أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 28 مارس 2012

الحراك الشعبي الخليجي المحتشم .. كيف يراه الأمريكان؟

   بعد حرب الخليج الثانية 1991، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإعداد خطط استراتيجية طويلة الأمد من أجل إعادة توزيع انتشار قواتها في منطقة الخليج، وبالصورة التي يمكنها الحفاظ على أمن وسلامة تلك القوات من أية أخطار وصعوبات قد تنشأ بسبب تمركزها الكبير في المنطقة..

  يرى المراقبون للوضع في الخليج، أن المتغيرات على الساحة الخليجية لعبت دوراً مهما في التفكير الجدي لدى صنَاع القرار الأمريكي، لإعادة النظر في الوجود العسكري للولايات المتحدة، وفي الكثافة التي كانت عليها قبل سنوات، أو الحالية أيضا، وأهمية التعامل الجاد مع تلك المتغيرات، التي لا بد أنها ستؤثر بالضرورة عليها سلباً في وقت من الأوقات، أو هكذا هي أغلب الاحتمالات، إذا ما تم تجاهل تلكم المتغيرات والتهوين من شأنها.

  صدر قبل عقدين من الآن تقريباً، تقرير عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، يتحدث كاتبوه عن الكيفية التي يجب أن تسير عليها السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات القادمة في العالم العربي.. التقرير، الذي قام بإعداده عدد من الأسماء المشهورة في الولايات المتحدة، وذات الخبرة في العلاقات الدولية ووضع الإستراتيجيات، تحدث عن الوجود الأمريكي في منطقة الخليج، وكيفية التنسيق والتوافق أولاً، بين المحافظة على ضمان تدفق النفط الخليجي بانسيابية وحرية ومن دون إزعاجات محتملة، سواء من العراق – قبل سقوط صدام – أو إيران، باعتبارهما القوتين المحتملتين القادرتين على زعزعة أمن واستقرار الخليج بحسب المفهوم الأمريكي لأمن المنطقة، ومن ثم المحافظة ثانياً على أمن وسلامة أفرادها ومعداتها العسكرية المخزنة في عدد من دول الخليج، والحيلولة دون  تعرضها لأية أخطار أوإشكاليات قد تقع في أي وقت، مع إمكانية تصاعد وتيرة الكراهية والعداء الكامن للوجود الأمريكي في المنطقة بصوره المختلفة.


لعل من أفضل التوصيات التي أكد عليها التقرير الاستخباراتي، كانت بخصوص تخفيض الوجود العسكري أولاً، متبوعاً بعدم الظهور السافر لأي مظهر عسكري في المجتمعات الخليجية، من أجل ضمان عدم إحراج الأنظمة الحاكمة في المنطقة. ومع ذلك ذهب التقرير إلى أهمية الوجود العسكري الأمريكي في الخليج من أجل الأمن والاستقرار، على الرغم من أن هذا الوجود العسكري قد يجعل من أنظمة الحكم في الخليج، هدفاً لانتقادات مواطني تلك الأقطار. وبرهن أولئك المنظّرون، أو واضعو التقرير على ذلك بتصاعد درجة العداء والكراهية للولايات المتحدة بين الحين والحين، وخصوصاً من قبل مجموعات المعارضة الخليجية الرافضة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أصلاً، وأن تلك المجموعات بإمكانها استثمار المشاعر المعادية للغرب بشكل عام والولايات المتحدة، بالتركيز على النواحي السلبية للوجود الغربي، أو الأمريكي في الخليج تحديداً، وأن هذا الوجود إنما يقوَض سيادة دول مجلس التعاون .  

  مع المتغيرات الحاصلة في منطقة الخليج في العقد الأخير، وتحرك الولايات المتحدة للتعامل الجاد معها، وبما يضمن عدم تعرض مصالحها للخطر، واستشعارها نوعاً من الضغط بسبب وجود اتجاه معارض لوجودها في الخليج، حتى ولو كان محتشماً غير واضح أو عنيف،  تأتي الدعوة إلى التساؤل: إلى أي مدى يمكن أن ترضخ الولايات المتحدة إلى ضغوط من تلك النوعية؟ وكيف سيكون تعاملها مع القيادات السياسية في المنطقة في الفترة المقبلة، خاصة بعد ثورات الربيع العربي؟ وهل يمكن أن تقع مصادمات بين حكومات الخليج ومجموعات من شعوبها ؟

   لا يمكن لأي مراقب أن يقرر بنعم أو لا، لكن القول بأن ذلك الأمر جائز وقوعه ومحتمل في أي وقت، قد يكون أفضل ما يمكن أن يقال حول حركة الأحداث في الخليج. وأحسب أن الولايات المتحدة لن ترضى بهذا الواقع، ولن ترضى أن تزعزعها مجموعات متناثرة هنا وهناك، وخصوصاً في منطقة مسالمة في الأصل مثل الخليج.. وظني أن ضغوطات كبيرة من واشنطن سيتم الرمي بها على عاتق القيادات السياسية الحاكمة في الخليج، للتعامل مع مسببات عدم الاستقرار للوجود الأمريكي في الخليج بصورة وأخرى !

  أما الحديث عن ماهية و نوعية تلك التعاملات، أو الضغوطات المحتملة على القيادات السياسية الحاكمة في الخليج من قبل الولايات المتحدة، فأظن أنها لن تكون عادية إذا ما اشتد الأمر، وزادت الضغوطات الأمريكية. على أن المنظرين الأمريكان الذين كتبوا التقرير سالف الذكر،  يرون الأمر من منظور محدد، يفيد بأن معالجة المشكلة تلك لا تتم سوى بطريقتين لا ثالثة لهما.. الأولى أن تقع مصادمات عنيفة بين الحكومات الخليجية وبين مجموعات المعارضة الشعبية، المنتظمة وغير المنتظمة، التي تعارض الوجود الأمريكي في المنطقة.

   وفي هذه الحالة لن تجد الولايات المتحدة من طريقة، سوى دعم التوجهات الحكومية والمحافظة على استقرارها وتثبيتها،  من منطلق أن المعارضة في أية دولة خليجية، ما هي إلا مجموعات صغيرة لا تملك تلك البنى التحتية التي تساعدها على الثبات في أي مصادمات مع الحكومة، وإنّ القضاء عليها أو تشتيتها داخل البلد، أو إلى الخارج هي من الأمور اليسيرة التي لا تأخذ كثيراً من الجهد والوقت !

ومن هنا ترى الولايات المتحدة أن مصلحتها الإستراتيجية في المرحلة الحالية والقادمة، ولسنوات عشر قادمة على أقل تقدير، تجعلها لا تنحاز لأي حركة معارضة في الخليج، مهما تبلغ  درجة الخلاف بينها وبين الحكومات الحالية، بل إن مصلحتها  الوقوف في وجه تلك المجموعات، وبقوة إن استدعى الأمر !

  أما الطريقة الثانية التي يقترحها أولئك المنظرون للتعامل مع هذه الحالة، هي أن تتعامل الولايات المتحدة مع حكومات الخليج  كل على حدة، باعتبار أن الظروف تختلف من بلد إلى آخر، وما يصلح كطريقة للتعامل مع المعارضة في دولة خليجية ما،  قد لا تكون صالحة ناجعة كذلك في دولة أخرى.. فهناك مثلاً طريقة أولى هي التعامل مع الأصوات المعارضة بالعنف، أو بالتفاهم والحوار ولو في الحدود الدنيا كطريقة ثانية. أو الطريقة الثالثة عبر اختراق المعارضة وفتح الثغرات بها، ثم أخيراً ترغيب بعض المعارضين المؤثرين في الدخول إلى المنظومة الحاكمة، وإغراقها بالامتيازات المادية والمعنوية وما شابهها.. وكل تلك الطرق حسب التقرير، يمكنها أن تؤدي في النهاية لإطالة أو تمديد فترة بقاء الأمريكان في المنطقة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. 

ليست هناك تعليقات: