الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 26 أبريل 2018

ترامب إذ يعـيد تاريخ الأندلس !!



    دولة الأندلس كانت عظمتها في وحدتها وتماسك جميع أطرافها وتجمعها تحت راية واحدة وحاكم واحد وشرع واحد، ونتج عن ذلك حضارة رائعة راقية.. لكن مع الزمن وشيوع الرخاء والتساهل في التعامل مع الأخطار الداخلية والخارجية المحيطة والمتربصة، وفي الوقت ذاته غلبة الطمع في نفوس البعض من المتنفذين، والجري وراء شهوات الاستئثار بالكراسي والخيرات تحت وابل من المبررات والأعذار، وصل الحال بالدولة الواحدة إلى أن تتفتت لتصل إلى أكثر من عشرين دولة..    

  هذا الانقسام الشديد لدولة الأندلس، ساعد المتربصين بها على الانفراد بكل دولة. وبدأ عهد الدخول في أحلاف ومعاهدات حماية مقابل الجزية، فكنت تجد كل دولة وقد بدأت تدفع الجزية لدولة نصرانية قريبة لأجل الحماية أو الدعم للإغارة على دولة شقيقة جارة، وهكذا تشتت مسلمو الأندلس إلا ما رحم ربي وقليل ما هم، وكان أبرز الصامدين أمام هذا التشتت والفرقة والخنوع والذل لممالك النصارى في تلك الفترة، المتوكل بن الأفطس حاكم دولة بطليوس، الذي رفض دفع دينار واحد للفونسو السادس ملك قشتالة، الذي بنى مملكته ووسعها بفضل أموال الجزية التي كان يدفعها ملوك وأمراء الطوائف في الأندلس له مقابل الحماية. وتحالف المتوكل مع يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين الشجعان، الذي وقف وقفة صارمة ضد ملك قشتالة الانتهازي، الذي لم يتوقف عن ابتزاز أمراء الطوائف ويمنّ عليهم بمسألة الحماية، وفي الوقت نفسه كان متربصاً بالجميع، ينتظر الزمن المناسب للقضاء على كل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة في أسبانيا..


وهكذا بين شد وجذب، انتهت حضارة الأندلس. ولمن أراد الاستزادة، أنصح أن يقرأ أو يستمع للدكتور راغب السرجاني حول تاريخ بلاد الأندلس من عهد عبد الرحمن الداخل حتى عهد أبي عبد الله محمد الثاني عشر من بني الأحمر، آخر ملوك الأندلس الذي رحل عنها وقد باع كل ما يملك لينهي بذلك قصة حضارة إسلامية رائعة ضاعت كغيرها من حضارات إسلامية هنا وهناك.
  
 التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي بمعية الرئيس الفرانكفوني أثناء زيارته لواشنطن، حول الدول الثرية بالشرق الأوسط ووجوب دفع تكاليف وجود القوات الأمريكية هناك، وأنه لولا الأمريكان لسقطت دول خلال أسبوع وغير ذلك من تصريحات ترامبية إعلامية غير منضبطة ومثيرة كالعادة، تجعل المرء يستحضر ويتأمل صفحات من تاريخ الأندلس، وكيف أن التاريخ يعيد نفسه فعلاً.. فما الفرق بين ملك قشتالة وترامب؟ لا شيء. كلاهما واحد. كلاهما دخلا عالم الابتزاز والاستغلال، والظروف تشابهت بين الماضي والحاضر.
    
   ملك قشتالة وملوك نصارى آخرون أقوياء، كانوا يعيشون بين عشرين دولة أو إمارة مسلمة. كل واحدة منها تتودد إلى هذا أو ذاك لحاجات في النفوس، فكان أولئك الملوك يقابلون ذاك الود والتقارب بالمال.. بمعنى أوضح: أعطونا دراهمكم نعطيكم ودنا وحمايتنا.. وهكذا أنهكت العطايا وأموال الجزية تلك الدول، فيما كانت تساهم تلك الأموال في اقتصاديات قشتالة وغيرها من ممالك النصارى فكانت تقوى أكثر وأكثر.. وهذا هو عين ما يقوم به ترامب وغيره من زعماء النصارى اليوم، مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما..
   
  رجل الأعمال الثري ترامب، والذي بقدرة قادر أصبح زعيم أقوى امبراطورية بشرية تعيش الآن، يتعامل مع نظرائه زعماء ورؤساء العالم كما لو أنهم مجموعة رجال أعمال أو مستثمرين أو زبائن. المال أولاً وثانياً وأخيراً. هو يبحث عن كيفية دعم خزينة دولته، بغض النظر عن الوسائل، فالغاية تبرر الوسيلة عنده وعند غيره كثير.. والابتزاز الذي يمارسه حالياً مع السعودية وغيرها من دول الخليج، إنما هو وسيلة من وسائل جمع المال، وهي وسيلة لا تبدو أن لها نهاية، ولا أرى كذلك رداً حاسماً حازماً من الطرف الخليجي، الذي بعثرته الخلافات وسهّلت على أي مبتز أجنبي، الانفراد بهم دولة دولة، واستغلال ما يمكن استغلاله، في مشهد أندلسي عجيب يكرر نفسه بعد أكثر من ألف عام!
     
  في هذا السياق، لا يمكن غض الطرف عن موقف مخز وكدليل على ما تفعله الفرقة والخلافات غير المبررة بدول الخليج، أن تجد ترامب يعلن من واشنطن ضرورة قيام دول شرق أوسطية بدفع تكاليف وجود القواعد العسكرية الأمريكية الحامية لها، فيقوم عادل الجبير من الرياض مقام الشارح الأمين لحديث ترامب، كما لو أنه المتحدث الرسمي للبيت الأبيض، ويطالب قطر بدفع تكاليف وجود القوات الأمريكية بسوريا ، لأن " النظام القطري " سينهار لو قرر ترامب سحب القاعدة العسكرية من قطر، في مخالفة واضحة لأبسط قواعد الدبلوماسية، التي أضاع الجبير بوصلتها منذ بدء الحصار الفاجر على قطر..
  
   خلاصة ما يمكن قوله في هذا الاستحضار السريع لتاريخ يكرر مشاهده من جديد، هي أن الفُرقة الضاربة جذورها في عمق العلاقات الخليجية، لم ولن تأت بخير على المنطقة. وما ابتزاز التاجر ترامب المستمر لدول الخليج، إلا إحدى ثمرات هذه الفرقة وهذا الخلاف غير المبرر. الابتزاز الأمريكي الفاضح، فتح شهية آخرين لممارسه الفعل نفسه، وقد بدأ البعض فعلاً والبقية في الطريق، كما لو أن ملك قشتالة وملوك النصارى الآخرين عادوا في صور ترامب وماكرون وغيرهم، يعيدون المشهد الذي كان مع ملوك وأمراء الطوائف في الأندلس، ليكون مع الخليج المتفرق.. ابتزازهم مستمر، وخلاف الأشقاء مستمر أيضاً، بل ويتعمق بصورة لا مؤشرات دالة على قرب نهاية سليمة لها، ما لم يخرج متوكل جديد يرفض هذا الابتزاز، يتعاون مع يوسف بن تاشفين جديد يقف وقفة الرجال معه ضد كل مبتز أجنبي، لا يرى الخليج سوى بنوك متحركة لا أكثر من ذلك..

فمن سيكون هذا المتوكل ومن هو بن تاشفين؟    

ليست هناك تعليقات: