أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 15 يناير 2026

هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ؟

 


  

هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسبونها طريقة صحيحة ترضي الله، وأن أعمالهم تلك مقبولة عنده سبحانه.

ومن الناس من يشرك بالله ويظن أنه على شيء وهو لا شيء، وأمثال هؤلاء كثير إلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. يعتقدون صلاح أعمالهم، وهي عند الله غير ذلك، وهم في الآخرة من الأخسرين، وقد اختلف المفسرون حولهم.

   يقول الإمام الماوردي في قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أن فيهم خمسة أقاويل: أحدها أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي بن أبي طالب. الثاني أنهم الكتابيون اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص.

أما الثالث فهم أهل حروراء من الخوارج، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. الرابع هم أهل الأهواء، والخامس من يصطنع المعروف ويمنّ عليه.. ويحتمل سادساً أنهم المنافقون بأعمالهم، المخالفون باعتقادهم، ويحتمل سابعاً أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة.  

  يظن ويتوهم كل أولئك أنهم يحسنون صنعاً في الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الطيبة لا شك عندهم أنها مقبولة عند الله، والله سبحانه عنى بقوله ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، كما يقول الإمام الطبري، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله، كفرة ومن أهل أيّ دين كانوا.   

  

   إنّ من شروط قبول الأعمال، الإخلاص والصواب. أما الأول وهو الإخلاص، فيعني أن تقوم العمل لا تقوم به إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته، لا لأحد سواه، ولا تبتغي مرضاة أحد غير رضا الله. بمعنى آخر، لا رياء أو تتحرى الحصول على إعجاب الآخرين وثناءاتهم.

   أن تقوم بعمل صالح وتخفيه عن الناس جميعاً، هو من الأعمال غير اليسيرة في حقيقة الأمر، والشيطان لا يسره قيام أحدنا بعمل صالح يخفيه عن الآخرين، باعتبار أن ذلك مسلك الصالحين أعداء الشيطان، الذي لا يمل ولا يكل من دفع أولئك الصالحين لإظهار أعمالهم الخفية الصالحة ولو بنسبة ضئيلة بادئ الأمر، كي يتسلل إلى نفوسهم بعد حين من الدهر طال أم قصر بعض الرياء، على اعتبار أن أي إنسان منا وبحكم فطرته البشرية، يحب المديح والشكر والإطراء، ويسعده إن قام بعمل صالح، أن يشيد به الناس ويشكرونه..

   هكذا هي النفس البشرية، ومن هذه الثغرة الضعيفة بالنفس، يتسلل الشيطان إلى القلب ليدفع بصاحبه إلى تحويل عمله الصالح الخفي إلى ظاهر بيّن.. إذ مع الأيام والتكرار، سيستمر هذا الإنسان في أعماله الصالحة الظاهرة، وخاصة بعد أن يبدأ يتذوق حلاوة الثناء والإشادة من الآخرين، حتى تجده بعد حين من الدهر وقد وقع في فتنة العُجب واستحسان العمل، فتقل نسبة الإخلاص تدريجياً عنده ليتحول - أي العمل الصالح - إلى أشبه ما يكون بأي عمل إعلامي يتحرى صاحبه شوقاً لعبارات المديح والثناء، من بعد الظهور في الأضواء بالطبع، ومن بعد أن يكون الشيطان قد خلط عليه مفاهيم العمل الصالح وفوائد الإعلان عنها، إلى غير ذلك من مفاهيم.

  

ضمن هذا السياق، نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصينا بقوله:" من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل  ".. وأحسبُ أن العمل الصالح يستحق جداً أن نخفيه عن الناس مثلما نفعل مع العمل السيء، كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه :" اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح، كما أن لكم خبيئة من العمل السيء "..

 

لكن هل يكفي هذا الإخلاص لقبول العمل ؟

 بالطبع لا يكفي، لأن الركن الثاني لقبول العمل بعد الأول وهو الإخلاص كما أسلفنا، أن يكون العمل صحيحاً سليماً لا يخالف شرع الله. فما فائدة عمل خالص لله، والنيات طيبة بريئة، لكنه غير صحيح، أو مخالف لسنة الله ورسوله؟

  من هنا تأتي أهمية دور العلم، وضرورة أن يتعلم الإنسان دينه قبل أن يقوم بالعبادات والشعائر، أو يقوم بالنوافل والسنن والأعمال الصالحة الأخرى، لكي يكون على بيّنة من أمره، فلا يميل إلى تأويل فاسد، أو فهم سيء ربما يدفعه من حيث لا يدري، إلى زمرة الأخسرين أعمالا والعياذ بالله..

أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين، الهادين المهديين، وأن يجعلنا من الراشدين.  

 

 

 

الخميس، 11 ديسمبر 2025

فرعـون لم يمت بعـد


لا شك أن كثرة قصص فرعون في آيات وسور القرآن لها مغزى، وأنّ تلكم الكثرة ليست قصصاً تاريخية تروى من باب العلم بحكايا وأخبار الأقدمين، إنما لتنبيه من يأتي بعدهم جيلاً بعد جيل أن تلك الأحداث ومن عاشوا فيها، هي دروس للتأمل والتفكر وأخذ العظة والعبرة، وهكذا هي قصص القرآن الكريم.

  حتى لا نطيل في التقديم..

  الفرعون الذي كان يهيمن على مقاليد الأمور في مصر منذ ما قبل ولادة موسى عليه السلام، ثم استمر في الحكم حتى شب موسى وصار نبياً رسولاً مطلوب منه مواجهة فرعون وبقية القصة المعروفة، هو من أقبح النماذج الظالمة في تاريخ البشرية.

  إنه إلى جانب الظلم، كان جباراً عنيداً فاسداً. ظلم نفسه قبل غيره حين ادعى الربوبية، ولم يقم أحد من قبله بهذا الفعل الظالم غير الواعي. واستمر في ارتكاب المظالم الواحدة تلو الأخرى. منها تعذيب الناس في مملكته، لا سيما بني إسرائيل، حيث قام بتسخير رجالهم للعمل في أدنى وأحقر الأعمال، وإرهاقهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم. ومنها استحياء الإسرائيليات عبر تسخيرهن لخدمته في قصوره وقصور آله ومن يدور في فلكه. ومنها الأمر بقتل أطفال بني إسرائيل الذكور، ليسحق بذلك سعادة الأهالي بأي وليد ذكر. ومنها تفريق بني إسرائيل إلى جماعات وشيع وفرق، وبذر الشقاق والخلاف والعداوات بينهم، تجسيداً لمبدأ فرّق تسد.

   قائمة الظلم عند فرعون كانت طويلة عريضة، شملت إلى جانب ما ذكرناه آنفاً،  تهديد أي أحد يستمع لموسى وأخيه هارون، سواء عبر لقاءات مباشرة معهما، أو عبر وسائل إعلامية أخرى من وسائل ذلك الزمان، حتى وصل الضغط الفرعوني السياسي والإعلامي على الناس أن منع مجرد التفكير في تبنّي رأي مخالف، أو دعوة إصلاحية خلاف ما يراه هو ويدعو إليه، وبالتالي ازدحمت واكتظت سجونه بعشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء، من المعارضين لفكره السياسي أولاً، والمعارضين لغطرسته وظلمه ثانياً في مجالات حياتية أخرى عديدة، خاصة بعد انتشار دعوة موسى عليه السلام شيئاً فشيئا، حتى وجّه بوصلته نحو موسى يهدده ( قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ).

   هكذا كان فرعون. لم يكن يريد أحداً الخروج عن رأيه ورؤيته ( ما أريكم إلا ما أرى ) وخاصة أنه بدأ يشعر باهتزاز ما  يحدث لكرسيه، وأن موسى وهارون هما السبب الرئيسي، بل هما مصدر ( الإرهاب ) الذي رأى أنه يجتاح المجتمع المصري حينذاك ! ولهذا لا نستغرب اليوم من تكرار مزاعم الطغاة ضد كل مصلح أو ناقد، ذلك أنهم جميعاً من المدرسة ذاتها خرجوا.

 مدرسة الظلم والطغيان.


   من هنا يمكنك ملاحظة سر تنوع أساليب القرآن في عرض قصص فرعون، والتركيز على جزئية أو جزئيات معينة في كل قصة. لكن ما يهمنا هاهنا أن السبب الرئيس لفساد وظلم فرعون، ليس لأنه كان على رأس الهرم الرئاسي الذي وصله بقدرة قادر، والذي يتيح له فعل ما يشاء دون مساءلة، أو كما هو في قاموس الطغاة، بل لأن غالب البيئة يومئذ فاسدة ظالمة، حتى من قبل أن يأتي الفرعون.

    إنّ النتيجة الطبيعية لانتشار الظلم بين الناس بعضهم بعضا، هي وصول ظالم وفاسد إلى سدة الحكم، يكرس الظلم والطغيان، ويقود الناس بنفس الكيفية التي يتعاملون بين بعضهم البعض. وكيفما تكونوا يولّى عليكم، كما قال بعض السلف.

   لو تتأمل ما كان في المجتمع الفرعوني في ذلكم الزمان، وما هو حاصل في كثير من المجتمعات في هذا الزمان، لوجدت تشابهاً في السلوكيات والأخلاقيات، وانتشار الظلم بين الناس بعضهم بعضا، وهذا ما يفسر لك بالتالي كثرة الطواغيت والحكام الظلمة، وليس من تفسير لهذا اقتنعت به يفسر وجود حكام ظلمة في مواقع مختلفة، سوى أنه عقوبة ابتدائية إلهية متدرجة وتحذيرية أيضاً، قبل أن يرسل إليهم رسولاً يخرجهم مما هم فيه - وذلك في عهد الأنبياء والمرسلين - فيما اليوم على شكل دعاة إصلاح ومصلحين صادقين، يدعون إلى بناء مجتمعات جديدة توحّد الله لا تشرك به أحداً، ولا يظلم أحدٌ أحدا.

   خلاصة ما يمكن القول في ختام هذا الحديث الموجز،  أن المغزى من المشاهد أو القصص القرآنية عن الظلم والظالمين، هو التفكر والتأمل، وأنّ من يظلم لا بد أن يُظلم، والظالمُ إن لم يجد من يقلّم أظافره ويضع له حداً، استبد وتوحّش وتغوّل، وأن من أعان ظالماً سُلّط عليه عاجلاً أم آجلا ( ولا يظلم ربك أحدا ).

 

لكن السؤال المطروح على مدارالتاريخ :

هل يرتدع الظالمون، كلٌ في موقعه ومجتمعه ؟

لا يبدو أن فرعون قد غرق ومات، أو استفاد من جاء بعده من دروس عواقب الظلم والطغيان، ولا يبدو الدرس واضحاً لكثيرين حتى يوم الناس هذا، ما يفسر لك أن فرعون وإن مات بدنياً، إلا أن فكره لا زال ساري المفعول وقابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، وإلا ما تفسيرك لتزايد عدد الظلمة والطغاة حول العالم ؟

 لابد أن خللاً ما في الوعي والإدراك أصاب كثيرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.