الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

السبت، 11 يناير، 2014

ديـمـقراطيـات البيـوت ..


   في أي بيت عامر بالبنين والبنات، لابد أن تكثر فيه السجالات والنقاشات والمجادلات، وتوابعها من مقذوفات مادية وشفوية!! لا يمكن أن تجد اتفاقاً جامعاً على أمر، بل لابد وأن يخالف الإجماع أحد الأفراد، بسبب أو بدون، وهذا أحد أسرار ديمومة وسخونة النقاشات المنزلية التي تتطلب دوماً تدخل الكبار، الأب أو الأم.. مشهد قد يوحي لك بالفوضى لكنه من أجمل المشاهد الحيوية العائلية التي ستظل عالقة بالأذهان لفترات طويلة.

   المهم في الموضوع، أننا كآباء وأمهات وفي أغلب البيوت، ننشد الهدوء والالتزام، ومن أجل ذلك تجدنا نفرض الأوامر والقيود ونعمِّم التعليمات وننشر المراسيم واللوائح والقوانين في البيت، لا يهم أن نحول البيت إلى مؤسسة عسكرية صارمة، كلها أوامر وتعليمات وواجبات.. نظن ونحن نشرع في سن القوانين والتعليمات أن الأبناء لا يكبرون ولا تتنوع اهتماماتهم وأفكارهم وميولهم، ولا يخطر على البال أن الزمن يدور والحياة متغيرة.

   من هذا المفهوم، لابد أن ندرك أن البيت إنما هو نموذج مصغر للمجتمع الكبير، لا يمكن أن تجد كل أفراده على قلب رجل واحد أو يسيرون وفق تناغم معين، بل لا بد مثلما أن بالمجتمع معارضة، أن يكون بالبيت كذلك جبهة معارضة، إما أن تكون في شخص مراهق واحد وإما في عدد منهم إخوة وأخوات.

   المجتمعات المتقدمة الديمقراطية حتى تحفظ أمنها وتسير بخطى واثقة، تجد الجميع يسمع للجميع. هناك رأي ورأي آخر، لا يعيب أحد على رأي غيره، ويحدث نقاش بشكل ديمقراطي لأي موضوع يمس الجميع، إلى أن يتم الاتفاق بالأغلبية على أفضل الآراء.. إن مثل هذه القيم التي نراها في تلك المجتمعات إنما نشأت أساساً في البيوت، حتى إذا جاء وقت تطبيقها عملياً بالمجتمع، وجدت الجميع يفهمها ويتفاعل معها.

   من هنا لابد أن ندرك أهمية البيوت في بناء المجتمعات والدول. كلما كانت البيوت آمنة مطمئنة متماسكة، كلما كانت المجتمعات بالمثل آمنة مطمئنة قوية، وهذا بالضرورة ينعكس على الدولة نفسها.. معادلة رياضية دقيقة لكنها لا تحتاج لكثير شروحات وتفاصيل.