أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 16 أبريل 2026

قبل أن يختنق العالم

 


  العالم دخل حالة من الترقب والقلق بعد انسحاب الأمريكان من محادثات إسلام آباد، التي قيل أنها كانت تسير بشكل مثمر إيجابي، لكن وبحسب روايات متنوعة، تغيرت الأمور فجأة بعد مكالمة تلقاها رئيس الوفد الأمريكي، ليقوم بعدها ويوقف المحادثات إلى أجل غير مسمى، وإن بدأت بعض المصادر منذ الأمس الأول بالحديث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات اليوم الخميس !

  بعد توقف المحادثات، تساءل كثيرون إن كان التوقف خطوة تكتيكية أمريكية من أجل زيادة الضغط على إيران، أم أن هناك أموراً أخرى خافية ؟

الأرجح أن التوقف هو تكتيك أمريكي قديم تستخدمه حكومات الولايات المتحدة في التفاوض مع المخالفين لها، والتي ترغب في إخضاعهم لشروطها عبر تطبيق ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى عليهم، ويتم ذلك بطرق عدة، منها مثلاً، تعليق أو إبطاء المفاوضات، أو إرسال إشارات للمخالف بأنه غير مستعجل في الأمر، كي يخلق حالة من عدم اليقين عنده، وغيرها من طرق وأساليب.  


  إذن وبناء على ذلكم التكتيك، ربما كان إذن الهدف من إنهاء المفاوضات هو دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في ملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وكذلك العقوبات الاقتصادية. وربما استخدام ترامب التاجر مثل هذه السياسة لها علاقة بأسواق النفط والمال، وانعكاسها مباشرة على أسعار النفط ، وكذلك الأسهم في الأسواق المالية. ولك أن تبحث عن شركاته ومصالحه ومصالح آخرين من حوله في أسواق المال والنفط وغيرها، لتدرك خطوات ترامب التاجر !

 

 لكن لماذا التوقف الآن رغم أن الهدنة لم تنته؟


  التوقف قد يعني فعلاً وجود خلافات حقيقية لم تُحل، أو محاولة كسب وقت لإعادة ترتيب الأوراق، وربما اختبار ردود الفعل الدولية خاصة من أوروبا والصين، بل لم لا تكون أيضاً رسالة من كل طرف لجمهوره الداخلي بأنه متماسك عنيد ولا يتنازل بسهولة !

   منذ توقف المحادثات والتحليلات السياسية تزداد يومياً تبحث عن الأسباب. لكن كما هو معروف عن ترامب ومزاجه المتقلب، وفيما العالم ينتظر أي خبر عن موعد آخر للمحادثات لتكملة ما بقي من موضوعات، يقوم بحركة مفاجئة ويعلن عن حصار الموانئ الإيرانية، في خطوة زادت الأزمة تعقيداً، حتى قال البعض بأن ما قام به ترامب هو قرصنة على الهواء مباشرة، مثلما هذا البعض يرى في الوقت نفسه، أن الفعل الإيراني مع المضيق أيضاً فعل قرصنة وتهديد للملاحة الدولية، وضغط جيوسياسي. لكن فريقاً آخر رأى بأن كلا الطرفين تجاوزا القوانين الدولية بشكل غير مقبول ومبرر، إلى غير ذلكم من تحليلات وتقييمات.  

   لكن بشكل واضح ومختصر يمكن القول أن التوتر الناتج في الخليج بسبب سياسات ترامب تجاه إيران، وتحركات طهران في مضيق هرمز، لا يمكن تبسيطه بوصف " قرصنة " لأن أفعال الدولتين قانونياً ليست كذلك، ولكن يمكن تبسيط المسألة أكثر والقول بأن ما يجري هو نموذج لما يمكن تسميته بصراع نفوذ وضغط اقتصادي وأمني متبادل.

لكن الإشكالية هاهنا أن من يدفع ثمن عدم الاستقرار هذا، هو منطقة الخليج أولاً ثم بقية العالم المستفيد من استقرارها وعدم توتر الأوضاع فيها.

 

 ما الحل وهكذا الحال؟

 الحل بالطبع لا يكون بتصعيد حالة التوتر، والتي دون شك صار المستفيد الأكبر من استمرارها وإلتهابها هو نتنياهو وعصابته.

 الحل يكمن في عملية طويلة من التهدئة والتفاهمات التدريجية، من خلال الطرق الدبلوماسية، وضمان حرية الملاحة، ترافقها إعادة عملية بناء الثقة عبر وساطات دولية تقودها جهات مثل الأمم المتحدة مثلاً، وذلك من خلال تكليف أطراف ذات مصداقية دولية في عمليات الوساطة مثل قطر وعُمان، بشرط تأمين وضمان الحماية الكاملة لهما، باعتبار ما أصابهما من أذى إيراني غير مبرر خلال حرب الأربعين يوماً المتوقفة مؤقتاً، وفوق كل ذلك التنبه مرة وألف لمخططات جر الخليج إلى حرب مع إيران، والذي أثبت الخليج إلى الآن أنه قادر على ضبط النفس والاكتفاء بالدفاع، ليقينه أن هناك من يتمنى تورطه في حرب ناسفة ناشفة مع إيران !


خلاصة القول  

  استمرار حالة التوتر الحالية في الخليج ليس مكسباً حقيقياً لأي طرف، لا الأمريكان ولا إيران ولا أحد من الخليج وخارجه، فإنّ تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز ، ما لم يتم فتحه وتأمينه كاملاً اليوم قبل الغد، فإنه سيضغط بعد قليل من الوقت على الاقتصاد العالمي، وسيرفع المخاطر الأمنية، ويعمّق فجوة الثقة.

   نعم، قد توجد مكاسب قصيرة الأمد قد يزعمها ترامب، أو حتى الجانب الإيراني، لكنها مكاسب هشة مؤقتة في نهاية الأمر، لأن الاستنزاف سيطال الجميع..

والحل كما أسلفنا، يبقى كامناً في التهدئة والدبلوماسية، لأنّ الحالة المتوترة بالمنطقة تحتاج بكل تأكيد إلى أصوات العقل والحكمة والدراية، حيث لم تعـد المنطقة تتحمل " فهلوة " من هذا أو ذاك، أو استعراض عضلات من هذه الدولة أو تلك، لأنها كلها سلوكيات ربما تؤدي إلى نوع من سباق تسلح متسرع غير مجد ونافع، واستنزاف هائل للموارد، أو حدوث نوع من الاحتكاك العسكري بقصد أو دون قصد، التي قد تجلب كوارث وأزمات، لا أظن العالم يتطلع إليها أو يحتاجها !



الخميس، 2 أبريل 2026

القلوب وقت الفتن

   


   الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثيرالبيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله.


    ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيرانا. ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ).

وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك ) فقالَتْ له عائشة :" إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، فقال عليه الصلاة والسلام:" وما يُؤمّنّي ؟ ( بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان ) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه.  

   

   الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟

    مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها هاهنا.


   إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة.. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله !

   الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.


بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْـشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ۚ ظُلُماتٌ بعـضُها فوق بعـض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكـد يراها ۗ ومن لم يَجعـلِ الله لهُ نوراً فـما له من نور﴾. 

  هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا أذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط ، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لاغيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية..   

فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.