الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أربعـون يوماً بلا وسائل تواصل !!


    
   تكملة لما بدأنا به الحديث في المقال السابق حول موضوع وسائل التواصل وتجربة الانقطاع عنها رغبة لا رهبة، أواصل الحديث اليوم حول التجربة التي استوحيتها من حملة تقوم عليها الجمعية الملكية البريطانية للصحة العامة، التي بدأت قبل أيام في بريطانيا تحت شعار " سبتمبر بلا تصفح "، التي تستهدف متصفحي عدد من التطبيقات التواصلية التي استحوذت على اهتمام العالم لا سيما الشباب، وهي " تويتر، فيسبوك، انستغرام ، سناب شات ومعهم واتز آب"، واعتبرت ذلك الانبهار والانشغال بها أقرب الى الإدمان الذي يجب معالجته الآن وقبل فوات الأوان..

ولأننا نعيش زمن الثورة المعلوماتية والاتصالاتية، ولأن القوة العسكرية لم تعد معياراً وحيداً دالاً على قوة أي دولة فقط، من بعد أن تم إضافة السيطرة على وسائل الاتصال ووفرة المعلومات كمعايير جديدة، صارت القوى الكبرى تبعاً لذلك تتسابق فيما بينها للهيمنة عليها وأن تكون ذات اليد العليا في ميادين الاتصال والمعلومات.. وصارت برامج التواصل ضمن أدوات ووسائل تلك القوى للهيمنة على العالم، وهذا يفسر لك سر مجانية تلك الخدمات، رغم أن المجانية في عالم رأسمالي متوحش، لا معنى ولا وجود لها. إذ أن الرأسمالية لا ترى الإنسان سوى عملة نقدية متحركة أو هدف تجاري متحرك. وتبعاً لذلك صرنا أشبه بفئران تجارب، نقوم طواعية وعن طيب خاطر، بتجربة ما تريد تلك القوى التي تقف وراء انتاج وإدارة تلك البرامج.   

·       من المستفيد من برامج التواصل؟  
 عودة لتجربة الابتعاد عن برامج التواصل الأساسية التي قاربت على الأربعين يوماً، وهي المدة التي يُقال إنها كافية لاكتساب عادة جديدة أو التخلص من عادة سيئة، وجدتُ أن لهذه البرامج التواصلية دون شك ايجابياتها الكثيرة، لكن في الوقت ذاته تحمل بالمثل الكثير من السلبيات أيضاً، وهي معروفة للجميع ويمكنك عبر محركات البحث في غوغل الحصول على سلبيات وايجابيات تلك البرامج، حيث لا أجد ضرورة لتكرارها هنا، بقدر ما أجد بعض الأهمية للحديث عن انطباعات وقراءات ومتابعات قمت بتدوينها خلال فترة المقاطعة الاختيارية.. منها أن التصدي لهذه الثورة الاتصالية والمعلوماتية الحاصلة الآن، هو أمر غير حكيم البتة، لأنها صارت حقيقة من حقائق العصر، وإن ما يحدث الآن هو أشبه بسيل جارف لا يمكن الوقوف أمامه، ولكن يمكن مسايرته ومحاولة استثمار قوة اندفاعه بصورة وأخرى من صور الاستثمار، بدلاً من الارتهان التام والاستسلام له وتركه يجرفنا إلى حيث يسير، وهو بالطبع لا يسير على هواه، وإنما ضمن برمجة معينة وخط سير محدد ستصب نتائجها في صالح أجهزة أمنية واستخباراتية للقوى الكبرى بالإضافة للشركات عابرة القارات، التي تبحث زيادة أرباحها كل دقيقة، هنا أو هناك ..

·        إدمان النت مرض نفسي 
 لقد بلغ الإدمان على تلك التطبيقات درجة، صارت بعض الدول مثل الصين وأستراليا وإيطاليا واليابان، تعترف وتقر بأن إدمان الانترنت لاسيما على تلك التطبيقات هو مرض نفسي، فيما تعترف كوريا الجنوبية بأن إدمان الانترنت قضية صحية عامة تحتاج إلى تلقي العلاج بالمستشفيات الحكومية، فيما لا تزال القضية مدار نقاش وبحث في الولايات المتحدة.
توصلت دراسة نشرت في دورية (الكمبيوتر والسلوك البشري) إلى أن الأشخاص الذين يقولون إنهم يستخدمون سبعة أو أكثر من منصات التواصل الاجتماعي، يكونون أكثر عرضة لمستويات مرتفعة من القلق بنسبة تزيد على ثلاثة أضعاف، مقارنة بالأشخاص الذين يستخدمون منصة أو اثنتين من منصات التواصل الاجتماعي، أو الذين لا يستخدمونها مطلقا.
   من طرائف هذا الموضوع، أنه في الوقت الذي يصرف الأمريكي مثلاً مبلغ 800 دولار لشراء هاتف، تجد الكثير من العائلات الأمريكية تصرف حوالي 90 ألف دولار لجعل أبنائهم بعيدين عن تلك الهواتف.. فقد افتتحت في وادي السليكون بالولايات المتحدة منذ سنوات خمس ماضية، الكثير من المصحات والعيادات التي تقدم علاجات لمرض (إدمان الانترنت) في ذات المكان الذي تجد فيه كبرى شركات التكنولوجيا في العالم مثل آبل وتويتر وفيسبوك وغوغل وغيرها !     

·       تقييم سريع للتطبيقات
بعد أربعين يوماً من تجربة الانقطاع عن وسائل التواصل، وجدت أن أكثر التطبيقات إزعاجاً ولا تجد خصوصية فيه، هو تطبيق "واتز آب" ، وخاصة لو كنت مشاركاً في أكثر من مجموعة.. أما التطبيق الأكثر جلباً للتوتر وسوء المزاج واكتساب سلوكيات غير طيبة مع الوقت، هو دون منازع تطبيق " تويتر" ، فيما تطبيق " سناب شات" صار رمزاً لتضييع الوقت ووسيلة للتكسب والشهرة السريعة قصيرة الصلاحية، كالفقاعات الصابونية التي لا تستمر طويلا.. ويبقى تطبيق انستغرام هو الأهدأ وإن بدأ يتحول مع الوقت إلى منصة تجارية للبيع والشراء، فضاعت مهارات وفنون التصوير ورصد اللحظات الجميلة بين حسابات ودعايات المطاعم والملبوسات ومكاتب الأفراح والأزياء وغيرها ! ويستمر بالطبع التطبيق العملاق " فيسبوك " في جمع المعلومات عنك وعن أصحابك ومهاراتك وهواياتك وميولك ومزاجك، والتي تقدمها للتطبيق مجاناً وطواعية !
·       كن أنت المسيطر لا العكس
   إذن كما رأينا التناقض في وادي السيليكون الأمريكي، ووجدنا من ينتج الوسائل الإلكترونية التي تجلب معها مشكلاتها والتسبب في الإدمان عليها، وفي الوقت ذاته وجدنا في المكان نفسه من يعالج آثار الإدمان على تلك الوسائل.. كل ذلك يشير بوضوح إلى أن المشكلة ليست كامنة في تلك الوسائل أو البرامج بقدر ما هي كامنة في المستخدم نفسه أو نفسها، وهذه هي النقطة الأساسية التي أردت الوصول إليها في خاتمة هذا الموضوع.  
   الإنسان هو من بيده أن يعيش في صحة وعافية، ومزاج راق وأعصاب هادئة، أو يهلك نفسه بنفسه ويتعرض لتوترات واكتئابات واحباطات وغيرها من مشاعر، تدمر وتستهلك طاقة الإنسان أكثر مما تبني وتعطي.. هذه الوسائل التقنية التي بين أيدينا، وإن كانت تعمل لحاجات في نفوس صانعيها ومديريها ومروجيها، فإنها يمكن أن تكون وسائل مفيدة إيجابية إن أحسن أحدنا التعامل معها والسيطرة عليها، لا أن تسيطر هي علينا، وهو الحاصل اليوم مع الغالبية العظمى من المستخدمين حول العالم، وهذا ما استدعى دولاً كثيرة للتحرك عبر مؤسساتها المتنوعة والتدخل والانتباه الآن وقبل فوات الأوان، باعتبار أن العالم حديث عهد بالإنترنت وبهذه الوسائل التواصلية، وأنه ليس من الحكمة ترك الأمور على عواهنها، بحيث يسيطر أصحاب تلك الوسائل على أفئدة وألباب المستخدمين كما الحاصل اليوم.  يجب الدعوة إلى ضرورة استخدامها بوعي وحكمة ومهارة أيضاً، فإن لم نتنبه للسلبيات والمؤثرات الضارة التي بدأت تخرج للعلن بسبب الإدمان على الانترنت وملحقاته، والإفراط في الاستخدام، فإن الأمر سيبدو غامضاً وربما مخيفاً بعد قليل من الدهر يمضي..
   لكن رغم كل هذا، لا يمكن القول بأن وسائل التواصل غير مفيدة، بل يمكن عبرها تحقيق الكثير من الإيجابيات، ولن يقع هذا إلا بشرط التقليل من السلبيات. وهذه هي المعادلة الرياضية المطلوبة. التوازن فالتوازن ثم التوازن في الاستخدام، فكل شيء زاد عن حده، انقلب ضده كما تقول العامة.
·       آخر سؤال..
قد يسأل سائل: ماذا استفدت من التجربة وماذا خسرت؟ لا أخفيكم سراً أني واجهت بعض الصعوبة في الأيام الأولى من الانقطاع عن هذه البرامج. لكن مع العزم والإرادة وشيء من الصبر، بدأت التحرر التدريجي من سيطرة تلك البرامج على وقتي وتفكيري، بل وجسمي كذلك. قد أكون خسرت " التواصل الشبحي " مع الأصدقاء والمعارف عبر الواتز آب وتويتر مثلاً، لكن بالمقابل بدأت أجني مكاسب السيطرة على الوقت، حيث قرأت قرابة ثلاثة كتب في فترة الانقطاع، واستمعت للكثير من الدروس القيمة عبر تطبيق " بودكاست " وجدول النوم صار أفضل من السابق، وآلام الرقبة والكتف اختفت، ومجال الحركة توسع وازددت نشاطاً، واكتشفت كذلك بأن التحدث إلى العائلة والأقارب والأصدقاء بكل جوارحك أمر ممتع جميل، بدلاً من الجلوس معهم جسمياً، فيما ذهنياً تكون منشغلاً بآخرين..
   لن أظل أسرد الإيجابيات. لكن أدعوك فعلاً إلى التجربة واكتشاف الأمر بنفسك.. ولك أن تتابع قبل التجربة، هاشتاق بريطاني نشط حول الموضوع نفسه (#ScrollFreeSeptember  ) لترى مدى التفاعل الحاصل من الانجليز مع حملة المقاطعة هذه، ولتبادر أنت أيضاً. فلن تخسر شيئاً بإذن الله.. جرب ولن تندم.

هناك تعليق واحد:

Asmaa Aldosary يقول...

هنيئا لك تلك التجربة المميزه
وهنيئا لي اكتشافي باني غير مدمنه على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال المعلومات القيمة التي ذكرتها فب مقالك .. فانا بفضل الله استخدم فقط الوتز اب حاليا .. وفقط للامور المهمه او للاستئناس في وقت الفراغ البسيط مع الأصدقاء علما اني أضع جوالي على السايلنت منذ سنتين تقريبا .. بهدف التخلص من سماع رنة اي إشعار من اي برنامج وحتى رنة المكالمة نفسها .. فالبتالي لن اسمح للجهاز والأشخاص باختراق حياتي الاجتماعية في الواقع باي وقت .. وانظر للجوال متى شئت وارد على الرسائل التي أراها مهمه ومعظم الرسائل لا اقرأها وأخبرت الجميع ان الشيء المهم استقبله على الاميل او الرسائل النصيه .. هذي تجربتي الشخصيه احببت ان اعرضها للفائدة لاني سعيده بها جدا