الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 29 مارس، 2016

القيادة بين الصديق والفاروق



   سيرة الخليفة الأول للمسلمين أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، ومن ثم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، حافلة بالكثير من الدروس القيادية والإدارية لمن أراد أن يتأملها ويدرسها ، وهي دون مبالغة جديرة بالدراسة والبحث وكثير تأمّل في كليات الإدارة أو القيادة والأركان.

  سيلاحظ أي دارس لسيرتيهما، أن أبابكر الصديق اختلف عن عمر الفاروق في القيادة .. الصديق رضي الله عنه، أعطى من خلال قيادته للدولة دروساً فيما نسميها اليوم بالتفويض ، حيث كان من عادته حين يولي شخصاً مسؤولية ما كقيادة جيش أو سرية ، أن يبين له خطوطاً عريضة عامة ، وله أن يتصرف وفقها ، دون أن يراجعه في كل صغيرة وكبيرة ، إلا ما يُشْكل الأمر على المسؤول، فحينها لابد من الرجوع للخليفة أو صاحب القرار الأول في الدولة ، واضعاً في اعتباره عامل الوقت الذي قد يكون عاملاً سلبياً إذا ما أخذنا في الاعتبار المسافات الشاسعة ووسائل التواصل يومها .

   أسلوب التفويض لم يكن يتوافق مع شخصية وتكوين الفاروق عمر رضي الله عنه ، الذي كان الساعد الأيمن والوزير الأول لأبي بكر ، حيث كان يعارضه في قرارات كثيرة كان يراها أبوبكر بصورة معينة فيما يراها الفاروق بشكل آخر ، وكان الصديق يأخذ برأي عمر مرة ويخالفه في أخرى، ليس انحيازاً لرأيه بسبب هوى بالنفس أو غيره ، بل لأن الاثنين دون شك كان هدفهما مصلحة الاسلام والمسلمين ودولة الاسلام الفتية يومها ، ولم يكن خلافهما لأمور شخصية ، فليس أبوبكر أو عمر من تلك النوعية دون أدنى شك .. إذن كان الغالب على أسلوب إدارة الصديق هو التفويض.. يعطي خطوطاً عامة لأمرائه وقادته ويترك لهم صلاحية التنفيذ والقيادة وفق تلك الخطوط أو المحددات .


   أما أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، فقد اختلف عن الصديق تماماً بعد أن تولى الخلافة ، فقد اشتهر بتطبيق الأسلوب المركزي الشديد في الإدارة والقيادة.. فقد كان يوصي ولاته وأمراء البعوث والجيوش وغيرها باتباع تعليماته بدقة ، وعليهم في كثير من الأمور الرجوع إليه قبل الشروع في الأمر ، وهو ما قد نراه اليوم صعباً في عالم الإدارة وربما يسمي البعض هذا الأسلوب بالديكتاتورية !

   لكن حين التأمل في أسلوب الفاروق رضي الله عنه ، نجد أنه لم يكن بالطبع ديكتاتوراً بالمعنى المتعارف عليه اليوم ، ولكن لشدة حرصه ألا يضيع حقٌ لله ولا لمسلم أو الدولة أو أن يتحمل وزر أحد يوم القيامة، أصبح  دقيقاً في متابعة أعمال المسؤولين بالدولة بنفسه، يريد بذلك الاطمئنان إلى أن الأمور كلها تسير وفق شرع الله ، وهو يدري أن ولاته وقادته من خيرة الصحابة ومن مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع ذلك كان يتابع التفاصيل بنفسه، رغم أن هذا الأسلوب أتعبه كثيراً بدنياً ونفسياً ، لكن ما اختار  ذاك الأسلوب إلا لعلمه أنه الأصلح له والمتوافق مع طبيعته .

   لا أنادي ولا أقول بالديكتاتورية والمركزية الشديدة في الإدارة، ولكن إن كان من بيننا من هو عمر الفاروق، فلا بأس بها ، بل مرحباً بالمركزية العُمرية ، فإنها هي المركزية التي دكت قلاع وحصون وممالك الروم والفرس ، وكانت دولة الإسلام في عهده، مُهابة الجانب ، جليلة الشأن، وكان هو نفسه ، شخصاً لم يتكرر إلى اليوم ، وإن كنت لا أدري عن الغد أو المستقبل، القريب منه أو البعيد.           

ليست هناك تعليقات: