أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 18 فبراير 2026

إضاعة الفرصة غُـصّة

 

  


  حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق.

  الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه.

   إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. 

  

 رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً !

وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر.

 

 لصوص وفيلة رمضان

  إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك !

 قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه "عاقل أهل الأندلس" بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة.

 

وضوح الهدف

   المغزى من القصة كما يحلوا لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف.

   استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل في الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار.

  إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

ختام الحديث

   من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:" الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولاتبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب ".

وكل عام وأنتم بخير .

الخميس، 12 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النـار !!

   



   حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب .


   تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى ( وجعلناهم أئمة يدعـون إلى النار ) أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له.


  إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن.  


   فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ.


   لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير.

 

دعاة على أبواب جهنم

  حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني.

قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟

قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟

قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. 

قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟

قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال:

هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟

قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

 

   هل الاعـتزال هـو الحـل ؟ 

   إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟!


    أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك !


   هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لاشك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد !


   لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى  أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم..


   لكن الإشكالية كما قال حذيفة : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله..

 

فهل الحـل هـو الاعـتزال ؟ 

سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. ومن هنا نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه.