الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 3 يونيو، 2014

قطر .. قوة ناعمة

    مصطلح القوة الناعمة ظهر في خطابات السياسة الدولية منذ سنوات قليلات ، بعد أن ثبت وبالتجربة ، كم هي القوة الناعمة عظيمة الأثر ، وتحقق من النتائج الإيجابية الكثير الكثير ما تعجز عنه وبالتجربة ، القوة العسكرية،  التي قد تحقق نتائج سريعة لكنها مؤقتة غير مضمونة ، بل سريعة الزوال وآثارها سلبية غير ذي جدوى أو منفعة كبيرة على مستخدمها ، بدليل زوال عهد الاحتلالات العسكرية المباشرة ، حتى وإن لم تزول تماماً ، لكنها وإن وقع احتلالٌ هنا أو هناك ، فمن المؤكد أن الوسيلة ليست عسكرية ..

   القوة الناعمة لا تشترط فيها جغرافيا أو ديمغرافيا ، ولا تاريخ أو اقتصاد ، بل تتطلب روحاً طيبة وفكراً نيّراً ورقياً في التعامل ، وهي كلها صفات إنسانية ، وبالتالي ستجد أن مصدر أو سر هذه القوة هي القدرة على التعامل مع المشاعر الإنسانية ، أو مخاطبة الألباب والأفئدة بالطريقة التي تتفهمها النفس الإنسانية وتتقبلها .

    قطر ومنذ سنوات قليلات مضت ، بدأت تخطو خطوات واثقات في هذا المجال ، ولا نبالغ إن قلنا أنها بدأت تحصد ثمرات قوتها الناعمة .. نعم ، هي ليست دولة تعتد بحجمها الجغرافي أو السكاني ولا قوتها العسكرية أو الاقتصادية وتدرك ذلك تماماً ، بل تجدها تسير في مخاطبة النفوس والعقول بلغة لا يمكن لأي صاحب فطرة سليمة سوية أن تنكرها وترفضها .

   كثيرون يملكون المال ، ربما أكثر من قطر ، وعندهم من الثروات والخيرات الكثير الكثير ، تساندهم جغرافيا وتاريخ وقوة سكانية هائلة ، لكن مع ذلك لا تكاد تسمع عن قوة ناعمة يمتلكونها ، وبالتالي لا تجد ذاك التأثير الإيجابي على الغير والمحيط ..  لكن قطر بفضل من الله، اكتسبت ثقة ومصداقية عالية غالية في المجتمع الدولي ، جعلت الكثيرين يشيرون إليها وقت الأزمات، رغبة في تفكيكها وعلاجها بالتي هي أحسن.

    آخر الأمثلة وليست الأخيرة ، ذاك التقدير الطيب من أعظم رؤساء العالم ، الرئيس أوباما،  الذي أشاد على مرأى ومسمع من العالم بدور قطر في فك أسر مواطن عسكري أمريكي مقابل فك أسر آخرين من الأفغان.. أي كانت قطر سبباً بعد توفيق من الله،  في ادخال الفرح والسرور على نفوس هؤلاء وهؤلاء .. ولك أن تبحث عن أمثلة مشابهة لقوة قطر الناعمة المؤثرة ، وقدرتها على حلحلة كثير من الإشكاليات ومعقدات القضايا ..

   بالحوار والارتقاء فيه ، والمخاطبة المحترمة للفكر ، والاعتراف بالآخر وتقدير ذاته ، يمكنك أن تبني لنفسك قوة ناعمة ضاربة، تأثيرها أبلغ من أعتى الأسلحة والصواريخ الموجهة في فتح القلوب والأفئدة .. إن إنشاء معهد علمي يدرس فيه متعلمون، مبادئ وأساليب الحوار والتعامل الراقي بين البشر ، هو خير من ألف مصنع بارود أو قنابل وصواريخ ، قد تفيدك في إحراق الآخر واحتلال أرضه ، لكن يستحيل عليك احتلال أو امتلاك قلبه وفكره ، عكس العلم والثقافة وصناعة النور والخير وبث روح التسامح، وهي كلها مستلزمات بناء القوة الناعمة ، التي إن لم يستفد منها غيرك ويتأثر ، فلا شك أنها لن تضرهم، وفي هذا أيضاً الخير ، ولن تضرك أنت أبداً .. فهكذا ديننا يعلمنا ، وكذلكم يجب أن نسير ونكون بين العالمين ..