abdulla.emadi@gmail.com

الخميس، 22 أكتوبر، 2015

لنحترم اختلافات البشر

 

  نتشابه في عقولنا من الناحية الحيوية أو الخِلقية ، ونتشابه في العيون الآذان وأمور أخرى كثيرة ، لكن ليس كلنا يفكر بالطريقة ذاتها مع آخرين ، ولا نرى الشيء بعيوننا بالطريقة التي يراه البعض الآخر .. بل نختلف وسنختلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


   بشيء من التفكر والتأمل قد يصل أحدنا أحياناً إلى قناعات معينة، بحيث لا يمكنك إزاحة تلك القناعات عن نفسه ولو ملكت ما ملكت من القوة والتأثير.. وشواهد في التاريخ كثيرة، يمكننا الاستشهاد ببعضها للدلالة على هذه الجزئية المعقدة في تركيبة الشخصية الإنسانية ..
  
   أصحاب الكهف والرقيم  كما جاء القرآن بقصتهم ، كانوا منعمين مترفين يعيشون في قصور ورغد من العيش كبير .. لكن فجأة تغيرت قناعاتهم الدينية فصاروا في غضون أيام مطاردين، لا يجدون مأوى ولا مأكلا ، سوى كهف آواهم  ، فاعتبروه أرقى وأنعم من قصورهم التي خرجوا عنها، وما كان فيها من حياة مرفهة يتمناها كثيرون !! لماذا حدث هذا ؟                                      
               
   مصعب بن عمير نموذج آخر شبيه بفتية الكهف، حيث عاش الحياة الرغيدة المرفهة في مكة ، فإذا ما سمع بخبر الدين الجديد ، قرر الانتقال مما كان عليه إلى حياة أخرى لا يدري الكثير عنها .. لكنه وبعد أن عرف قسوتها وصعوبتها ، لم يتردد في قراره ويتراجع ، بل آثر الاستمرار وفق قناعاته الجديدة ، عن أن يعود إلى سابق ما كان عليه ، رغم كل محاولات أمه ، التي كان مصعبُ باراً بها كثيرا ، لكنه في هذه النقطة المفصلية من حياته ، آثر الدين عليها !!  لماذا ؟

  أسامة بن لادن ، ولا أتحدث عنه ها هنا كزعيم لتنظيم ، وإنما كإنسان كان يعيش حياة يتمناها الكثيرون .. وهو ابن إحدى العائلات الثرية جداً وما زالت .. لكنه بعد أن تسامع الناس، ومنهم أسامة نفسه، بخبر الاجتياح السوفييتي لبلد مسلم واحتلاله وارتكابهم لمجازر وجرائم ، طار إلى أفغانستان ليعيش حياة قاسية في الجبال والكهوف، وحياة الحروب والقتل والدمار ، تاركاً تلك الحياة الهادئة المرفهة التي كان عليها حيناً من الدهر لم يدم طويلاً ، والتي يسعى ملايين البشر إلى مثلها بكل ما لديهم من وسائل !! فما الذي جرى له ؟


  حتى نفهم ما جرى للنماذج الثلاثة ، دعونا نرجع إلى مقدمة هذا الموضوع ، لنقول بأن الإنسان منا هو مجموعة قناعات ، قد تتغير بعضها وتتبدل بفعل مؤثر ما ، لكن بعضها الآخر تتجذر وتصل إلى أعماق النفس ، بحيث لا يمكن لأي قوة أن تخلعها وتغيرها .. إن مثل تلكم القناعات هي التي أخرجت فتية الكهف وصاروا قصة إلى يوم الدين، وبالمثل كان مصعب بن عمير، الذي أصبح بعد ذلك أول سفير في الإسلام، ثم النموذج الثالث الحديث ، أسامة بن لادن وما جرى له بعد تحرير أفغانستان ، وغيرهم كثير كثير ..  

   من هنا أدعو أن يحترم كل منا قناعات الآخر، ولا يكره أحدٌ أحداً على تغيير ما يؤمن ويقتنع به، ولا يستخدم عنفاً أو قوة في سبيل ذاك التغيير، ما لم تكن القناعات صادمة مؤذية له ولغيره، وحتى مع ذلك، لا يجب استخدام أسلوب التعنيف والإكراه بل المجادلة الحسنة ، فالعنف غالباً لا يأتي إلا بعنف أشد .. وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ ، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانهُ ، كما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . 
      

ليست هناك تعليقات: