الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الاثنين، 18 أبريل، 2011

أغلبنا لا يجيد فن الإنصات


   هل لاحظ أحدكم مرة وهو يتابع برنامجاَ حوارياً في التلفزيون، أن الضيف أحياناً يكون كمن نسي كلامه فيبدأ ويتلعثم في الحديث بعض الشيء؟ وهل جرب أحدكم هذا الأمر بنفسه في لقاء تلفزيوني مثلا ؟ فماذا يحدث في الاستوديو ويسبب هذا الإرباك للمتحدث ؟ 


   ما يحدث هو أن الارتباك الخفيف الذي يحصل للضيف وتعثره في إيجاد كلمات مناسبة، يكون لأن المذيع ينشغل عنه للحظات بقراءة أوراقه أو بالنظر إليها وترتيبها وتجهيز سؤال آخر، في الوقت الذي يتحدث هو وعيناه إلى المذيع. ويحدث هذا والكاميرا فقط على الضيف، أي أن كل ما يصدر منه أو على وجهه من تعبير يراها المشاهد ويظن بالضيف الظنون. 


   تلك اللحظات على الضيف سببها عدم انتباه المذيع إليه وهو يتحدث. أي أنه كمن يحدث نفسه، لا يجد حرارة وحيوية لحديثه . وهذا هو بالضبط سبب من الأسباب الرئيسية في عدم قدرة البعض على كسب الناس من خلال الحديث معهم. ذلك أن أي إنسان يشعر بأن له أهميته في كل وقت ومكان، وخصوصا حين يتحدث.


    إن أي فرد منا يحب أن يلقى الاهتمام من الغير أو من الذين يوجه لهم حديثه. ولعل من أبرز مظاهر الاهتمام بحديث الغير هو الإنصات وعدم المقاطعة، مع النظر اليه أو إلى عينيه تحديداً . 


   تصور نفسك تتحدث إلى شخص ما، وحديثك مهم حسبما تعتقد، ولكن الطرف الآخر لا يلقي بالاً لما تقول، وليس شرطاً أن يقول ذلك بشكل صريح ، لكن بعض حركات منه يقوم بها ستفيدك فوراً أنه غير راغب في سماع ما تقول وتكملته ، كأن ينشغل عنك بعمل ما ، أو لا ينظر إليك أو أنه لا يتفاعل مع ما تقول، وغيرها من مظاهر عدم الانتباه.


   ما الذي يجعل الحياة الزوجية مثلاً جافة وباردة، لا حيوية فيها ؟ تجد المرأة مثلاً منشغلة بموضوع مهم حصل بالبيت، فتنقل الخبر إلى الزوج، الذي قد يكون منشغلاً بالتلفزيون أو الجريدة.. تقول الزوجة بأن إدارة مدرسة الولد اتصلت اليوم بسبب تصرفات ولدهما وضرورة الانتباه إليه. فيرد الزوج : متى اتصلوا؟ فتقول : صباح اليوم. فيهز الزوج رأسه ويواصل الانشغال بما هو فيه !


   ولد يشتكي من والديه أنهما لا يسمعانه أبداً، وإن استمعا فلا يلبث أن يتحول الحديث إلى دروس من الوعظ والإرشاد، وأن عليه كذا وكذا.. فلا يجد أحداً يحدثه بما في نفسه. وهكذا يفقد الولد الاهتمام بوالديه ويبحث عن غيرهما، وهو ها هنا معرّض لأن يلتقي مع أناس ربما ليسوا أهلاً للصحبة فضلاً عن المشورة. 


    إن الطبيب النفسي حين يعالج مريضه ، يستمع منه أكثر مما هو يتحدث. إنك حين تدع الشخص يتحدث ويسترسل في الحديث، وتصغي إليه باهتمام بالغ وتفاعل عميق ولو شكلياً، من شأنه تكوين علاقة ود ومحبة معه، وتتطور تلك العلاقة لتكون أقوى من علاقات الدم بين الأخوة والأرحام. 


   لينظر أي فرد منا حوله ويستعرض قائمة أصدقائه الأوفياء المخلصين. سيجد أن من الخمسة أو العشرة الأوائل في القائمة هم من غير الأخوة أو الأرحام والأقارب، وسبب ذلك هو الإنصات والاهتمام بك أثناء حديثك معهم، وتفاعلهم معك ومع همومك وقضاياك.. جرب الإنصات مع الغير وانظر نتائجه.

هناك تعليقان (2):

Bedour يقول...

جميل ما خطه عقلك , ونحن بالفعل بحاجة إلى ندرة الإنصات , فالمنصتين بدأوا ينضبون.

بدور الدمخي

Abdulla Alemadi يقول...

اشكرك على رأيك أستاذة بدور .. تحياتي