الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثيرالبيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله.
ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة
للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً
نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما
هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيرانا. ومن هنا تأتي أهمية ترديد
دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ( اللهم يا مقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك ).
وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يُكثر من قول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك
) فقالَتْ له عائشة :" إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
وطاعتك، فقال عليه الصلاة والسلام:" وما يُؤمّنّي ؟ ( بمعنى أيُّ شيء يجعلني
لا أخاف ويُعطيني الأمان ) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ
يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه.
الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. التنظير
فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على
الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر
في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن
الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح
والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن
مكانه؟
مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها هاهنا.
إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة.. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله !
الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر
الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع
الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث
حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.
بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار
أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من
مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار
وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم
الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْـشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ
ۚ ظُلُماتٌ بعـضُها فوق بعـض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكـد يراها ۗ ومن لم يَجعـلِ الله
لهُ نوراً فـما له من نور﴾.
هذا النور هو المطلوب في
مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى
للإنسان مثل هذا النور إلا أذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط ، أو هذا
اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لاغيره من الأحبال، وهي غالباً
أحبال شيطانية..
فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،
وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق