أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 26 مارس 2026

يسبّح الرعـدُ بحمده

     



  كل شيء في هذا الكون الواسع الممتد يسبّح بحمد الله دون أن نفقه تسبيحهم ومنطقهم، أو اللغة التي بها يسبّحون بها الله تعالى. ومن تلك الأشياء الرعـد، الذي يأتي بعد البرق بلحظات قليلة، فتهتز القلوب خيفة ورهبة من صوته، لاسيما إن كان بليل شديد الظلمة، شديد المطر..

  قبل الدخول في تفاصيل الرعد، لابد أن أحدنا تساءل يوماً عن تلك الصيحة التي هبطت على قوم ثمود فأهلكتهم عن بكرة أبيهم. وهل كانت تلك الصيحة صوت رعد شديد إلى درجة لم تتحمل آذانهم وأعضاؤهم الداخلية ضغط الصوت فهلكوا بسببه جميعاً؟


   لم لا يكون فعلاً ذلك العذاب الذي نزل عليهم عبارة عن صوت رعد شديد لا يتحمله الجسم البشري، باعتبار أن الصوت الذي يتحمله جسم الإنسان تكون شدته ما بين 120 إلى 130 ديسيبل، أو الوحدة العلمية لشدة الصوت، ومثال ذلك صوت طائرة نفاثة.

  لكن إن وصلت الشدة إلى 150 ديسيبل مثلاً، فهذا مستوى تتمزق عنده طبلة الأذن، فتخيل كيف يكون وضع الإنسان إن تعرض لصوت شدته أكثر من ذلك؟ وبالتالي ليس مستبعداً أن نزل على قوم ثمود صوت رعد بلغت شدته ما بين 180 إلى 200 ديسيبل، لأن هذه الشدة تمزق الرئة، بالإضافة إلى المعدة والأمعاء، أو تتسبب في حدوث صدمة عنيفة للجهاز العصبي قد تؤدي إلى توقف القلب.     

 

ما هو الرعـد ؟ 

نعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو الرعد، لنقرأ معاً قوله تعالى ( وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته) فتشعر أن هذا الرعـد كأنما هو كائن، أو مخلوق من مخلوقات الله يسبّح بحمد الله، ولكن التسبيح بصوت جهوري تسمعه الخلائق جميعاً فترتعب.


   يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إنّ هذا لوعيد لأهل الأرض شديد. وقد قال أكثر المفسرين - كما في معالم التنزيل للبغوي - أن الرعد اسمُ مَلَك من الملائكة يسوق السحاب، وأنّ الصوت المسموع منه، هو صوت تسبيحه. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرعد مَلَكٌ موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبّح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر .

وعنه أيضاً قال: جاءت اليهود وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟

فقال: ملك من الملائكة، موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. 

قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟

فقال: زجره السحاب .   

  إن هذا الصوت المقرقع المدوي، كما جاء في ظلال القرآن، أثرٌ من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان.

وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً ، ويكون الرعـدُ ( يُسبّح ) فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر، لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل !

 

البرق والرعـد علمياً


علمياً، الرعد ظاهرة صوتية ناتجة عن تفريغ كهربائي هائل، أو ما يُعرف بالبرق، الذي تصل حرارته إلى 30,000 درجة مئوية، أو ما يعادل خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس.. وهذا التفريغ الكهربائي يؤدي إلى تسخين هائل جداً للهواء المحيط بسرعة فائقة يسبب تمدداً مفاجئاً وانضغاطاً في الهواء، وهذا التمدد أو الانضغاط الحاصل في الهواء يولّد موجات صوتية مسموعة تنتشر في الغلاف الجوي، وتُعرف باسم الرعد، أو الهزيم، الذي يأتي فوراً بعد وميض البرق.

  من الجميل أن تتفاعل وتعايش لحظات العواصف الرعدية الماطرة، حيث يمكنك بعد تسبيح الله والاستغفار والدعاء، معرفة المسافة التي تفصلك عن العاصفة الرعدية، وذلك عبر حساب عدد الثواني بين لحظة وميض البرق حتى سماعك لصوت الرعد الذي يتبعه، ثم اقسم عدد الثواني على ثلاثة، فيكون الناتج هو المسافة بينك وبين العاصفة الرعدية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عنها.   


   معلومة أخرى حول خطورة البرق كما في الآية الكريمة ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) حيث يقول الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله، بأن أهم أخطار البرق هو الذهاب بالبصر. والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيارون من أخطار في حالات العواصف الرعدية، والومضات البرقية، خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة، أو شرارة هائلة، وبالتالي كثرة النظر إليها قد تفقد البصر، حيث لا يقوى الطيار على الاستمرار في قيادة طيارته.


  الأهم من كل هذه التفصيلات، وهو لب هذا الحديث والمغزى النهائي منه، أن كل شيء في هذا الكون الرحب الواسع يسبّح بحمد الله، دون أن نفقه الكيفية، لكن الإيمان بها واجب. وهو ما يدعونا أن نردد دوماً وأبداً، حين نتأمل الآيات الكونية العظيمة المتعددة قوله تعالى ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك، فقنا عذاب النار ).

    

الأربعاء، 18 فبراير 2026

إضاعة الفرصة غُـصّة

 

  


  حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق.

  الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه.

   إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. 

  

 رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً !

وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر.

 

 لصوص وفيلة رمضان

  إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك !

 قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه "عاقل أهل الأندلس" بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة.

 

وضوح الهدف

   المغزى من القصة كما يحلوا لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف.

   استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل في الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار.

  إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

ختام الحديث

   من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:" الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولاتبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب ".

وكل عام وأنتم بخير .

الخميس، 12 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النـار !!

   



   حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب .


   تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى ( وجعلناهم أئمة يدعـون إلى النار ) أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له.


  إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن.  


   فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ.


   لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير.

 

دعاة على أبواب جهنم

  حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني.

قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟

قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟

قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. 

قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟

قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال:

هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟

قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

 

   هل الاعـتزال هـو الحـل ؟ 

   إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟!


    أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك !


   هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لاشك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد !


   لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى  أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم..


   لكن الإشكالية كما قال حذيفة : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله..

 

فهل الحـل هـو الاعـتزال ؟ 

سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. ومن هنا نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه.

 

الخميس، 5 فبراير 2026

ما بين قارون وأبستين ..

   

   

   انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى ابستين، الذي صار الإسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه..

   قيل أنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة !     

   الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام.

 

ما هو الفساد ؟ 

الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة.

  الفساد لايكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامين، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات !

   قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه.  فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة !     

 

وفي التاريخ لنا عـبرة

    قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة قارون الذي كان من قوم موسى. أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك فرعون. وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد.

   كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال.

    كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة.

  

الدروع الحامية للفساد

   لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات !   

   لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيءُ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر ( فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ).. 

هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ ( الله لا يُصلحُ عمل المفسدين ).  

الخميس، 29 يناير 2026

ظهير المجرمين


   ندم موسى عليه السلام أشد الندم على فعلته مع قبطي دخل في شجار مع إسرائيلي، حيث وكزه بقبضة يده نحو صدره فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان موسى يتمتع بها، لكن لم يكن يدركها إلا بعد تلكم الواقعة، فشعر أنه ارتكب جرماً وذنباً كبيراً.

  لكن المشهد تكرر تارة أخرى بالغد، إذ رأى قبطياً آخر مع نفس الإسرائيلي، فأراد التدخل لمنع الشجار، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما صدر عنه بالأمس، وأنه هو من قتل القبطي، ووصل الأمر لجهاز الأمن بالدولة، وبدأ البحث عنه، فاختفى موسى عليه السلام من المشهد، وصار يتحرك بحذر.

  مع التحركات الحذرة لموسى عليه السلام، لم ينس فعلته. فقد شعر بالذنب، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه ( رب إني ظلمت نفسي فاغـفر لي فغـفر له ). وحين شعر أن الله استجاب دعوته، عاهد الله وكنوع من من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه، ألا يقف يوماً مع المجرمين فقال: ( ربّ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ).

فهو عهدٌ مطلق، كما يقول صاحب الظلال، ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً ومعينا، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل.

 

الظهير والمجـرم

   إن أردنا بعض التأمل في القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله.

ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين..  

   إنّ الوقوف مع الظلم والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا.  

  عـدم الوقوف في صف الباطل والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟

 أليس ذلك من العـقوق ونكران جميل الخالق عليك ؟!

  

خلاصة الحـديث

   إنّ دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره

وعلى هذا ندير حياتنا، ونبني لآخرتنا.

    إنّ الآية الكريمة ( رب بما أنعـمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) رسالة لكل مؤمن، ألا يكون أو يُرى يوماً من الأيام في معسكر الباطل والظلم والإجرام، وبأي صورة من صور الإعانة، أو الدفاع، أو التمجيد، أو الحماية، أو غيرها من صور، فإنها كلها كما أسلفنا، تدخل في حكم مظاهرة ومعاونة المجرمين، ولو كانوا أولي قربى، والحقُ أحق أن يُتّبع. 


الخميس، 15 يناير 2026

هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ؟

 


  

هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسبونها طريقة صحيحة ترضي الله، وأن أعمالهم تلك مقبولة عنده سبحانه.

ومن الناس من يشرك بالله ويظن أنه على شيء وهو لا شيء، وأمثال هؤلاء كثير إلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. يعتقدون صلاح أعمالهم، وهي عند الله غير ذلك، وهم في الآخرة من الأخسرين، وقد اختلف المفسرون حولهم.

   يقول الإمام الماوردي في قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أن فيهم خمسة أقاويل: أحدها أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي بن أبي طالب. الثاني أنهم الكتابيون اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص.

أما الثالث فهم أهل حروراء من الخوارج، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. الرابع هم أهل الأهواء، والخامس من يصطنع المعروف ويمنّ عليه.. ويحتمل سادساً أنهم المنافقون بأعمالهم، المخالفون باعتقادهم، ويحتمل سابعاً أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة.  

  يظن ويتوهم كل أولئك أنهم يحسنون صنعاً في الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الطيبة لا شك عندهم أنها مقبولة عند الله، والله سبحانه عنى بقوله ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، كما يقول الإمام الطبري، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله، كفرة ومن أهل أيّ دين كانوا.   

  

   إنّ من شروط قبول الأعمال، الإخلاص والصواب. أما الأول وهو الإخلاص، فيعني أن تقوم العمل لا تقوم به إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته، لا لأحد سواه، ولا تبتغي مرضاة أحد غير رضا الله. بمعنى آخر، لا رياء أو تتحرى الحصول على إعجاب الآخرين وثناءاتهم.

   أن تقوم بعمل صالح وتخفيه عن الناس جميعاً، هو من الأعمال غير اليسيرة في حقيقة الأمر، والشيطان لا يسره قيام أحدنا بعمل صالح يخفيه عن الآخرين، باعتبار أن ذلك مسلك الصالحين أعداء الشيطان، الذي لا يمل ولا يكل من دفع أولئك الصالحين لإظهار أعمالهم الخفية الصالحة ولو بنسبة ضئيلة بادئ الأمر، كي يتسلل إلى نفوسهم بعد حين من الدهر طال أم قصر بعض الرياء، على اعتبار أن أي إنسان منا وبحكم فطرته البشرية، يحب المديح والشكر والإطراء، ويسعده إن قام بعمل صالح، أن يشيد به الناس ويشكرونه..

   هكذا هي النفس البشرية، ومن هذه الثغرة الضعيفة بالنفس، يتسلل الشيطان إلى القلب ليدفع بصاحبه إلى تحويل عمله الصالح الخفي إلى ظاهر بيّن.. إذ مع الأيام والتكرار، سيستمر هذا الإنسان في أعماله الصالحة الظاهرة، وخاصة بعد أن يبدأ يتذوق حلاوة الثناء والإشادة من الآخرين، حتى تجده بعد حين من الدهر وقد وقع في فتنة العُجب واستحسان العمل، فتقل نسبة الإخلاص تدريجياً عنده ليتحول - أي العمل الصالح - إلى أشبه ما يكون بأي عمل إعلامي يتحرى صاحبه شوقاً لعبارات المديح والثناء، من بعد الظهور في الأضواء بالطبع، ومن بعد أن يكون الشيطان قد خلط عليه مفاهيم العمل الصالح وفوائد الإعلان عنها، إلى غير ذلك من مفاهيم.

  

ضمن هذا السياق، نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصينا بقوله:" من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل  ".. وأحسبُ أن العمل الصالح يستحق جداً أن نخفيه عن الناس مثلما نفعل مع العمل السيء، كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه :" اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح، كما أن لكم خبيئة من العمل السيء "..

 

لكن هل يكفي هذا الإخلاص لقبول العمل ؟

 بالطبع لا يكفي، لأن الركن الثاني لقبول العمل بعد الأول وهو الإخلاص كما أسلفنا، أن يكون العمل صحيحاً سليماً لا يخالف شرع الله. فما فائدة عمل خالص لله، والنيات طيبة بريئة، لكنه غير صحيح، أو مخالف لسنة الله ورسوله؟

  من هنا تأتي أهمية دور العلم، وضرورة أن يتعلم الإنسان دينه قبل أن يقوم بالعبادات والشعائر، أو يقوم بالنوافل والسنن والأعمال الصالحة الأخرى، لكي يكون على بيّنة من أمره، فلا يميل إلى تأويل فاسد، أو فهم سيء ربما يدفعه من حيث لا يدري، إلى زمرة الأخسرين أعمالا والعياذ بالله..

أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين، الهادين المهديين، وأن يجعلنا من الراشدين.  

 

 

 

الخميس، 11 ديسمبر 2025

فرعـون لم يمت بعـد


لا شك أن كثرة قصص فرعون في آيات وسور القرآن لها مغزى، وأنّ تلكم الكثرة ليست قصصاً تاريخية تروى من باب العلم بحكايا وأخبار الأقدمين، إنما لتنبيه من يأتي بعدهم جيلاً بعد جيل أن تلك الأحداث ومن عاشوا فيها، هي دروس للتأمل والتفكر وأخذ العظة والعبرة، وهكذا هي قصص القرآن الكريم.

  حتى لا نطيل في التقديم..

  الفرعون الذي كان يهيمن على مقاليد الأمور في مصر منذ ما قبل ولادة موسى عليه السلام، ثم استمر في الحكم حتى شب موسى وصار نبياً رسولاً مطلوب منه مواجهة فرعون وبقية القصة المعروفة، هو من أقبح النماذج الظالمة في تاريخ البشرية.

  إنه إلى جانب الظلم، كان جباراً عنيداً فاسداً. ظلم نفسه قبل غيره حين ادعى الربوبية، ولم يقم أحد من قبله بهذا الفعل الظالم غير الواعي. واستمر في ارتكاب المظالم الواحدة تلو الأخرى. منها تعذيب الناس في مملكته، لا سيما بني إسرائيل، حيث قام بتسخير رجالهم للعمل في أدنى وأحقر الأعمال، وإرهاقهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم. ومنها استحياء الإسرائيليات عبر تسخيرهن لخدمته في قصوره وقصور آله ومن يدور في فلكه. ومنها الأمر بقتل أطفال بني إسرائيل الذكور، ليسحق بذلك سعادة الأهالي بأي وليد ذكر. ومنها تفريق بني إسرائيل إلى جماعات وشيع وفرق، وبذر الشقاق والخلاف والعداوات بينهم، تجسيداً لمبدأ فرّق تسد.

   قائمة الظلم عند فرعون كانت طويلة عريضة، شملت إلى جانب ما ذكرناه آنفاً،  تهديد أي أحد يستمع لموسى وأخيه هارون، سواء عبر لقاءات مباشرة معهما، أو عبر وسائل إعلامية أخرى من وسائل ذلك الزمان، حتى وصل الضغط الفرعوني السياسي والإعلامي على الناس أن منع مجرد التفكير في تبنّي رأي مخالف، أو دعوة إصلاحية خلاف ما يراه هو ويدعو إليه، وبالتالي ازدحمت واكتظت سجونه بعشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء، من المعارضين لفكره السياسي أولاً، والمعارضين لغطرسته وظلمه ثانياً في مجالات حياتية أخرى عديدة، خاصة بعد انتشار دعوة موسى عليه السلام شيئاً فشيئا، حتى وجّه بوصلته نحو موسى يهدده ( قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ).

   هكذا كان فرعون. لم يكن يريد أحداً الخروج عن رأيه ورؤيته ( ما أريكم إلا ما أرى ) وخاصة أنه بدأ يشعر باهتزاز ما  يحدث لكرسيه، وأن موسى وهارون هما السبب الرئيسي، بل هما مصدر ( الإرهاب ) الذي رأى أنه يجتاح المجتمع المصري حينذاك ! ولهذا لا نستغرب اليوم من تكرار مزاعم الطغاة ضد كل مصلح أو ناقد، ذلك أنهم جميعاً من المدرسة ذاتها خرجوا.

 مدرسة الظلم والطغيان.


   من هنا يمكنك ملاحظة سر تنوع أساليب القرآن في عرض قصص فرعون، والتركيز على جزئية أو جزئيات معينة في كل قصة. لكن ما يهمنا هاهنا أن السبب الرئيس لفساد وظلم فرعون، ليس لأنه كان على رأس الهرم الرئاسي الذي وصله بقدرة قادر، والذي يتيح له فعل ما يشاء دون مساءلة، أو كما هو في قاموس الطغاة، بل لأن غالب البيئة يومئذ فاسدة ظالمة، حتى من قبل أن يأتي الفرعون.

    إنّ النتيجة الطبيعية لانتشار الظلم بين الناس بعضهم بعضا، هي وصول ظالم وفاسد إلى سدة الحكم، يكرس الظلم والطغيان، ويقود الناس بنفس الكيفية التي يتعاملون بين بعضهم البعض. وكيفما تكونوا يولّى عليكم، كما قال بعض السلف.

   لو تتأمل ما كان في المجتمع الفرعوني في ذلكم الزمان، وما هو حاصل في كثير من المجتمعات في هذا الزمان، لوجدت تشابهاً في السلوكيات والأخلاقيات، وانتشار الظلم بين الناس بعضهم بعضا، وهذا ما يفسر لك بالتالي كثرة الطواغيت والحكام الظلمة، وليس من تفسير لهذا اقتنعت به يفسر وجود حكام ظلمة في مواقع مختلفة، سوى أنه عقوبة ابتدائية إلهية متدرجة وتحذيرية أيضاً، قبل أن يرسل إليهم رسولاً يخرجهم مما هم فيه - وذلك في عهد الأنبياء والمرسلين - فيما اليوم على شكل دعاة إصلاح ومصلحين صادقين، يدعون إلى بناء مجتمعات جديدة توحّد الله لا تشرك به أحداً، ولا يظلم أحدٌ أحدا.

   خلاصة ما يمكن القول في ختام هذا الحديث الموجز،  أن المغزى من المشاهد أو القصص القرآنية عن الظلم والظالمين، هو التفكر والتأمل، وأنّ من يظلم لا بد أن يُظلم، والظالمُ إن لم يجد من يقلّم أظافره ويضع له حداً، استبد وتوحّش وتغوّل، وأن من أعان ظالماً سُلّط عليه عاجلاً أم آجلا ( ولا يظلم ربك أحدا ).

 

لكن السؤال المطروح على مدارالتاريخ :

هل يرتدع الظالمون، كلٌ في موقعه ومجتمعه ؟

لا يبدو أن فرعون قد غرق ومات، أو استفاد من جاء بعده من دروس عواقب الظلم والطغيان، ولا يبدو الدرس واضحاً لكثيرين حتى يوم الناس هذا، ما يفسر لك أن فرعون وإن مات بدنياً، إلا أن فكره لا زال ساري المفعول وقابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، وإلا ما تفسيرك لتزايد عدد الظلمة والطغاة حول العالم ؟

 لابد أن خللاً ما في الوعي والإدراك أصاب كثيرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.

الخميس، 4 ديسمبر 2025

وقطّعـن أيديهن ..

 


أرادت زوجة عزيز مصر أن تراود فتاها عن نفسه، وهو في كنف الله سبحانه ورعايته، يتم إعداده وتأهيله ليكون نبياً من أنبياء الله الكرام بعد حين من الدهر قصير. يأبى يوسف عليه السلام الخضوع لها ولغريزته ورفض. لكن الخبر بقدرة قادر انتشر في المدينة وصار حديث المجالس، لاسيما مجالس الطبقة المخملية من النساء، حتى ضاقت زليخة، زوجة العزيز مما يُقال عنها في تلك المجالس، فدعت مجموعة من تلك النسوة لوليمة أو حفل نسائي مغلق أو محدود على عدد معين قليل، وجاءت بأطعمة متنوعة، كان لابد من وجود سكاكين للتعامل معها.    

  بعد أن اجتمعت أولئك النسوة الثرثارات، طلبت زوجة العزيز من يوسف - عليه السلام - الخروج عليهن في المجلس لتقديم واجب الضيافة، وهن منهمكات في تقطيع بعض الأطعمة أمامهن. وما إن دخل عليهن، انقطعن فجأة عن واقعهن، كما لو أن كل واحدة أخذت حقنة مخدر شبيهة بتلك التي يتلقاها المريض في غرفة العمليات الجراحية.

  تعطلت الأحاسيس والمشاعر عندهن للحظات، لكنها كانت كافية لتجرح كل واحدة منهن يدها بسكين، فتعود بعدها النسوة إلى عالم الواقع سريعاً، بعد أن انتهى المشهد بخروج يوسف من المجلس، وهو ربما لا يدري سر الصمت الذي خيم على المجلس، وذهول النسوة إلى درجة الانفصال عن الواقع للحظات، وحدوث مشهد تقطيع الأيدي وإحداث جروح بها، لكن في الوقت نفسه، تحقق لزليخة ما كانت ترمي إليه، وبقية التفاصيل المعروفة التي يمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة في القصة في التفاسير المتنوعة، إذ ليس المجال هاهنا لسرد القصة، بقدر رغبتنا الدخول عبر هذا المشهد الى عالم الألم وكيفية السيطرة عليه ..

  

  في عالم الطب، يتم السيطرة على الألم المادي في الجسم بأدوات تخدير محكمة الكمية، كتلك المستخدمة في العمليات الجراحية، أو لتخفيف أنواع أخرى من الألام كالصداع النصفي مثلاً، أو غيره من آلام معروفة.. أما الآلام النفسية، فالمسكنات والمهدئات غالباً لا تكون كيماويات بقدر ما هي إيمانيات، إذ تعتمد على يقين وايمان الشخص نفسه بدينه وعقيدته، بغض النظر ها هنا عن الدين أو المعتقد، وليس هذا حديثنا أيضاً، وإنما استطراد مفيد يناسب جو الحديث عن الآلام.

   إن أردنا فهم ما حدث بشكل علمي مبسط في مجلس زليخة، مع النسوة اللائي قطّعن وجرحن أيديهن، فيمكن القول ابتداء بأن الحدث استثنائي نادر جعل النسوة لا يشعرن بألم القطع أو الجرح بالسكين، رغم عدم استخدام أي دواء أو مخدر، وهذا الأمر يمكن أن يُفسَّر علمياً من زوايا عصبية، هرمونية، أو نفسية.

  منها اضطراب وراثي نادر يولد فيه الإنسان وهو غير قادر على الشعور بالألم مطلقاً، وهذا خطر جداً على الإنسان، لأنه قد يعرض نفسه لإصابات بليغة دون أن يشعر. وهذا احتمال مستبعد في حال النسوة.  

   الاحتمال الآخر كما يقول المشتغلون بعلم الأعصاب، أن انفصال الإنسان عن واقعه للحظات قصيرة، قد تتسبب حالات الصدمة العاطفية أو النفسية الشديدة في حدوث ذلكم الانفصال اللحظي القصير. والسبب أن في حالات الصدمة الشديدة، يقوم الجسم بإفراز كميات كبيرة من " الإندورفين " وهي مادة كيميائية طبيعية تُنتجها الغدة النخامية وتعمل كمسكّن للألم، وتأثيره مشابه لمخدر المورفين.  

  كما يقوم الجسم أثناء الصدمات العاطفية والنفسية الشديدة بإفراز هرمون آخر هو " الأدرينالين " الذي يزيد من شدة انتباه المرء وتركيزه نحو حدث واحد دون غيره في لحظات قصيرة مؤقتة. وهذه المواد ترتبط بمستقبلات الألم في الدماغ والنخاع الشوكي. أي أن ما يحدث أثناء الصدمة، أنه يتم  تعطيل مؤقت، أو تجاهل لعملية نقل إشارات الألم من العضو المصاب إلى مراكز الألام بالجسم، رغم وصولها فعلياً من الأعصاب !  



 إن عدنا لمشهد النسوة تارة أخرى بشكل عميق، وأراد أحدكم أن يسأل ويقول بشكل دقيق:

 ما الذي جرى في أدمغة النسوة لحظة خروج يوسف عليهن؟


ما جرى هو حدوث نشاط هائل ومفاجئ للدماغ العاطفي، الذي يتعامل مع المشاعر القوية مثل الخوف، أو الدهشة، أو الرغبة. حيث يرسل إشارات تحفّز الجسم عبر المواد الكيمياية التي ذكرناه آنفاً، وهما " الإندورفين والأدرينالين " من أجل أن يتحول الانتباه كلياً نحو المثير العاطفي، ويخفف الإحساس بالألم. ذلك أن الدماغ يعطي الأولوية في تلكم اللحظات للتعامل مع الحدث العاطفي، أو المشهد المثير الذي نتحدث عنه، بدل الألم اللحظي.

  عندما جرحت النسوة أيديهن، انتقلت الإشارات العصبية للألم من الجلد إلى الدماغ، لكن الدماغ في تلكم اللحظة كان مشغولاً جداً بمشهد مثير، لا يمكن أن يصرف انتباهه  إلى أي حدث آخر بالجسم ! لكن بعد لحظات، أو حين زال المثير بخروج يوسف - عليه السلام - من المجلس، هدأت أجسام النسوة وعاد التركيز إليها، وبدأ الدماغ من فوره في استقبال إشارات الألم، ولكن في وقت متأخر عن المعتاد، وهو ما يفسر فجائية الإحساس بألم القطع أو الجرح لدى النسوة، حيث شعرت كل واحدة منهن بحرقة الجرح وكأنه حدث للتو !!

   بعبارة أخرى مختصرة، دماغ كل امرأة في تلكم اللحظات فضّل أن يرى، لا أن يشعـر ! والحديث عن عالم الألم متنوع ومتشعب، قد نجد في قادم الأيام فرصة لسبر أغوار هذا العالم بإذن الله.. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.