاً، أحد العطايا الربانية لهم، فما عانوه في دنياهم من أذى نفسي ناتج عن ألسنة الناس حولهم، يجعل من حماية آذانهم من اللغو، عطية لا تقل قيمة عما في جنات النعيم من ملذات، حيث ( لا يسمعـون فيها لغـواً ولا كذّاباً جزاءً من ربك عطاءً حسابا ).