الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الاثنين، 10 أغسطس، 2015

الجاهلية ..

  ما إن تنطق بكلمة " الجاهلية " حتى تقفز إلى الأذهان صورة المجتمع القرشي أو العربي بشكل عام قبيل بعثة خير البشر محمد ، صلى الله عليه وسلم ، حيث الجهالة كانت ضاربة بعمق في الفكر والمعتقد والسلوك والأخلاق وغيرها من مظاهر الحياة .. وانتهت تلكم الجاهلية بفضل من الله بعد أن أنتشر الاسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا .. لكن هل الجاهلية فترة زمنية ظهرت وانتشرت ثم تبخرت وتلاشت ؟


   واقع الأمر أن الجاهلية هي أقرب ما تكون صفة لشخص أو مجتمع ، تُطلق حين يتصرف أو يقوم الشخص أو المجتمع بسلوكيات معينة أو تنتج مظاهر عنهما تناقض العلم الصحيح وتعاكس المنطق السليم . من هذا المفهوم للجاهلية يمكننا اعتبارها صفة أو سمة يمكن أن تظهر في أي زمان ومكان ، ووفق هذا المفهوم إذن ، ليس شرطاً أن تكون الجاهلية فقط هي تلك الفترة ما قبل ظهور الاسلام ..

   إن ما يحدث اليوم ونحن في قرن العلم ، وثورة الاتصالات والمعلومات ، لا يختلف كثيراً عما كان يحدث في زمن أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن معيط  وأمية بن خلف وغيرهم من رموز الجهل والضلال في تلك الفترة الغارقة في الجاهلية ..

  حين يقتل الإنسان أخاه الإنسان لأسباب " تافهة " أو يسرقه بصورة واخرى ، أو يغتصب أهله وبيته وماله تحت أي شعار ومسمى ، إنما ذلك جاهلية عميقة . 

    حين يعبد الأستاذ الجامعي أو العالم الذري أو الطبيب الجراح  ويتبرك بحيوان ويعتبره إلهاً ، أو يأتي من يعبد جناً أو ملائكة أو حجراً أو إنساناً بشكل ما ، أو الأسوأ من كل أولئك ، من ينكر وجود خالق وإله لهذا الكون .. إن كل هذا الخلل في المعتقد إنما هو عميق الجاهلية .

 حين يصاب الذوق السليم والمنطق السليم الفطري ، فتتغير المفاهيم وتضيع القيم الإنسانية ، قيمة بعد أخرى في ظل اجتياح المادة على الفكر والوجدان الإنساني ، فلا تجد تبعاً لذلك ، التراحم ولا التعاطف ولا الإحسان ولا الأخوة ولا غيرها من تلك القيم الفطرية ، فإنها مؤشرات دالة على مدى تغلغل الجاهلية في أعماق النفوس البشرية ، وإن كانت تحمل أعلى وأرقى الشهادات والمؤهلات العلمية ..


   إننا نعيش جاهلية حقيقية ربما أسوأ من تلك التي كانت في فترة أبي جهل وما قبله .. فإن الذي تغير واختلف الآن عن تلك الفترة ، بعض مظهريات وسلوكيات وتصرفات متطبعة بصور حديثة أو ما نسميها عصرية ، ولكنها جاهلية حقيقية ، تحتاج إلى ماسح عظيم ومغير لها كما فعل الإسلام تماماً ..

   البشرية تعيش جاهليتها مرة أخرى ، وإن غزت الفضاء وتعمقت في المحيطات وأركعت المخلوقات لمصالحها .. ولك أن تنظر حولك هنا وهناك وتقارنها بما كانت عليه البشرية قبل ألف أو ألفين عام .. لن تجد ذلك الفرق الكبير  سوى أن الأولى كانت بالأبيض والأسود ، واليوم بكافة الألوان ، إن صح وجاز لنا التعبير .    
 


ليست هناك تعليقات: