أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 4 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك

 


  ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب. وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر.. كما أنّ الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسدا، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لا بد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء.  


  هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومنها (.. إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون )  وآيات أخرى شبيهة.

 

   لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ ومن هنا تأتي أهمية أن يكون العقلُ واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه.

 

   خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل ! 

هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساءوا أساء، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم ( لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا ).

الخميس، 14 مايو 2026

الخوف من المجهول

 


  العالم الخفي من حولنا مخيف بحكم طبيعتنا التي تخاف المجهول، حتى يتحول لظاهر بيّن معلوم. والعوالم الخفية عنا كثيرة لا نراها، إما بسبب حجمها أو تكوينها. فتكون كبيرة بعيدة كالمجرات وأمثالها في الكون الواسع الممتد، أو تكون صغيرة قريبة جداً كعالم الجراثيم والميكروبات، أو عالم ثالث غير مرئي بحكم طبيعة تكوينها، كعالم الملائكة والجن.. وليس حديثنا هاهنا حول هذه العوالم الخفية، بل خواطر حول المجهول والمألوف في حياتنا.

   إنّ أي أحد منا تجده تلقائياً حينما يكون أمام خيارات في أمر ما، يختار المألوف على المجهول،  والتفكير لا يطول به كثيراً في ذلك. لماذا؟ لأن المألوف عادة يُشعره بالأمان، بينما المجهول يفقده ذاك الأمان، وهو ما جعل العامة تقول حول هذا المعنى: خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه!

   أصحاب الخبرات الحياتية يرون البقاء على المألوف، نوع من حرمان النفس من متعة التجريب، والاستمتاع باكتشاف المجهول، الذي يكون في الغالب مثيراً، أو ربما في طياته فرص كبيرة لتحصيل المزيد من الخبرات الحياتية، وهذا الأمر لا يتأتّى لك من خلال الروتين، أو المألوف من الأعمال والمهام الحياتية اليومية.

 

 حين تخاف من المجهول، فأنت مُعرَّض لتفويت فرص عديدة على نفسك..

 ستقول: كيف؟

خذ على ما أقول مثالاً حياتياً لابد أنك عشته مرة، أو ربما ستعيشه مستقبلاً بإذن الله.

تخيل أنك تعمل في وظيفة ما، وتشعر بما نسميه الرضا الوظيفي بسبب أنك تحفظ عملك هذا عن ظهر قلب، لا أخطاء ولا مشاكل، ولا أنت من الذين يحزنون. لكن حين تجد عرضاً وظيفيأ لا يُقاوم، وفي مجال قريب من تخصصك، لكن الوظيفة تتطلب جهوداً وأفكاراً تطويرية، ماذا أنت فاعله؟


   إن كنت من النوع الذي يميل إلى المألوف فستختار تلقائياً ما ألفت عليه، وتبقى في عملك والروتين الذي تعيشه، لأنه يشعرك بأمان، فما الداعي للذهاب إلى مجهول لا تعرفه، وقد تفقد بسببه كل ما أنت عليه؟!

وأنت بهذا الاختيار تكون قد وضعت نفسك في خانة الروتينيين غير المحبذين للتجديد والتطوير وحب الاكتشاف والتجريب، فتظل بسبب ذلك السلوك، جامداً لا تضيف إلى حياتك المهنية أي جديد بعد عدد من السنوات، بل ربما تكون عُـرضة للاستغناء عنك في أول قرار لتطوير وتجديد موقع عملك !


   أما إن كنت من النوع المتجدد الراغب في استكشاف المجهول، والمتطلع إلى التغيير المستمر والتجديد والتطوير، فستختار من فورك الوظيفة الجديدة، لأنها فرصة للخروج بك عن المألوف والروتين والجمود الوظيفي، وفرصة لاكتساب خبرات حياتية ومهنية جديدة، بل وفرصة لمزيد من المعارف والمهارات واكتساب الأصدقاء، واختيارك ذاك سيملأ نفسك بشعور التحدي، الذي هو سر الإبداع والإنتاج المستمرين..

فانظر ماذا ترى؟