أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 11 يونيو 2026

حفلات الزواج وتطفيش الشباب !

  


 هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً بداياته..

 بحسب السنّة الشريفة التي أوصانا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نجد النقطة الأولى في أي مشروع زواج هي الإعلان عنه، والثانية إظهار الفرح بشكل مباح، ثم الأخيرة إطعام الطعام بدون إسراف.

    نقاط ثلاث واضحات لا تحتاج لكثير تفصيلات وشروحات، لكن إن أضفنا إلى تلكم النقاط قوله صلى الله عليه وسلم ( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ) فسيكون مشروع الزواج حينها مكتملاً للبدء به على بركة من الله ورعايته.

   لم آتِ بجديد في الموضوع لأنها أمور معروفة. لكن ما استدعى الكتابة فيه، وربما دعا آخرين كذلك لخوضه، هو ما يحصل اليوم في مسائل الزواج التي أضحت تسير عكس التوجيهات النبوية الشريفة، حيث المغالاة والإسراف والتباهي والتفاخر، وكلها عوامل لا تساعد على بدء مشروع الزواج بسلام وأمان، بقدر احتمالية حدوث العكس. 


وفي السطور التالية مزيد شروحات..


   في حديث صحيح يوضح المقصد من الكلام أعلاه ، ما جاء عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى النبي ﷺ  فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: هل نظرت إليها فإنّ في عيون الأنصار شيئا ؟ قال: قد نظرتُ إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ: على أربع أواق؟! كأنما ‌تنحتون ‌الفضة ‌من ‌عُرض هذا الجبل ).


    قوله صلى الله عليه وسلم  ( كأنما ‌تنحتون ‌الفضة من عُرض هذا الجبل )  يُفهم منه كراهة المغالاة في المهور، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يطالب بالتيسير على الشاب المقبل على الزواج، باعتبار أنّ المال الذي يكسبه من عمله يأتيه عن جهد، ولا يتساقط عليه من السماء، وبالتالي الضغط عليه وهو في بدايات تكوينه بمهر كبير، وما يأتي بعده من مراسم وحفلات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان - وهي الحاصلة اليوم في مجتمعاتنا - كلها عوامل تطفيش وتأخير سن الزواج، مع ما لذلك من آثار سلبية عليه وعلى المجتمع بشكل عام.


   ◾️مشاريع الزواج صارت مكلفة قولاً وفعلاً بالنسبة للشاب، بل ربما وصلت إلى حد مخالفة توجيهات الشرع الحنيف.. ولو افترضنا جدلاً أن حالة الشاب المادية، أو حالة أهله ميسورة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن يحدث ما يحدث الآن في مجتمعنا، لأنه يدخل في نطاق الإسراف المنهي عنه شرعاً.

   ◾️من هنا يمكن القول بأنه لا ينبغي أن تتحول حفلات الزواج إلى منصة للتفاخر والتباهي والتنافس غير المحمود بين العائلات، خاصة والسنّة المطهرة تدعو إلى التيسير في مثل هذه المشاريع المباركة، حيث يمكننا تجسيد ذلك التوجيه الكريم بالاكتفاء بحفلة منزلية نسائية عائلية محدودة العدد، ومثلها رجالية.  

   ◾️النسبة الكبيرة من المهور لابد أن تكون للفتاة، لكنها اليوم تذهب جلّها إلى الفنادق ومكاتب تجهيزات الأفراح، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء أسرة جديدة، حيث لا تستفيد الفتاة منها بالشكل المطلوب إلا النزر اليسير، ما يدفع بأهلها لتغطية مصروفات أخرى تضاف على ما يصرفه أهل الشاب، لتتجاوز التكاليف الحد المعقول والمنطقي، التي قد تصل بعضها إلى المليون ريال وربما أكثر من ذلك !!

   ◾️التفنن بالإسراف في تجهيزات الفتاة من ملابس وما شابه من احتياجات، واحدة من المسائل التي يمكن ضبطها وتأجيل معظمها لما بعد الزواج، فليس هناك ما يدعو إلى هذا الاستعجال في توفير كل المتطلبات والاحتياجات ( أغلبها غير ضرورية ) والتي يمكن توفيرها مستقبلاً. فالزوجان دخلا المشروع بهدف الاستقرار وبناء حياة أسرية مباركة خطوة بخطوة، وليست حياة مؤقتة قصيرة تستدعي كل هذا الضغط على الشاب لتوفير كل تلكم الاحتياجات وتراكمها، وهو بعد لم يبدأ يومه الأول مع زوجته !

    ◾️ لماذا ندفع الشاب إلى الاقتراض مبكراً واضطراره بعد ذلك لجدولة حياته وهندستها وفق الديون التي عليه سدادها خلال سنوات عدة قادمة، وهي السنوات المفترض أن تكون أسعد فتراته حياته، يبني خلالها مع زوجته، بيتاً هانئاً سعيداً، لا أن تتحول عند كثيرين إلى فترة  تعيسة ضاغطة بسبب الدخول إلى عالم الديون مبكراً. 


خلاصة الموضوع 

  الحديث فقط عن هذه الظاهرة المقلقة لا يكفي دون أفعال يتم ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، عبر قيام عائلات عديدة مقتدرة بالبدء في إعادة مشاريع الزواج إلى جادة الصواب والعقل والمنطق، وقبل ذلك إلى جادة الشرع الحنيف، تكون قدوة لبقية العائلات المتوسطة أو الأقل من ذلك، وذلك بمنع كل مظاهر الإسراف، وقبل ذلك التخفيف في المهور، والاكتفاء بحفلات زواج عائلية محدودة العدد، لتتوافق مع توجيهات الشرع الحنيف، وتتحقق النقاط الثلاث التي بدأنا بها الحديث. الإعلان، وإظهار الفرح، وإطعام الطعام. وبالتالي تكون العائلات المقتدرة ساهمت في وقف هذا الهوس بالمظاهر، والتنافس غير الواعي في مشروعات الزواج باستغلالها للتفاخر والتباهي في المجتمع !


  لابد من توعية المقبلين على الزواج، لا سيما الفتيات، وأهمية الابتعاد عن المقارنات، أو التأثر بما في وسائل التواصل المختلفة. والتوعية ممتدة إلى الأمهات أيضاً، سواء أمهات الشباب أم البنات، فهما من أسباب نشوء هذه الظاهرة !


  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتنظيم حملات توعوية عبر الخطباء والدعاة، وبالمثل وسائل الإعلام المختلفة، عليها واجب القيام بهذا الدور التوعوي، بالإضافة إلى المدارس والجامعات، مع قيام الوجهاء والمؤثرين بدورهم أيضاً في مثل هذه الحملات التوجيهية. والله كفيل بكل جميل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

 

الخميس، 4 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك

 


  ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب. وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر.. كما أنّ الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسدا، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لا بد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء.  


  هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومنها (.. إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون )  وآيات أخرى شبيهة.

 

   لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ ومن هنا تأتي أهمية أن يكون العقلُ واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه.

 

   خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل ! 

هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساءوا أساء، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم ( لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا ).

الخميس، 14 مايو 2026

الخوف من المجهول

 


  العالم الخفي من حولنا مخيف بحكم طبيعتنا التي تخاف المجهول، حتى يتحول لظاهر بيّن معلوم. والعوالم الخفية عنا كثيرة لا نراها، إما بسبب حجمها أو تكوينها. فتكون كبيرة بعيدة كالمجرات وأمثالها في الكون الواسع الممتد، أو تكون صغيرة قريبة جداً كعالم الجراثيم والميكروبات، أو عالم ثالث غير مرئي بحكم طبيعة تكوينها، كعالم الملائكة والجن.. وليس حديثنا هاهنا حول هذه العوالم الخفية، بل خواطر حول المجهول والمألوف في حياتنا.

   إنّ أي أحد منا تجده تلقائياً حينما يكون أمام خيارات في أمر ما، يختار المألوف على المجهول،  والتفكير لا يطول به كثيراً في ذلك. لماذا؟ لأن المألوف عادة يُشعره بالأمان، بينما المجهول يفقده ذاك الأمان، وهو ما جعل العامة تقول حول هذا المعنى: خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه!

   أصحاب الخبرات الحياتية يرون البقاء على المألوف، نوع من حرمان النفس من متعة التجريب، والاستمتاع باكتشاف المجهول، الذي يكون في الغالب مثيراً، أو ربما في طياته فرص كبيرة لتحصيل المزيد من الخبرات الحياتية، وهذا الأمر لا يتأتّى لك من خلال الروتين، أو المألوف من الأعمال والمهام الحياتية اليومية.

 

 حين تخاف من المجهول، فأنت مُعرَّض لتفويت فرص عديدة على نفسك..

 ستقول: كيف؟

خذ على ما أقول مثالاً حياتياً لابد أنك عشته مرة، أو ربما ستعيشه مستقبلاً بإذن الله.

تخيل أنك تعمل في وظيفة ما، وتشعر بما نسميه الرضا الوظيفي بسبب أنك تحفظ عملك هذا عن ظهر قلب، لا أخطاء ولا مشاكل، ولا أنت من الذين يحزنون. لكن حين تجد عرضاً وظيفيأ لا يُقاوم، وفي مجال قريب من تخصصك، لكن الوظيفة تتطلب جهوداً وأفكاراً تطويرية، ماذا أنت فاعله؟


   إن كنت من النوع الذي يميل إلى المألوف فستختار تلقائياً ما ألفت عليه، وتبقى في عملك والروتين الذي تعيشه، لأنه يشعرك بأمان، فما الداعي للذهاب إلى مجهول لا تعرفه، وقد تفقد بسببه كل ما أنت عليه؟!

وأنت بهذا الاختيار تكون قد وضعت نفسك في خانة الروتينيين غير المحبذين للتجديد والتطوير وحب الاكتشاف والتجريب، فتظل بسبب ذلك السلوك، جامداً لا تضيف إلى حياتك المهنية أي جديد بعد عدد من السنوات، بل ربما تكون عُـرضة للاستغناء عنك في أول قرار لتطوير وتجديد موقع عملك !


   أما إن كنت من النوع المتجدد الراغب في استكشاف المجهول، والمتطلع إلى التغيير المستمر والتجديد والتطوير، فستختار من فورك الوظيفة الجديدة، لأنها فرصة للخروج بك عن المألوف والروتين والجمود الوظيفي، وفرصة لاكتساب خبرات حياتية ومهنية جديدة، بل وفرصة لمزيد من المعارف والمهارات واكتساب الأصدقاء، واختيارك ذاك سيملأ نفسك بشعور التحدي، الذي هو سر الإبداع والإنتاج المستمرين..

فانظر ماذا ترى؟


الخميس، 7 مايو 2026

قبل أن تلهث وراء المفـقـود

  


  

   زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات.

  عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار.

  بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، والتي صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ؟

 نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى  تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا..

ولا أريد هاهنا أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله . 



   صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة !  ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون 

  يقول ابن قيم الجوزية:" إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها ".

   يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: 

كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا.   

فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين..

آمين يا رب العالمين.


الخميس، 30 أبريل 2026

قبل أن تُقفل أبواب الجنة

   

  

   أبواب الجنة عديدة مفتوحة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لكن الدخول عبر تلكم الأبواب تحتاج جهداً وعملاً خالصاً نقياً من أي شوائب أو رياء. لكن هناك بابين، وعلى رغم أنهما تحتاجان عملاً وجهداً أيضاً، إلا أن دخول الجنة عبرهما في متناول اليد، بل ويمكن لأي أحد استثمار الأعمال التي تدفع به لدخول الجنة عبرهما بإذن الله، لا يمنعه من ذلك مانع سوى نفسه، أو قلة همته وتكاسله !

  

الأم والأب، بابان لدخول الجنة. وهما ليسا كبقية أبواب الجنة مفتوحة على الدوام إلى ما شاء الله، بل لهما توقيت معين يتم إغلاقهما. قد يكون الإغلاق تاماً سريعاً، أو يكون متدرجاً. وسنأتي على تفاصيل هذا المعنى. وبالتالي من لم يستثمر وجودهما سريعاً، فإنهما إلى الإغلاق أقرب بموت أحدهما أو كلاهما، بل ربما بموت الشخص نفسه قبل والديه، وهذه خسارة مضاعفة.

  

   قبل أيام مضت، عشت مرارة الفقد للمرة الثانية بعد أعوام سبعة ماضية، كنت قد عشت خلالها مرارة فقد الأم، وها قد جاء بعدها الأب، ولكليهما منزلة خاصة عند المرء. حيث لا يقدر أحدنا القول بأن فقد الأم أعظم من الأب، أو العكس، وخاصة إن بلغا من الكبر عتيا. ويكفي حتى تعرف قدرهما وقيمتهما، أنهما بابان لدخول الجنة، عبر الإحسان إليهما والبر بهما فور أن يبلغ أحدنا سن الرشد والعقل والفهم والوعي.

  عشت مرارة فقد الأب بعد الأم، مهما يبلغ أحدنا من العمر.. وقد زادت مرارة الفقد في الأيام الأخيرة له وهو في معاناة وآلام لا يعلم مداها وكيفيتها وقوتها إلا الله. عاش وسط أنابيب وأسلاك وأجهزة طبية متنوعة، وأدوية مختلفة الأشكال والأنواع، وقد زادت وتعقدت بعد دخوله غرفة العناية الفائقة..

  

من داخل غرفة العناية

شعرت وأنا أراقب الوضع الصحي لأبي وهو يتدهور سريعاً، أنه كما لو صار محطة لتجارب الأطباء، وذلك عبر استخدامهم لكل أنواع الأدوية، من مسكنات ومضادات وغيرهما، فلعل أحدها تثمر وتوقف التدهور في صحته بشكل عام، أو هكذا كان تفكير الأطباء.


  لكن كما كنت أشاهد، بدأت الكلى تتدهور وظائفها تدريجياً، حتى بات كل سائل يدخل الجسد، لا يعرف كيف يخرج منه، بعد أن توقفت الكلى عن العمل بصورة كبيرة. ثم بدأ الضغط ينتقل إلى القلب، الذي ظل صامداً يعمل بصمت  لعقود ثمانية هي عمر الوالد، رحمه الله، وخاصة مع استمرار الالتهابات بالرئة. حيث دخل الجسم في تحد جديد بعد مضاعفة مدرات البول - أعزكم الله – فلعلها تعين الكلى، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة السوائل دون تصريف مناسب، ما أدى إلى هبوط ضغط الدم تدريجياً، رغم حقن الجسم بأدوية تمنع هبوطه.


  لكن الجسم امتلأ بالأدوية والسوائل، وزادت الضغوط ولم تعد أدوية منع هبوط الضغط تفيد, فهكذا كنا نراه - رحمه الله- كما لو أنه يريد القول بأنه لا فائدة ترجى الآن، فقد فات الأوان، وإنّ قدرة الطب لها حدود، حيث بدأ الجسم القوي الذي عاش في نشاط وحركة وجهد طوال سبعة عقود، حتى ضعف في العقد الثامن تماماً، بدأ ينهار سريعاً أمام أعيننا، وبدأ نبض القلب ينخفض إلى أن وصل الرقم صفر، أو لا نبض !

  

   كنا من ذي قبل قد اتفقنا مع الأطباء ألا يكون للعنف والقسوة مكان على جسد الوالد، باستخدام الصدمات الكهربائية لو توقف القلب، لأنه ألم فوق ألم، وتعذيب شديد لرجل ثمانيني منهك يحتضر، فما فائدة دقائق أخرى يعمل خلالها القلب طالما ليس صاحبه في وعيه، وهو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ؟

   تم التأكد من كهرباء القلب عبر جهاز التخطيط ، وتبين للطبيب، وانا أشاهد معه التخطيط الذي بدا خطاً مستقيما، أن القلب فعلياً توقف، والمخ سيعمل دقائق أخرى، لكنه سيتوقف أيضاً سريعاً، لأن مصدر حياته توقف عن ضخ سائل الحياة إليه كما كان لسنوات طوال. نعم لقد قُضي الأمر، وحانت ساعة الأجل التي تمت كتابتها في صحيفة الوالد، رحمه الله، وهو في بطن أمه، مثله مثل أي إنسان يأتي إلى هذه العاجلة..


الوالدان كنز   

الشاهد من الموضوع، أن الوالدين كنز ثمين لا يعرف قيمته الأبناء سريعاً إلا بعد حين من الدهر طويل، بل ربما البعض يدرك ذلك فجأة وهو يرى أحدهما أو كلاهما وقد غادر الدنيا. ولات حين مناص !! ومن هنا يتبين أنّ البر بهما والاحسان إليهما، وبذل الغالي والنفيس من أجلهما، هو أقل ما يمكن أن يقوم به الأبناء تجاه والديهم.


   من كانت أمه وأبيه على قيد الحياة، فليبادر ببرهما من الآن قبل فوات الأوان، لأن البر والإحسان حال وجودهما أسهل من بعد رحيلهما. ففي حياتهما، يمكنك زيارتهما والجلوس إليهما بشكل يومي، وعمل كل ما يلزمهما. لكن بعد موتهما، سيصبح الأمر أصعب تدريجياً، حتى وإن كان أحدنا باراً بوالديه في حياتهما.


   لن يكون أمر البر بالسهولة التي نتوقعها بعد مماتهما، ليس لأننا لا نريد ذلك، بل لأن ما يبتعد ويختفي عن حياتك الدنيوية وفي محيط نظرك وسمعك، وبفعل مؤثرات وضغوط حياتية متسارعة كثيرة ومتنوعة حولك، تنسيك أمر البر بشكل متدرج، وإنّ الحكيم منا من يقاوم ذلك، ويطيل من فترة البر بهما بعد مماتهما. ومن هنا، وجود الوالدين في حياتك أيها القارئ، فرصة لا يجب تفويتها وإضاعتها وتسويف ما يستلزم تجاه البر بهما والإحسان إليهما. فالله الله في أمك وأبيك أيها القارئ قبل فوات الأوان.


خلاصة الحديث 

   الدنيا أيام معدودات، فأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً - وبر الوالدين والإحسان إليهما من ذلك العمل الأخروي - ثم اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً. لا تنشغل وتنغمس بالدنيا، إذ لا شيء في أن تؤجل من أعمالك الدنيوية، فإن فاتك عمل اليوم، يمكنك القيام به بالغد، وإن خسرت أي عمل دنيوي، فلن تخسر سوى حطام لا قيمة له في ميزان الآخرة.


   لكن إن خسرت آخرتك، فقد خسرت حياتك المستقبلية، والآخرة هي الحيوان، أو الحياة الحقيقية التي تستحق أن يعمل المرء لها في يومه وليله.. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وآبائكم وأمهاتنا وأمهاتكم، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها.. آمين يا رب العالمين .

الخميس، 16 أبريل 2026

قبل أن يختنق العالم

 


  العالم دخل حالة من الترقب والقلق بعد انسحاب الأمريكان من محادثات إسلام آباد، التي قيل أنها كانت تسير بشكل مثمر إيجابي، لكن وبحسب روايات متنوعة، تغيرت الأمور فجأة بعد مكالمة تلقاها رئيس الوفد الأمريكي، ليقوم بعدها ويوقف المحادثات إلى أجل غير مسمى، وإن بدأت بعض المصادر منذ الأمس الأول بالحديث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات اليوم الخميس !

  بعد توقف المحادثات، تساءل كثيرون إن كان التوقف خطوة تكتيكية أمريكية من أجل زيادة الضغط على إيران، أم أن هناك أموراً أخرى خافية ؟

الأرجح أن التوقف هو تكتيك أمريكي قديم تستخدمه حكومات الولايات المتحدة في التفاوض مع المخالفين لها، والتي ترغب في إخضاعهم لشروطها عبر تطبيق ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى عليهم، ويتم ذلك بطرق عدة، منها مثلاً، تعليق أو إبطاء المفاوضات، أو إرسال إشارات للمخالف بأنه غير مستعجل في الأمر، كي يخلق حالة من عدم اليقين عنده، وغيرها من طرق وأساليب.  


  إذن وبناء على ذلكم التكتيك، ربما كان إذن الهدف من إنهاء المفاوضات هو دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في ملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وكذلك العقوبات الاقتصادية. وربما استخدام ترامب التاجر مثل هذه السياسة لها علاقة بأسواق النفط والمال، وانعكاسها مباشرة على أسعار النفط ، وكذلك الأسهم في الأسواق المالية. ولك أن تبحث عن شركاته ومصالحه ومصالح آخرين من حوله في أسواق المال والنفط وغيرها، لتدرك خطوات ترامب التاجر !

 

 لكن لماذا التوقف الآن رغم أن الهدنة لم تنته؟


  التوقف قد يعني فعلاً وجود خلافات حقيقية لم تُحل، أو محاولة كسب وقت لإعادة ترتيب الأوراق، وربما اختبار ردود الفعل الدولية خاصة من أوروبا والصين، بل لم لا تكون أيضاً رسالة من كل طرف لجمهوره الداخلي بأنه متماسك عنيد ولا يتنازل بسهولة !

   منذ توقف المحادثات والتحليلات السياسية تزداد يومياً تبحث عن الأسباب. لكن كما هو معروف عن ترامب ومزاجه المتقلب، وفيما العالم ينتظر أي خبر عن موعد آخر للمحادثات لتكملة ما بقي من موضوعات، يقوم بحركة مفاجئة ويعلن عن حصار الموانئ الإيرانية، في خطوة زادت الأزمة تعقيداً، حتى قال البعض بأن ما قام به ترامب هو قرصنة على الهواء مباشرة، مثلما هذا البعض يرى في الوقت نفسه، أن الفعل الإيراني مع المضيق أيضاً فعل قرصنة وتهديد للملاحة الدولية، وضغط جيوسياسي. لكن فريقاً آخر رأى بأن كلا الطرفين تجاوزا القوانين الدولية بشكل غير مقبول ومبرر، إلى غير ذلكم من تحليلات وتقييمات.  

   لكن بشكل واضح ومختصر يمكن القول أن التوتر الناتج في الخليج بسبب سياسات ترامب تجاه إيران، وتحركات طهران في مضيق هرمز، لا يمكن تبسيطه بوصف " قرصنة " لأن أفعال الدولتين قانونياً ليست كذلك، ولكن يمكن تبسيط المسألة أكثر والقول بأن ما يجري هو نموذج لما يمكن تسميته بصراع نفوذ وضغط اقتصادي وأمني متبادل.

لكن الإشكالية هاهنا أن من يدفع ثمن عدم الاستقرار هذا، هو منطقة الخليج أولاً ثم بقية العالم المستفيد من استقرارها وعدم توتر الأوضاع فيها.

 

 ما الحل وهكذا الحال؟

 الحل بالطبع لا يكون بتصعيد حالة التوتر، والتي دون شك صار المستفيد الأكبر من استمرارها وإلتهابها هو نتنياهو وعصابته.

 الحل يكمن في عملية طويلة من التهدئة والتفاهمات التدريجية، من خلال الطرق الدبلوماسية، وضمان حرية الملاحة، ترافقها إعادة عملية بناء الثقة عبر وساطات دولية تقودها جهات مثل الأمم المتحدة مثلاً، وذلك من خلال تكليف أطراف ذات مصداقية دولية في عمليات الوساطة مثل قطر وعُمان، بشرط تأمين وضمان الحماية الكاملة لهما، باعتبار ما أصابهما من أذى إيراني غير مبرر خلال حرب الأربعين يوماً المتوقفة مؤقتاً، وفوق كل ذلك التنبه مرة وألف لمخططات جر الخليج إلى حرب مع إيران، والذي أثبت الخليج إلى الآن أنه قادر على ضبط النفس والاكتفاء بالدفاع، ليقينه أن هناك من يتمنى تورطه في حرب ناسفة ناشفة مع إيران !


خلاصة القول  

  استمرار حالة التوتر الحالية في الخليج ليس مكسباً حقيقياً لأي طرف، لا الأمريكان ولا إيران ولا أحد من الخليج وخارجه، فإنّ تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز ، ما لم يتم فتحه وتأمينه كاملاً اليوم قبل الغد، فإنه سيضغط بعد قليل من الوقت على الاقتصاد العالمي، وسيرفع المخاطر الأمنية، ويعمّق فجوة الثقة.

   نعم، قد توجد مكاسب قصيرة الأمد قد يزعمها ترامب، أو حتى الجانب الإيراني، لكنها مكاسب هشة مؤقتة في نهاية الأمر، لأن الاستنزاف سيطال الجميع..

والحل كما أسلفنا، يبقى كامناً في التهدئة والدبلوماسية، لأنّ الحالة المتوترة بالمنطقة تحتاج بكل تأكيد إلى أصوات العقل والحكمة والدراية، حيث لم تعـد المنطقة تتحمل " فهلوة " من هذا أو ذاك، أو استعراض عضلات من هذه الدولة أو تلك، لأنها كلها سلوكيات ربما تؤدي إلى نوع من سباق تسلح متسرع غير مجد ونافع، واستنزاف هائل للموارد، أو حدوث نوع من الاحتكاك العسكري بقصد أو دون قصد، التي قد تجلب كوارث وأزمات، لا أظن العالم يتطلع إليها أو يحتاجها !



الخميس، 2 أبريل 2026

القلوب وقت الفتن

   


   الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثيرالبيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله.


    ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيرانا. ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ).

وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك ) فقالَتْ له عائشة :" إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، فقال عليه الصلاة والسلام:" وما يُؤمّنّي ؟ ( بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان ) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه.  

   

   الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟

    مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها هاهنا.


   إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة.. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله !

   الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.


بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْـشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ۚ ظُلُماتٌ بعـضُها فوق بعـض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكـد يراها ۗ ومن لم يَجعـلِ الله لهُ نوراً فـما له من نور﴾. 

  هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا أذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط ، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لاغيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية..   

فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.  

   

 

الخميس، 26 مارس 2026

يسبّح الرعـدُ بحمده

     



  كل شيء في هذا الكون الواسع الممتد يسبّح بحمد الله دون أن نفقه تسبيحهم ومنطقهم، أو اللغة التي بها يسبّحون بها الله تعالى. ومن تلك الأشياء الرعـد، الذي يأتي بعد البرق بلحظات قليلة، فتهتز القلوب خيفة ورهبة من صوته، لاسيما إن كان بليل شديد الظلمة، شديد المطر..

  قبل الدخول في تفاصيل الرعد، لابد أن أحدنا تساءل يوماً عن تلك الصيحة التي هبطت على قوم ثمود فأهلكتهم عن بكرة أبيهم. وهل كانت تلك الصيحة صوت رعد شديد إلى درجة لم تتحمل آذانهم وأعضاؤهم الداخلية ضغط الصوت فهلكوا بسببه جميعاً؟


   لم لا يكون فعلاً ذلك العذاب الذي نزل عليهم عبارة عن صوت رعد شديد لا يتحمله الجسم البشري، باعتبار أن الصوت الذي يتحمله جسم الإنسان تكون شدته ما بين 120 إلى 130 ديسيبل، أو الوحدة العلمية لشدة الصوت، ومثال ذلك صوت طائرة نفاثة.

  لكن إن وصلت الشدة إلى 150 ديسيبل مثلاً، فهذا مستوى تتمزق عنده طبلة الأذن، فتخيل كيف يكون وضع الإنسان إن تعرض لصوت شدته أكثر من ذلك؟ وبالتالي ليس مستبعداً أن نزل على قوم ثمود صوت رعد بلغت شدته ما بين 180 إلى 200 ديسيبل، لأن هذه الشدة تمزق الرئة، بالإضافة إلى المعدة والأمعاء، أو تتسبب في حدوث صدمة عنيفة للجهاز العصبي قد تؤدي إلى توقف القلب.     

 

ما هو الرعـد ؟ 

نعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو الرعد، لنقرأ معاً قوله تعالى ( وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته) فتشعر أن هذا الرعـد كأنما هو كائن، أو مخلوق من مخلوقات الله يسبّح بحمد الله، ولكن التسبيح بصوت جهوري تسمعه الخلائق جميعاً فترتعب.


   يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إنّ هذا لوعيد لأهل الأرض شديد. وقد قال أكثر المفسرين - كما في معالم التنزيل للبغوي - أن الرعد اسمُ مَلَك من الملائكة يسوق السحاب، وأنّ الصوت المسموع منه، هو صوت تسبيحه. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرعد مَلَكٌ موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبّح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر .

وعنه أيضاً قال: جاءت اليهود وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟

فقال: ملك من الملائكة، موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. 

قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟

فقال: زجره السحاب .   

  إن هذا الصوت المقرقع المدوي، كما جاء في ظلال القرآن، أثرٌ من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان.

وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً ، ويكون الرعـدُ ( يُسبّح ) فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر، لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل !

 

البرق والرعـد علمياً


علمياً، الرعد ظاهرة صوتية ناتجة عن تفريغ كهربائي هائل، أو ما يُعرف بالبرق، الذي تصل حرارته إلى 30,000 درجة مئوية، أو ما يعادل خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس.. وهذا التفريغ الكهربائي يؤدي إلى تسخين هائل جداً للهواء المحيط بسرعة فائقة يسبب تمدداً مفاجئاً وانضغاطاً في الهواء، وهذا التمدد أو الانضغاط الحاصل في الهواء يولّد موجات صوتية مسموعة تنتشر في الغلاف الجوي، وتُعرف باسم الرعد، أو الهزيم، الذي يأتي فوراً بعد وميض البرق.

  من الجميل أن تتفاعل وتعايش لحظات العواصف الرعدية الماطرة، حيث يمكنك بعد تسبيح الله والاستغفار والدعاء، معرفة المسافة التي تفصلك عن العاصفة الرعدية، وذلك عبر حساب عدد الثواني بين لحظة وميض البرق حتى سماعك لصوت الرعد الذي يتبعه، ثم اقسم عدد الثواني على ثلاثة، فيكون الناتج هو المسافة بينك وبين العاصفة الرعدية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عنها.   


   معلومة أخرى حول خطورة البرق كما في الآية الكريمة ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) حيث يقول الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله، بأن أهم أخطار البرق هو الذهاب بالبصر. والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيارون من أخطار في حالات العواصف الرعدية، والومضات البرقية، خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة، أو شرارة هائلة، وبالتالي كثرة النظر إليها قد تفقد البصر، حيث لا يقوى الطيار على الاستمرار في قيادة طيارته.


  الأهم من كل هذه التفصيلات، وهو لب هذا الحديث والمغزى النهائي منه، أن كل شيء في هذا الكون الرحب الواسع يسبّح بحمد الله، دون أن نفقه الكيفية، لكن الإيمان بها واجب. وهو ما يدعونا أن نردد دوماً وأبداً، حين نتأمل الآيات الكونية العظيمة المتعددة قوله تعالى ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك، فقنا عذاب النار ).

    

الأربعاء، 18 فبراير 2026

إضاعة الفرصة غُـصّة

 

  


  حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق.

  الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه.

   إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. 

  

 رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً !

وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر.

 

 لصوص وفيلة رمضان

  إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك !

 قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه "عاقل أهل الأندلس" بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة.

 

وضوح الهدف

   المغزى من القصة كما يحلوا لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف.

   استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل في الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار.

  إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

ختام الحديث

   من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:" الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولاتبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب ".

وكل عام وأنتم بخير .