حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه
ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في
أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق.
الفرصة قد تلوح لك اليوم
بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب،
فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب
هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق،
واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن
يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا
الله وإياكم ببلوغه.
إنّه أحد الفرص، أو المنح
الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر
فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك
أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش.
رمضان الخير، أيامه معدودات،
فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد
عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه
وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من
رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً !
وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش
شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين
الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت
لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح
الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى:
رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر.
لصوص وفيلة رمضان
إذن وبعد الدعاء وطلب
التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل
جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من
الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في
المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة
المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم
لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه
الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك !
قال له الإمام: ما لك لم
تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر
إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه
"عاقل أهل الأندلس" بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت
رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ
المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر
الإسلام في تلكم الفترة.
وضوح الهدف
المغزى من القصة كما يحلوا لكثيرين ممن يستشهدون
بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً
للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف.
استشهادنا بهذه القصة في
معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله
رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما
استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم
خلال الشهر الكريم، وبشكل في الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت
الأنظار.
إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة
الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية
المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية،
وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف
الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل
سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال
شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل
نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
ختام الحديث
من جميل ما جاء عن ابن
الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:"
الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور
كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى
علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولاتبيعـوه بثمن بخس، بل
أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب ".
وكل عام وأنتم بخير .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق