ندم موسى عليه السلام أشد الندم على فعلته مع قبطي دخل في شجار مع إسرائيلي، حيث وكزه بقبضة يده نحو صدره فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان موسى يتمتع بها، لكن لم يكن يدركها إلا بعد تلكم الواقعة، فشعر أنه ارتكب جرماً وذنباً كبيراً.
لكن المشهد تكرر تارة أخرى بالغد، إذ رأى قبطياً
آخر مع نفس الإسرائيلي، فأراد التدخل لمنع الشجار، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما
صدر عنه بالأمس، وأنه هو من قتل القبطي، ووصل الأمر لجهاز الأمن بالدولة، وبدأ
البحث عنه، فاختفى موسى عليه السلام من المشهد، وصار يتحرك بحذر.
مع التحركات الحذرة لموسى
عليه السلام، لم ينس فعلته. فقد شعر بالذنب، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه
( رب إني ظلمت نفسي فاغـفر لي فغـفر له ). وحين شعر أن الله استجاب دعوته، عاهد
الله وكنوع من من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه، ألا يقف يوماً مع
المجرمين فقال: ( ربّ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ).
فهو عهدٌ مطلق، كما يقول صاحب الظلال، ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً
ومعينا، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً
تحت تأثير الغيظ ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم
نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل.
الظهير والمجـرم
إن أردنا بعض التأمل في
القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم
بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه
قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله.
ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على
نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان
وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو
جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير
الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين..
إنّ الوقوف مع الظلم
والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع
من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ
مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح
المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة
ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا.
عـدم الوقوف في صف الباطل
والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر
النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع
في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟
أليس ذلك من العـقوق ونكران
جميل الخالق عليك ؟!
خلاصة الحـديث
إنّ دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره )
وعلى هذا ندير حياتنا،
ونبني لآخرتنا.
إنّ الآية الكريمة ( رب بما أنعـمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) رسالة لكل مؤمن، ألا يكون أو يُرى يوماً من الأيام في معسكر الباطل والظلم والإجرام، وبأي صورة من صور الإعانة، أو الدفاع، أو التمجيد، أو الحماية، أو غيرها من صور، فإنها كلها كما أسلفنا، تدخل في حكم مظاهرة ومعاونة المجرمين، ولو كانوا أولي قربى، والحقُ أحق أن يُتّبع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق