أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 7 مايو 2026

قبل أن تلهث وراء المفـقـود

  


  

   زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات.

  عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار.

  بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، والتي صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ؟

 نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى  تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا..

ولا أريد هاهنا أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله . 



   صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة !  ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون 

  يقول ابن قيم الجوزية:" إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها ".

   يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: 

كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا.   

فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين..

آمين يا رب العالمين.


الخميس، 30 أبريل 2026

قبل أن تُقفل أبواب الجنة

   

  

   أبواب الجنة عديدة مفتوحة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لكن الدخول عبر تلكم الأبواب تحتاج جهداً وعملاً خالصاً نقياً من أي شوائب أو رياء. لكن هناك بابين، وعلى رغم أنهما تحتاجان عملاً وجهداً أيضاً، إلا أن دخول الجنة عبرهما في متناول اليد، بل ويمكن لأي أحد استثمار الأعمال التي تدفع به لدخول الجنة عبرهما بإذن الله، لا يمنعه من ذلك مانع سوى نفسه، أو قلة همته وتكاسله !

  

الأم والأب، بابان لدخول الجنة. وهما ليسا كبقية أبواب الجنة مفتوحة على الدوام إلى ما شاء الله، بل لهما توقيت معين يتم إغلاقهما. قد يكون الإغلاق تاماً سريعاً، أو يكون متدرجاً. وسنأتي على تفاصيل هذا المعنى. وبالتالي من لم يستثمر وجودهما سريعاً، فإنهما إلى الإغلاق أقرب بموت أحدهما أو كلاهما، بل ربما بموت الشخص نفسه قبل والديه، وهذه خسارة مضاعفة.

  

   قبل أيام مضت، عشت مرارة الفقد للمرة الثانية بعد أعوام سبعة ماضية، كنت قد عشت خلالها مرارة فقد الأم، وها قد جاء بعدها الأب، ولكليهما منزلة خاصة عند المرء. حيث لا يقدر أحدنا القول بأن فقد الأم أعظم من الأب، أو العكس، وخاصة إن بلغا من الكبر عتيا. ويكفي حتى تعرف قدرهما وقيمتهما، أنهما بابان لدخول الجنة، عبر الإحسان إليهما والبر بهما فور أن يبلغ أحدنا سن الرشد والعقل والفهم والوعي.

  عشت مرارة فقد الأب بعد الأم، مهما يبلغ أحدنا من العمر.. وقد زادت مرارة الفقد في الأيام الأخيرة له وهو في معاناة وآلام لا يعلم مداها وكيفيتها وقوتها إلا الله. عاش وسط أنابيب وأسلاك وأجهزة طبية متنوعة، وأدوية مختلفة الأشكال والأنواع، وقد زادت وتعقدت بعد دخوله غرفة العناية الفائقة..

  

من داخل غرفة العناية

شعرت وأنا أراقب الوضع الصحي لأبي وهو يتدهور سريعاً، أنه كما لو صار محطة لتجارب الأطباء، وذلك عبر استخدامهم لكل أنواع الأدوية، من مسكنات ومضادات وغيرهما، فلعل أحدها تثمر وتوقف التدهور في صحته بشكل عام، أو هكذا كان تفكير الأطباء.


  لكن كما كنت أشاهد، بدأت الكلى تتدهور وظائفها تدريجياً، حتى بات كل سائل يدخل الجسد، لا يعرف كيف يخرج منه، بعد أن توقفت الكلى عن العمل بصورة كبيرة. ثم بدأ الضغط ينتقل إلى القلب، الذي ظل صامداً يعمل بصمت  لعقود ثمانية هي عمر الوالد، رحمه الله، وخاصة مع استمرار الالتهابات بالرئة. حيث دخل الجسم في تحد جديد بعد مضاعفة مدرات البول - أعزكم الله – فلعلها تعين الكلى، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة السوائل دون تصريف مناسب، ما أدى إلى هبوط ضغط الدم تدريجياً، رغم حقن الجسم بأدوية تمنع هبوطه.


  لكن الجسم امتلأ بالأدوية والسوائل، وزادت الضغوط ولم تعد أدوية منع هبوط الضغط تفيد, فهكذا كنا نراه - رحمه الله- كما لو أنه يريد القول بأنه لا فائدة ترجى الآن، فقد فات الأوان، وإنّ قدرة الطب لها حدود، حيث بدأ الجسم القوي الذي عاش في نشاط وحركة وجهد طوال سبعة عقود، حتى ضعف في العقد الثامن تماماً، بدأ ينهار سريعاً أمام أعيننا، وبدأ نبض القلب ينخفض إلى أن وصل الرقم صفر، أو لا نبض !

  

   كنا من ذي قبل قد اتفقنا مع الأطباء ألا يكون للعنف والقسوة مكان على جسد الوالد، باستخدام الصدمات الكهربائية لو توقف القلب، لأنه ألم فوق ألم، وتعذيب شديد لرجل ثمانيني منهك يحتضر، فما فائدة دقائق أخرى يعمل خلالها القلب طالما ليس صاحبه في وعيه، وهو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ؟

   تم التأكد من كهرباء القلب عبر جهاز التخطيط ، وتبين للطبيب، وانا أشاهد معه التخطيط الذي بدا خطاً مستقيما، أن القلب فعلياً توقف، والمخ سيعمل دقائق أخرى، لكنه سيتوقف أيضاً سريعاً، لأن مصدر حياته توقف عن ضخ سائل الحياة إليه كما كان لسنوات طوال. نعم لقد قُضي الأمر، وحانت ساعة الأجل التي تمت كتابتها في صحيفة الوالد، رحمه الله، وهو في بطن أمه، مثله مثل أي إنسان يأتي إلى هذه العاجلة..


الوالدان كنز   

الشاهد من الموضوع، أن الوالدين كنز ثمين لا يعرف قيمته الأبناء سريعاً إلا بعد حين من الدهر طويل، بل ربما البعض يدرك ذلك فجأة وهو يرى أحدهما أو كلاهما وقد غادر الدنيا. ولات حين مناص !! ومن هنا يتبين أنّ البر بهما والاحسان إليهما، وبذل الغالي والنفيس من أجلهما، هو أقل ما يمكن أن يقوم به الأبناء تجاه والديهم.


   من كانت أمه وأبيه على قيد الحياة، فليبادر ببرهما من الآن قبل فوات الأوان، لأن البر والإحسان حال وجودهما أسهل من بعد رحيلهما. ففي حياتهما، يمكنك زيارتهما والجلوس إليهما بشكل يومي، وعمل كل ما يلزمهما. لكن بعد موتهما، سيصبح الأمر أصعب تدريجياً، حتى وإن كان أحدنا باراً بوالديه في حياتهما.


   لن يكون أمر البر بالسهولة التي نتوقعها بعد مماتهما، ليس لأننا لا نريد ذلك، بل لأن ما يبتعد ويختفي عن حياتك الدنيوية وفي محيط نظرك وسمعك، وبفعل مؤثرات وضغوط حياتية متسارعة كثيرة ومتنوعة حولك، تنسيك أمر البر بشكل متدرج، وإنّ الحكيم منا من يقاوم ذلك، ويطيل من فترة البر بهما بعد مماتهما. ومن هنا، وجود الوالدين في حياتك أيها القارئ، فرصة لا يجب تفويتها وإضاعتها وتسويف ما يستلزم تجاه البر بهما والإحسان إليهما. فالله الله في أمك وأبيك أيها القارئ قبل فوات الأوان.


خلاصة الحديث 

   الدنيا أيام معدودات، فأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً - وبر الوالدين والإحسان إليهما من ذلك العمل الأخروي - ثم اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً. لا تنشغل وتنغمس بالدنيا، إذ لا شيء في أن تؤجل من أعمالك الدنيوية، فإن فاتك عمل اليوم، يمكنك القيام به بالغد، وإن خسرت أي عمل دنيوي، فلن تخسر سوى حطام لا قيمة له في ميزان الآخرة.


   لكن إن خسرت آخرتك، فقد خسرت حياتك المستقبلية، والآخرة هي الحيوان، أو الحياة الحقيقية التي تستحق أن يعمل المرء لها في يومه وليله.. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وآبائكم وأمهاتنا وأمهاتكم، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها.. آمين يا رب العالمين .