أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 1 أكتوبر 2026

بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين

 




   ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في كل حين؟ لا اعتقد انك تنتظر ناتجاً من شخص هذا حاله، والذي بمرور الوقت، وبسبب كثرة ما يتردد على سمعه من إهانات وما شابه، سيبدأ هو بنفسه يتبنّى ويعتقد صحة ما يُقال عنه، فلا يمكن أن يكون الكل على خطأ، وهو الصائب الوحيد !!

باعتقاده هذا سيدخل مرحلة حياتية خطرة، حيث يبدأ ممارسة تحقير الذات بنفسه، فإذا ما خرج للمجتمع بعد حين، وجدته سلبياً لا يعترف بوجوده، فاقداً للثقة، ودائم التقليل من شأنه، وبالضرورة شخص هذا حاله، لن يتمكن من إنجاز ما يوكل إليه من أعمال، ولسان حاله يردد: 

ألستُ ذلك الشخص غير المنتج وغير القادر على فعـل شيء؟ 

ألستُ الشخص الذي كان ناقصاً حقيراً في بيته وبين أهله ؟ 

فلماذا أشعـر بالحزن والأسف، وهكذا نشأت وتربيت؟   

 

   تحقير الذات من الأسباب التي تجعل الفرد غير منتج لا في بيته ولا مجتمعه، ومن السهل أن يتحول لعنصر مجتمعي خامل لا يهش ولا ينش كما تقول العامة، وربما يتحول يوماً ما - إن لم يتم تداركه وعلاجه - إلى عنصر هدم غاية في الخطورة بسبب ما تحيط به من معقتدات وهمية، ومشاعر سيئة يغذيها كبت رهيب نشأ عليه  !

   حين يبدأ الفرد بالتقليل من شأن نفسه، واحتقار ذاته، فهو مؤشر على وجود جذور للمسألة ممتدة إلى أعماق ذاكرته، حيث تتغذى تلك الجذور على ذكريات وحوادث غير سارة تُعتبر مصادر تغذية رئيسية لعمليات استشعار الدونية واستحقار الذات. 

   تلكم الذكريات تعود بالطبع إلى مراحل مبكرة من عمر الإنسان أثناء التنشئة في البيت ثم المدرسة، باعتبارهما أكثر المواقع التي يمكث فيها الفرد طويلاً في حياته، وأكثر المواقع التي يختلط المرء بأفرادها، وتنشأ علاقات وصداقات، وتكون بيئات مثالية لتشكيل الشخصية قبل دخول المجتمع الكبير، فإما أن يكون الناتج على هيئة شخصية إيجابية مبادرة، أو أخرى مهزوزة قلقة تنشد البقاء حيثما كان الظل !

 

   من هنا يتبين دور البيت المهم في رفع، أو خفض شأن أي أحد من أفراده. من يجد في بيته كل تشجيع ورفع شأن من أبويه وإخوته، فهذا لا شك يؤدي إلى تأثره إيجاباً، وينشأ معتزاً بذاته، واثقاً من نفسه، ويكون عامل بناء في أي موقع بالمجتمع، فيما العكس صحيح دون ادنى ريب، وهو ما يدعونا ونحن نربي أبناءنا، إلى إيلاء الأمر أهمية بالغة من منطلق أن كل أحد منا راع ومسؤوول عن رعيته، كما قال المربي الأعظم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.


الخميس، 17 سبتمبر 2026

انتبه من البيت العنكبوتي !



العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن جاء ذكرها في آية واحدة بالإشارة إلى بيتها، الذي يُضرب به المثل على الوهن والضعف وعدم التماسك أمام أي هزة، أو هبة. أنثى العنكبوت هي كل الحكاية في عالم هذا الحيوان. الذكر لا دور له سوى المحافظة على استمرار النوع، ثم عليه أن يكون سريع الفرار بعد أداء وظيفته الفطرية مع العنكبوت، من قبل أن تقتله وتلتهمه، فهذا غالباً ما يحدث في أي بيت عنكبوتي. ومن هنا تسمى العنكبوت بالأرملة السوداء، أو الأنثى التي ترمل نفسها بيدها، لتبقى المسيطرة على البيت، ولهذا القرآن ينسبُ البيت إليها.

  قد نظن للوهلة الأولى أن الوهن في بيت العنكبوت بسبب النسيج المستخدم لبناء الشبكة، لكن بعد دراسة علماء الأحياء لحياة هذا الكائن، تبين مدى دقة الوصف القرآني المدهش لمعنى الوهن في هذا البيت تحديداً، دون غيره من البيوت. إذ أنّ الوهن ليس في الشبكة، أو الخيوط، بل في كيان هذا البيت.


  لاحظ أن الأنثى ما إن تنتهي من عملية التزاوج مع الذكر، تبدأ ترتيباتها لقتل العنكب دون أدنى رأفة ورحمة. لكن بعض ذكور العناكب من الذكاء والمهارة، تهرب سريعاً وتنجو بحياتها قبل أن تستعيد العنكبوت نشاطها بعد التزاوج. لكن في أحيان أخرى، هذه الشريرة، وبدلاً من قتل العنكب، تقرر الإبقاء على حياته، فتسجنه في بيتها، ليس رحمة وحباً فيه، وإنما تبقيه كطعام جاهز لصغارها حين يفقس البيض، حتى تجد تلك العناكب الصغيرة الجائعة أباها كطعام لذيذ جاهز للالتهام ! 

وفي بيوت عنكبوتية أخرى، تتطور الأمور في السوء. فما إن تبدأ العناكب الصغيرة بالنمو حتى تنقلب على الأم أيضاً، والتي يجدونها وجبة شهية سهلة المنال. وهكذا يبدأ يعيش أولئك الصغار في مرحلة النمو، وفق مبدأ القوي يأكل الضعيف، حتى يُنسف البيت عن بكرة أبيه !


   البيت العنكبوتي إذن متخلخل لا أساس له منذ بداية تأسيسه، ولا هدف من وراء بنائه سوى تحقيق مصالح فردية بحتة، ولو على حساب جميع أهل البيت. وما أكثر البيوت العنكبوتية في عالمنا البشري، وهو مغزى حديث اليوم، حيث تجد بيوتاً كثيرة يغيب عنها الترابط والتعاون والألفة، وهي أساسات البيت السليم الصحي. لأنّ الوهن حين يضرب في جذور العلاقات الأسرية، ويقع التفرق والخلاف بين أفراد البيت الواحد، وخاصة بين الزوج وزوجته، فإنّ نتائجه عادة هي خراب وانهيار هذا البيت على من فيه. ولذلك كلما قويت العلاقات، صمد البيت، والعكس صحيح دون كثير شروحات وتفصيلات..    

        

الخميس، 10 سبتمبر 2026

لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

 

  

  ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. فالأمر يحتاج تدريباً وإرادة، وقبل ذلك صفاء الباطن كما الظاهر.

  هذا التوافق والقدرة على أن تفعل ما تقول، سبب لإحداث التأثير الإيجابي في نفوس الغير. أما أن تأمر بفعلٍ أنت مخالفه، وتنهى عن فعلٍ أنت منغمس فيه، فهو التناقض ذاته الذي يُذهب بالهيبة أولاً، ومن ثم لا أثر فاعلاً في نفوس الآخرين تجده ثانياً، وقد عبّر عن هذا الأمر التابعي الجليل، أبو الأسود الدؤلي بقوله :

 

            لا تنه عن خُلق وتأتي مثله

                    عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

            أيها الرجــل المعلـّمُ غيرَه

                    هلاّ لنفسـك كان ذا التعـليمُ

            ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

                    فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

            فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى

                   بالقـول منك وينفعُ التعــليمُ

 

   اليهود هم أبرز نموذج لمن يأمر الناس بالمعروف وينسى نفسه، كما في قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) لكن الآية تشمل كل أحد يحث آخرين على فعل الخير وهو يجانبه، أو ينهى عن قبيح الأقوال والأفعال وهو غارق فيها جميعاً ! الأمر يشمل الآباء والأمهات، المعلمون والمعلمات، وغيرهم من الدعاة والمسؤولين والزعماء ومن على شاكلتهم، أو كل من يأمر وينصح ويوجّه ويُرشد.


   أبرز من يمكن الإشارة إليهم في ظل هذه الآية هم علماء الدين والدعاة إليه. لماذا؟ لأن تبليغ الدين والدعوة إليه تحتاج إلى عامل الثقة في الداعية، فإنّ المدعو ما إن يضع ثقته في الداعية، فقد أعلن قبوله وفتح أبواب قلبه لما سيأتي من لدن هذا الداعية، وبالتالي أي اهتزاز لتلك الثقة، يعني اهتزاز الثقة بالدين، وهنا خطورة الأمر.


   الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه - كما يقول صاحب الظلال، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. إنّ آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان، كما كان يفعل أحبار يهود !

 عافانا الله وإياكم من هذا النفاق، وجعلنا من ( الذين يستمعـون القول فيتبعـون أحسنه ).


الخميس، 3 سبتمبر 2026

لا يسمعـون فيها لغـواً

    



   لاحظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية كالقصور ذات الأنهار والثمار وما لذ فيها وطاب، بل هناك جزاء ربما هو أوفى وأعمق من ذلكم الجزاء المادي، وهو ما نعبّر عنه في دنيانا بالراحة النفسية، أو الأمن الداخلي، الذي يتحقق أساساً كنتيجة طبيعية تلقائية حين يبتعد المرء عن كل كلام ساقط لا خير فيه، ولا وجه له، أو إن صح التعبير، يبتعد عن أجواء اللغو والثرثرة، وما شابه من موبقات اللسان، المهلكات لبني الإنسان، والتي استغرب معاذ رضي الله عنه منها وهو يسمع للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم ينصحه وقد أخذ بلسانه قائلاً له:  كُفّ عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكَبُ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ؟ ".  

 

  كثيرون منا في زحمة الحياة الدنيا، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك تلك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال. يتألم منها كثيراً وطويلاً، بل ربما رأيته مشغول البال أياماً وليالي يبحث كيفية رد الصاع صاعين !

  أليست الثرثرة وكل كلام ساقط ، أو لغو على صورة سب وتطاول وسخرية وهمز ولمز، من مسببات القلق والتوتر لدى الإنسان، ومن عوامل فقدان الأمن والأمان والطمأنينة؟ ألا يهرب كثيرون إلى السفر، أو الإنعزال عن الناس حيناً من الدهر، طال أم قصر، من أجل ضبط إعدادات قلوبهم وألبابهم ؟

 

  لقد حرص سلفنا الصالح على الابتعاد عن اللغو في الحديث، أو كثرة الكلام دون داع، وكانوا أشد حرصاً على قلة الكلام والميل نحو الصمت، ما لم تستدع حاجة إلى النطق، أو الإكثار من الكلام لسبب وآخر. ها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، يقول:" من كثُر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل ورعه، ومن قل ورعه قل دينه ".

وهل هناك مصيبة تحل بالمرء أعظم من قلة الدين؟

 

  من هنا لا نستغرب أن يكون إبعاد الله لعباده المتقين في الجنة عن اللغو والفحش من الكلام، سباً كان أم كذباً أم خصومة أم جدالاً، أحد العطايا الربانية لهم، فما عانوه في دنياهم من أذى نفسي ناتج عن ألسنة الناس حولهم، يجعل من حماية آذانهم من اللغو، عطية لا تقل قيمة عما في جنات النعيم من ملذات، حيث ( لا يسمعـون فيها لغـواً ولا كذّاباً جزاءً من ربك عطاءً حسابا ).   


الخميس، 27 أغسطس 2026

لن يضروكم إلا أذى

 

   

  دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في مواجهات مع ملل الكفر، من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فلم يكن قد حان أوان المواجهات بعد، والتي كان من الممكن لتلك القوى أن تعيق البناء والتأسيس عند أي استفزاز، بل قد تكون سبباً في وأد الدعوة، أو تفتيت قوتها وتشتيت أفرادها وتأجيلها سنوات عديدة.


  لكن ما إن بدأت دولة المدينة تأخذ وضعها وتقوى شوكتها، حتى أذن الله لها أن تدخل في مواجهات مع الكفر بشكل تدريجي. فالدولة، وإن تأسست تربوياً وإيمانياً، كانت القوة المادية والبشرية فيها بحاجة للمزيد، حتى كانت البداية الحقيقية في بدر، التي جاءت كاختبار سماوي للفئة المؤمنة، فنجحت فيه، وتعمَّق الإيمان وزادت الثقة بالنفس، لتتوالى الأحداث في أحد، ثم الخندق، وانتهاء بفتح مكة، وصولاً إلى قناعة تامة ويقين راسخ أن الإسلام قد تمكن في الأرض، وليس من شيء اليوم ولا في الغد القريب، أو البعيد يمكنه التأثير على ذلكم البنيان الصلب المرصوص، المؤسَس وفق أفضل قواعد البناء والتأسيس التي عرفتها البشرية.


  المخاوف من الاستئصال أزعجت المؤمنين حيناً من الدهر وهم في مكة، بل دعت النبي الكريم لإرسال مجموعة من صحبه إلى الحبشة عند النجاشي، لتعيش تلك الفئة سنوات عديدة كقوة احتياطية تواصل مهمة بناء نفسها، ثم تقوم بالدعوة إنْ حدث مكروه للفئة الرئيسية بمكة. واستمرت تلك المخاوف حتى معركة الأحزاب، إلى أن بشّر الرسول الكريم أصحابه بعد هزيمة الكفر يومها، أنّ وقت الدفاع والخوف ولّى، وجاء وقت المبادرة لنشر الإسلام، وتأديب المتربصين بالدين ودولته الفتية :" الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ".


   إنْ اجتمع الكفر على ملة الإسلام في أي مكان وزمان، فالله يضمن للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، كما يقول صاحب الظلال. ضمانة صريحة وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين ( لن يضروكم إلا أذى ) بعد أن وصل الإسلام إلى نقطة اللاعودة إلى الكفر، أو الاستئصال. فمهما تنزل على أمة الإسلام من كوارث وأزمات على يد أهل الكفر، فهي باقية، بعد أن يئس أهل الكفر من اجتثاث هذا الدين، أو دفع أهله للردة (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). هذا الدين قد يختفي بالظلم والإجرام والإكراه من موقع ما، لكنه يظهر في موقع آخر، وفئة مؤمنة تقوم عليه وتنشره وتدافع عنه، دون خشية من الكفر، فالله أحق أن نخشاه ( فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).   


الخميس، 20 أغسطس 2026

إنّ الإنسان لربه لكنود



   حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم من تلك المخلوقات. هاهنا يُقسم الله تعالى بعظمة واحدة من مخلوقاته، الخيل التي في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة، والتي تصهل وتضبح، أي تصدر أصواتاً، وهي تعدو في سبيل الله.

   يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، بأمر أعظم منه وهو أنّ ( الإنسان لربه لكنود ) أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير لا يرى النعم، بل يُحصي ويعد المصائب والنقم، كأنّما حياته خلت من أي نعمة من نعم الله عليه !

  عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:" أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". ويمنع رفده، أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا يقدم المساعدة لمن يحتاجها.


   ليس شرطاً أن يكون الإنسان الكنود، أو الجحود كافراً ومشركا، بل قد يكون من المؤمنين أيضاً، لكنه كفور بالنعمة، كما يقول ابن عطية في تفسير المحرر الوجيز، فتقدير الآية أنّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرضٌ الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يُعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي تُنسيه سيئة واحدة، حسنات كثيرة، ويُعامل الله على عقد عوض !

   إنّ نكران الجميل، سلوك مستهجن يصعب كثيراً على النفس البشرية لا يمكن قبوله، لأنه يُحدث من الألم النفسي الشيء الكثير. ذلك أنّ الفطرة السليمة والذوق السليم عند أي إنسان، أنّ من يقدم لك جميلاً، أن ترد بالمثل، أو أجمل منه، لا أن تنكره، أو ترد بالأسوأ منه. فإذا كان هذا هو حال البشر بين بعضهم البعض، فكيف تفسد فطرتهم السليمة مع الخالق تبارك وتعالى، ويتحول الإنسان إلى شخص كنود جاحد لنعمه سبحانه، التي لا تُعد ولا تحصى؟ إنّه بكل تأكيد، سلوك مُشين ومعيب، وفطرة مشوهة ( ما لها من قرار ).

  رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، حذرنا من نكران الجميل وجحد المعروف كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ). وفي حديث آخر ( مَن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التَّحدُّثُ بنعمة الله شُكْر، وتركُها كُفْر، والجماعةُ رحمة، والفُرقةُ عذاب ).. 

فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.

اللهم آمين.   


الخميس، 13 أغسطس 2026

ويلٌ للمطففين

 


   سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن عباس قال: " لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا.


   قال مالك بن دينار: احتضر جارٌ لي فجعل يقول: جبلان من نار.فقلت له: ما هذا ؟ فقال لي: يا أخي كان لي مكيالان آخذاً بالوافي وأعطي بالناقص.. وقال عكرمة: أشهد على كل كيّال، أو وزّان أنه في النار ( يقصد المطففين منهم ). وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين. والمطفف كما يقول الإمام الماوردي، مأخوذ من الطفيف وهو القليل، أي أنّ المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيلٍ، أو وزن، مادي أم معنوي.


  فعل التطفيف ليس محصوراً في البيع والشراء، وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل، وقد يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا. فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملاً، بينما هو في الوقت ذاته يبخس الآخرين حقوقهم، سواء أكانت حقوقاً مادية، أم معنوية. وقد يكون التطفيف في العمل أيضاً حين يطالب موظف أن ينال التقدير وكافة حقوقه، بينما هو لا يؤدي واجباته بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين الوفاء والاهتمام والرعاية، بينما هو يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس المعاملة التي يرغبها هو منهم !! ومن صور التطفيف أيضاً، أن ينسب المرء لنفسه جهود الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم.

 

 ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل، يجعل المرء أنانياً في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي فقدان ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره، أو الوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة، بسبب أنّ التطفيف، أو بخس الناس حقوقهم، ظلم بيّن وضياع للأمانة.


  سورة المطففين كخلاصة للحديث، تدعونا إلى أهمية أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي حقوقهم كاملة، كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة. إنّ بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم تكن مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيّال أو وزّان بالويل، وهو أشد العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون )

 نسأل الله لنا ولكم العافية.    

 

الخميس، 6 أغسطس 2026

ليس عيباً أن تخطئ.. ولكن


   كلنا معرضون للوقوع في خطأ ما، أو جملة أخطاء، سواء في أعمالنا الرسمية، أو علاقاتنا الإنسانية مع بعضنا البعض، على اعتبار أن " كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون " أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. ومعنى ذلك، أنّه لا شيء في أن تخطئ، لكن أن يتكرر منك الخطأ مرة بعد أخرى، دون أدنى اعتبار وإتعاظ من الأخطاء السابقة، أو التجارب الماضية، ففي هذا الفعل، أو السلوك أشياء وأشياء. هذه خلاصة مقال اليوم، ولمن أراد بعض التفاصيل، يكمل القراءة.. 

   أن تخفق في عمل ما بسبب خطأ، أو جملة أخطاء، من بعد أن تكون قد بذلت جهدك فيه، واتخذت كافة الأسباب المؤدية للنجاح، لا يمكن اعتباره عملاً يستحق كثير ملامة وعتاب، لأنه لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا العامل من جنس الملائكة. فنحن البشر، الأصل فينا أن نعمل ونجتهد ونتخذ كل أسباب النجاح، ولكن أحياناً رغم هذا الاجتهاد، نخطئ بسبب وآخر، وقلّما يسلم امـرؤٌ من ذلك.   


  الحقيقة التي لا يجب أن نغفل، أو نتغافل عنها، ضمن سياق هذا الموضوع، أننا كائنات بشرية نخضع ونتأثر بمشاعر وأحاسيس متنوعة في اليوم والليلة، وبالتالي تتقلب الأهواء والأمزجة ما بين لحظة وأخرى، أو ظرف ما وأخته، وكلها تؤثر على أداء الأعمال والمهام.

أضف إلى ذلك أننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه الناس معاً، حيث تتباين القدرات والمهارات والعقليات، وبالتالي الوقوع في الأخطاء أثناء أداء الأعمال والمهمات هو أمر لا يمكنك تفاديه بالسهولة التي تتصورها، وليس في ذلك ما يعيب، كما أسلفنا، لكن العيب كل العيب، وهو لب حديث اليوم، أن يكون الخطأ نتاج تقصير واضح، أو متعمد منك، أو لا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة، أو لا تستفيد من أخطاء الماضي، أو لا تستخير قبل البدء في العمل، ولا تستشير أهل الخبرة والاختصاص.. وبالتالي ليس مستغرباً أن تكون النتيجة النهائية هي الإخفاق، بل لن يكون مستهجناً وقوع كثير ملامات عليك، أو إنتقادات، فهكذا المنطق السليم يقول.

 

   نقطة أخيرة يتعلق بالموضوع وهي أن الاعتراف بالخطأ والإعلان عن تحمل مسؤوليـة الخطأ وتبعاته، أمرٌ ليس سهلاً القيام به، ما لم تتوفر مهارات وصفات معينة في الشخص المخطئ، وقليل هم أولئك الشجعان الذين يعترفون بالخطأ إنْ صدر منهم وتبين لهم ذلك بوضوح لا غبار عليه.


وقد تتساءل لماذا هم قلة في مجتمعاتنا العـربية؟

والإجابة باختصار شديد: الثقافة المجتمعية السائدة لا تساعد على ظهور أمثال هؤلاء الشجعان، باعتبار ذلك عيباً وانتقاصاً من القيمة المجتمعية للشخص الذي يعترف بالخطأ، والمفترض منه بدلاً عن ذلك، التبرير بعد التبرير، ثم بعد ذلك خلق العذر بعد أخيه، حتى يتنصل من المسؤولية نهاية الأمر، وإن كان على حساب غمط الحق، والله لا يحب الفساد.   


الخميس، 9 يوليو 2026

هل الكفاءة تكفي للقيادة ؟

   

  هل الكفاءة وحدها في مجال ما كافية لتولي المناصب القيادية؟

 منكم من يقول نعم كافية، ومنكم من يرى خلاف ذلك. ومحدثكم مع الرأي الثاني..  ليس شرطاً أن تتولى منصباً أعلى لأنك أكفأ من غيرك في مهام معينة، وأنه لولاك ما نجح الآخرون !  

أنت باختصار شديد أشبه بترس واحد ضمن مجموعة كبيرة من التروس، التي تتعاون معاً لتحرك آلة ضخمة تسمى دولة، أو وزارة، أو شركة، أو غيرها من كيانات. ومهما كانت أهمية وحجم وموقع هذا الترس، الذي هو أنت في حديثنا هذا، إلا أنه لن يتحرك من تلقاء نفسه، أو أنك لن تستطيع أن تتحرك، إنْ لم تتحرك بقية التروس معك وفق آلية متناغمة للعمل. واقرأ إن شئت قصة عزل الفاروق، رضي الله عنه، لأحد أكفأ القادة يومها، سيف الله المسلول، خالد بن الوليد، لتدرك أن الكفاءة ليست شرطاً للقيادة أو البقاء عليها. 

◼️ هل العمر أو السن سبب لتولي القيادة؟ هل الموظف القديم أحق بالقيادة من آخر أحدث سناً منه في العمل؟ في مجال القيادة، العمر ليس مقياساً ولا يجب أن يكون كذلك. الأقدمية لا تعني الأفضلية، والحياة بشكل عام لا تنطبق عليها المعايير العسكرية. وتأمل قصة أبي ذر حين طلب الإمارة، وهو من أقدم الصحابة دخولاً في الإسلام، ورفض النبي، صلى الله عليه وسلم ذلك. لكنه أعطى القيادة لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وهما أحدث تاريخاً من أبي ذر في الإسلام. 

◼️  هل الأتقى والأورع والأقوى إيماناً يصلح للقيادة؟ رأيي الشخصي أنها صفات طيبة لكنها ليست كافية ومؤهلة للقيادة. لكن إن توفرت مع شروط أخرى من شروط القيادة الناجحة، فنعمّ هي، لكن أن نولي أحدهم القيادة فقط لأنه تقي ورع، فهذا أمر لا يجب أن يؤخذ به، لأن تقواه وورعه إنما لنفسه.


  القيادة هي القدرة على توجيه الناس نحو تحقيق هدف ما، فإن كان تقياً ولا يملك قدرات التوجيه والقيادة، فما نفع تقواه للناس؟ هذا الأمر ينطبق حتى في المؤسسات الدينية. وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟‏  فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر.


  تلكم كانت خواطر سريعة حول مسألة تولي المناصب القيادية، وكيفية اختيار الأفضل، والموضوع واسع متشعب، لكنه يتحمل كثير نقاش والخوض فيه وحوله..



الخميس، 11 يونيو 2026

حفلات الزواج وتطفيش الشباب !

  


 هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً بداياته..

 بحسب السنّة الشريفة التي أوصانا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نجد النقطة الأولى في أي مشروع زواج هي الإعلان عنه، والثانية إظهار الفرح بشكل مباح، ثم الأخيرة إطعام الطعام بدون إسراف.

    نقاط ثلاث واضحات لا تحتاج لكثير تفصيلات وشروحات، لكن إن أضفنا إلى تلكم النقاط قوله صلى الله عليه وسلم ( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ) فسيكون مشروع الزواج حينها مكتملاً للبدء به على بركة من الله ورعايته.

   لم آتِ بجديد في الموضوع لأنها أمور معروفة. لكن ما استدعى الكتابة فيه، وربما دعا آخرين كذلك لخوضه، هو ما يحصل اليوم في مسائل الزواج التي أضحت تسير عكس التوجيهات النبوية الشريفة، حيث المغالاة والإسراف والتباهي والتفاخر، وكلها عوامل لا تساعد على بدء مشروع الزواج بسلام وأمان، بقدر احتمالية حدوث العكس. 


وفي السطور التالية مزيد شروحات..


   في حديث صحيح يوضح المقصد من الكلام أعلاه ، ما جاء عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى النبي ﷺ  فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: هل نظرت إليها فإنّ في عيون الأنصار شيئا ؟ قال: قد نظرتُ إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ: على أربع أواق؟! كأنما ‌تنحتون ‌الفضة ‌من ‌عُرض هذا الجبل ).


    قوله صلى الله عليه وسلم  ( كأنما ‌تنحتون ‌الفضة من عُرض هذا الجبل )  يُفهم منه كراهة المغالاة في المهور، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يطالب بالتيسير على الشاب المقبل على الزواج، باعتبار أنّ المال الذي يكسبه من عمله يأتيه عن جهد، ولا يتساقط عليه من السماء، وبالتالي الضغط عليه وهو في بدايات تكوينه بمهر كبير، وما يأتي بعده من مراسم وحفلات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان - وهي الحاصلة اليوم في مجتمعاتنا - كلها عوامل تطفيش وتأخير سن الزواج، مع ما لذلك من آثار سلبية عليه وعلى المجتمع بشكل عام.


   ◾️مشاريع الزواج صارت مكلفة قولاً وفعلاً بالنسبة للشاب، بل ربما وصلت إلى حد مخالفة توجيهات الشرع الحنيف.. ولو افترضنا جدلاً أن حالة الشاب المادية، أو حالة أهله ميسورة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن يحدث ما يحدث الآن في مجتمعنا، لأنه يدخل في نطاق الإسراف المنهي عنه شرعاً.

   ◾️من هنا يمكن القول بأنه لا ينبغي أن تتحول حفلات الزواج إلى منصة للتفاخر والتباهي والتنافس غير المحمود بين العائلات، خاصة والسنّة المطهرة تدعو إلى التيسير في مثل هذه المشاريع المباركة، حيث يمكننا تجسيد ذلك التوجيه الكريم بالاكتفاء بحفلة منزلية نسائية عائلية محدودة العدد، ومثلها رجالية.  

   ◾️النسبة الكبيرة من المهور لابد أن تكون للفتاة، لكنها اليوم تذهب جلّها إلى الفنادق ومكاتب تجهيزات الأفراح، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء أسرة جديدة، حيث لا تستفيد الفتاة منها بالشكل المطلوب إلا النزر اليسير، ما يدفع بأهلها لتغطية مصروفات أخرى تضاف على ما يصرفه أهل الشاب، لتتجاوز التكاليف الحد المعقول والمنطقي، التي قد تصل بعضها إلى المليون ريال وربما أكثر من ذلك !!

   ◾️التفنن بالإسراف في تجهيزات الفتاة من ملابس وما شابه من احتياجات، واحدة من المسائل التي يمكن ضبطها وتأجيل معظمها لما بعد الزواج، فليس هناك ما يدعو إلى هذا الاستعجال في توفير كل المتطلبات والاحتياجات ( أغلبها غير ضرورية ) والتي يمكن توفيرها مستقبلاً. فالزوجان دخلا المشروع بهدف الاستقرار وبناء حياة أسرية مباركة خطوة بخطوة، وليست حياة مؤقتة قصيرة تستدعي كل هذا الضغط على الشاب لتوفير كل تلكم الاحتياجات وتراكمها، وهو بعد لم يبدأ يومه الأول مع زوجته !

    ◾️ لماذا ندفع الشاب إلى الاقتراض مبكراً واضطراره بعد ذلك لجدولة حياته وهندستها وفق الديون التي عليه سدادها خلال سنوات عدة قادمة، وهي السنوات المفترض أن تكون أسعد فتراته حياته، يبني خلالها مع زوجته، بيتاً هانئاً سعيداً، لا أن تتحول عند كثيرين إلى فترة  تعيسة ضاغطة بسبب الدخول إلى عالم الديون مبكراً. 


خلاصة الموضوع 

  الحديث فقط عن هذه الظاهرة المقلقة لا يكفي دون أفعال يتم ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، عبر قيام عائلات عديدة مقتدرة بالبدء في إعادة مشاريع الزواج إلى جادة الصواب والعقل والمنطق، وقبل ذلك إلى جادة الشرع الحنيف، تكون قدوة لبقية العائلات المتوسطة أو الأقل من ذلك، وذلك بمنع كل مظاهر الإسراف، وقبل ذلك التخفيف في المهور، والاكتفاء بحفلات زواج عائلية محدودة العدد، لتتوافق مع توجيهات الشرع الحنيف، وتتحقق النقاط الثلاث التي بدأنا بها الحديث. الإعلان، وإظهار الفرح، وإطعام الطعام. وبالتالي تكون العائلات المقتدرة ساهمت في وقف هذا الهوس بالمظاهر، والتنافس غير الواعي في مشروعات الزواج باستغلالها للتفاخر والتباهي في المجتمع !


  لابد من توعية المقبلين على الزواج، لا سيما الفتيات، وأهمية الابتعاد عن المقارنات، أو التأثر بما في وسائل التواصل المختلفة. والتوعية ممتدة إلى الأمهات أيضاً، سواء أمهات الشباب أم البنات، فهما من أسباب نشوء هذه الظاهرة !


  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتنظيم حملات توعوية عبر الخطباء والدعاة، وبالمثل وسائل الإعلام المختلفة، عليها واجب القيام بهذا الدور التوعوي، بالإضافة إلى المدارس والجامعات، مع قيام الوجهاء والمؤثرين بدورهم أيضاً في مثل هذه الحملات التوجيهية. والله كفيل بكل جميل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

 

الخميس، 4 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك

 


  ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب. وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر.. كما أنّ الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسدا، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لا بد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء.  


  هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومنها (.. إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون )  وآيات أخرى شبيهة.

 

   لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ ومن هنا تأتي أهمية أن يكون العقلُ واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه.

 

   خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل ! 

هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساءوا أساء، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم ( لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا ).

الخميس، 14 مايو 2026

الخوف من المجهول

 


  العالم الخفي من حولنا مخيف بحكم طبيعتنا التي تخاف المجهول، حتى يتحول لظاهر بيّن معلوم. والعوالم الخفية عنا كثيرة لا نراها، إما بسبب حجمها أو تكوينها. فتكون كبيرة بعيدة كالمجرات وأمثالها في الكون الواسع الممتد، أو تكون صغيرة قريبة جداً كعالم الجراثيم والميكروبات، أو عالم ثالث غير مرئي بحكم طبيعة تكوينها، كعالم الملائكة والجن.. وليس حديثنا هاهنا حول هذه العوالم الخفية، بل خواطر حول المجهول والمألوف في حياتنا.

   إنّ أي أحد منا تجده تلقائياً حينما يكون أمام خيارات في أمر ما، يختار المألوف على المجهول،  والتفكير لا يطول به كثيراً في ذلك. لماذا؟ لأن المألوف عادة يُشعره بالأمان، بينما المجهول يفقده ذاك الأمان، وهو ما جعل العامة تقول حول هذا المعنى: خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه!

   أصحاب الخبرات الحياتية يرون البقاء على المألوف، نوع من حرمان النفس من متعة التجريب، والاستمتاع باكتشاف المجهول، الذي يكون في الغالب مثيراً، أو ربما في طياته فرص كبيرة لتحصيل المزيد من الخبرات الحياتية، وهذا الأمر لا يتأتّى لك من خلال الروتين، أو المألوف من الأعمال والمهام الحياتية اليومية.

 

 حين تخاف من المجهول، فأنت مُعرَّض لتفويت فرص عديدة على نفسك..

 ستقول: كيف؟

خذ على ما أقول مثالاً حياتياً لابد أنك عشته مرة، أو ربما ستعيشه مستقبلاً بإذن الله.

تخيل أنك تعمل في وظيفة ما، وتشعر بما نسميه الرضا الوظيفي بسبب أنك تحفظ عملك هذا عن ظهر قلب، لا أخطاء ولا مشاكل، ولا أنت من الذين يحزنون. لكن حين تجد عرضاً وظيفيأ لا يُقاوم، وفي مجال قريب من تخصصك، لكن الوظيفة تتطلب جهوداً وأفكاراً تطويرية، ماذا أنت فاعله؟


   إن كنت من النوع الذي يميل إلى المألوف فستختار تلقائياً ما ألفت عليه، وتبقى في عملك والروتين الذي تعيشه، لأنه يشعرك بأمان، فما الداعي للذهاب إلى مجهول لا تعرفه، وقد تفقد بسببه كل ما أنت عليه؟!

وأنت بهذا الاختيار تكون قد وضعت نفسك في خانة الروتينيين غير المحبذين للتجديد والتطوير وحب الاكتشاف والتجريب، فتظل بسبب ذلك السلوك، جامداً لا تضيف إلى حياتك المهنية أي جديد بعد عدد من السنوات، بل ربما تكون عُـرضة للاستغناء عنك في أول قرار لتطوير وتجديد موقع عملك !


   أما إن كنت من النوع المتجدد الراغب في استكشاف المجهول، والمتطلع إلى التغيير المستمر والتجديد والتطوير، فستختار من فورك الوظيفة الجديدة، لأنها فرصة للخروج بك عن المألوف والروتين والجمود الوظيفي، وفرصة لاكتساب خبرات حياتية ومهنية جديدة، بل وفرصة لمزيد من المعارف والمهارات واكتساب الأصدقاء، واختيارك ذاك سيملأ نفسك بشعور التحدي، الذي هو سر الإبداع والإنتاج المستمرين..

فانظر ماذا ترى؟


الخميس، 7 مايو 2026

قبل أن تلهث وراء المفـقـود

  


  

   زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات.

  عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار.

  بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، والتي صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ؟

 نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى  تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا..

ولا أريد هاهنا أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله . 



   صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة !  ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون ! 

  يقول ابن قيم الجوزية:" إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها ".

   يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: 

كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا.   

فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين..

آمين يا رب العالمين.