الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 11 أبريل، 2012

كذاب .. حتى إشعار آخر !!


   جاء ذات مرة رجل يزعم ويدّعي النبوة إلى الخليفة المأمون، الذي طالبه بمعجزة للدلالة على صدق نبوته، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فتذوب.. قالوا: رضينا، فأخرج الرجل من جيبه حصاة رماها في الماء فذابت.. فقالوا له: هذه حيلة، ولكن نعطيك حصاة من عندنا ترميها في الماء، ودعها تذوب! فقال الرجل للخليفة المأمون والحاضرين: لستم أجلّ من فرعون ولا أنا أكرم من موسى.. إن فرعون لم يقل لموسى: لم أرض بما تفعله بعصاك، حتى أعطيك عصا من عندي تجعلها ثعبانا!


ماذا تفيدنا القصة ؟
تفيدنا القصة بكل وضوح في التعرف على مسألة شبه غائبة أو مغيّبة في حياتنا اليومية ونحن نتعامل مع بعضنا البعض.. تلكم هي مسألة «الثقة» التي صارت مفقودة مهزوزة بيننا.. ستقول كيف؟ 


  لقد أصبح المرء منا على سبيل المثال لا الحصر، ينظر إلى الآخر وهو يحدثه أو يأتيه بخبر ما، على أنه كاذب غير دقيق في حديثه أو نقله للخبر، ما لم تكن هناك أدلة محسوسة دامغة تثبت صدقه وأمانته، وبالتالي انعكست تلك النظرة على كثير من تعاملاتنا وتصرفاتنا مع بعضنا البعض، بمعنى أن المرء منا صار الأصل أنه «كاذب» حتى يثبت صدقه وليس العكس!


  أنت تعتقد في الآخرين ذلك مثلما الآخرون يعتقدون الأمر نفسه معك. نعم هذا هو الحاصل الآن. وتبعاً لهذا الواقع، تكون علاقاتنا بسببها مقطوعة أو مهزوزة منذ البداية، وهذا بدوره يؤدي إلى أن يصرف المرء منا الأوقات الثمينة في جس النبض أولاً، ومن ثم التعرف على الآخرين، وهو في النهاية وقت ضائع كان من الممكن الاستفادة منه واستثماره بشكل أفضل لو أن تلك الاعتقادات عندنا لم تكن موجودة في عقولنا التي تربت على ثقافة معينة غريبة لا أصل لها في ديننا على وجه التحديد.


  ما الذي يجعلنا ننظر إلى الآخرين من بني جنسنا بتلك النظرة وذاك الاعتقاد، وننظر لغيرنا بصورة معكوسة؟ ولماذا لا ينظر الغربيون إلينا بالصورة التي نحن ننظر بها إلى بعضنا البعض؟ ما أقول هذا إلا عن واقع وتجربة مع غيرنا، فلقد رأينا بالفعل الثقة وهي تتجسد أمامنا في الغرب في تعاملاتنا معهم، وكنا ننظر إليهم كما هم ينظرون إلينا، الثقة والصدق هما الأساس في التعامل، فلم نكن لنضطر أبداً للجوء إلى الحلف وبأغلظ الأيمان لإثبات صدقنا في الكلام أو الفعل، كما هو حاصل الآن في كثير من مجتمعاتنا العربية، وأحسب أنها ثقافة مجتمع لا غيرها، بل هي السبب فيما نحن عليه الآن وفيما عليه الغرب على سبيل المثال.. ولمثل هذا ندعو أنفسنا إلى الاقتداء بالغرب، وإن كان هو خلقاً إسلامياً أصيلاً نسيناه كما نسينا غيره من أخلاقيات.

هناك تعليقان (2):

حنان لافي يقول...

أعجبني طرحك السلس .. اوصلت الفكرة بوضوح وسهولة بدون تعقيدات لغوية ..

موضوع الثقة موضوع دقيق وحساس .. أظن سبب عدم الثقةهو الخوف من إعطاءها لمن لا يستحقها فيخونها وهذا الخوف والسلبية هو بسببب ثقافة المجتمع كما ذكرت ..

شكرا لك

عبدالله العمادي يقول...

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر . حديث حسن ، رواه البيهقي وغيره.