الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 13 مارس، 2014

الحكمة المطلوبة في أزمة الخليج

   
   منذ أن اتخذ الثلاثي الخليجي قرارهم  المتسرع ، وإن أعلنوا خلاف ذلك،  بسحب سفرائهم من قطر  لأسباب عدة كما في بيانهم المشهور ، إلا أنه لم تقدر أي جهة من الجهات الثلاث إلى اليوم ، اثبات ذلك بأدلة واضحة ثابتة ومنطقية ، سوى مقالات أو تقارير صحفية عن وسائل إعلامية تمتلك من مهارة الفبركة وصناعة الأخبار المدلّسة والكاذبة ، الشيء الكثير.. إذ ما زال بعض المسئولين بالدول الثلاث ومن يدور في فلكهم من إعلاميين ومثقفين ومنتفعين ومستشارين عرب وغير عرب ، مستمرين في تكرار نفس الأسطوانة التي قالت قطر عنها بكل وضوح ، كما تقول الآية القرآنية : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. 

    الإخوان ، الحوثيون ، التدخل في شؤونهم الداخلية ، التحريض ضدهم !! هي مكونات الأسطوانة التي أصابها الشرخ من كثرة التكرار والاستعمال .. أما الإخوان ، فإن كان ايواء بعض عناصرهم التي هاجرت بعد الانقلاب خشية الاعتقال والتعذيب أو القتل،  هو في عُرف الدول الثلاث دعماً للإخوان ، فكذلك ايواء شفيق ودحلان وزين العابدين وأمثالهم ، يُعد في عرف الشعوب المقهورة، وليس قطر فقط ، دعم صريح لمطلوبين هاربين من العدالة ..  
   
    أما قصة الحوثيين ، فليس أحداً يمكن أن يستفيد من دعمهم ، على افتراض أن قطر تدعمهم ، أكثر من الدول الثلاث ..  حيث أصبح واضحاً هدف الثلاثي وهو محاربة ما اصطلح على تسميته بالإسلام السياسي ، لاسيما السعودية والإمارات ، خاصة وإن تقوية الحوثيين باليمن تفيد في قطع الطريق على الثورة اليمنية أن تستعيد زخمها وتواصل سيرها ، وتقطع كذلك الطريق على حزب الإصلاح ، المحسوب على الإخوان ، أن يسيطر على البلد وهو من أقرب المؤهلين لذلك الأمر ، وإن تقوية الحوثيين ليكونوا رقماً صعباً باليمن يخدم الدول الثلاث في توجهاتها نحو محاربة الاسلام السياسي، ولو على حساب بعض مصالحهم،  فكيف يمكن تصديق الزعم القائل بأن قطر تدعم الحوثيين ، وهم أعداء الإخوان ، المدعومين من قطر ؟!
   
   التدخل في الشؤون الداخلية قصة أخرى . ولا أريد الإسهاب في هذا الزعم لأنه غير منطقي باعتبارات الجغرافيا وقبلها المنطق. إذ كيف يقبل المنطق والعقل أن تزعزع قطر أمن واستقرار جوارها ، وهي أول من ستتأثر بعمق شديد لأي عدم استقرار وفوضى بجوارها بسبب محدودية جغرافـيتها وديمغرافيتها ؟ ثم ، أليس الضغط على الآخر لاتخاذ قرار ما مكرهاً ومجبراً هو قمة التدخل في الشؤون الداخلية وانتهاك للسيادة ؟ أليس ما يحصل ضد قطر من الجوار الكبار هو تدخل صريح وسافر في شؤونها الداخلية ، المتمثلة في حرية التفكير لاتخاذ القرار المناسب والصالح لها ولشعبها ؟  لماذا لم تقل قطر أن ذلك تدخلاً في شؤونها وتعارضاً لمصالحها ؟ الجواب أتركه لكل صاحب منطق .  

   النقطة الأخيرة حول مزاعم التحريض ، وحين يأتي الحديث عن التحريض فإن المقصد ها هنا هو الجزيرة !! رغم أنها تقوم بعملها بدرجة كبيرة من المهنية والحيادية كذلك ، لاسيما في الأزمة المصرية التي يتهمون فيها الجزيرة بالتحريض ضد الدولة المصرية ، وهي التي فتحت المجال وإلى اليوم ، لمؤيدي الانقلاب  والمعارضة ، في الوقت الذي تقمع كل القنوات المصرية على سبيل المثال ، أي صوت للمعارضة حيث لا صوت يعلو على صوت العسكر ، وكذلك الأخريات المحسوبات والمدعومات من المملكة والإمارات ، وإنْ بدرجة أقل ..
 
   نكمل الحديث ونقول : لو افترضنا جدلاً أن الجزيرة محرّضة فعلاً ، كما الزعم الحاصل ، فماذا يمكن القول عن العربية وسكاي نيوز العربية والشرق الأوسط ومنابر إعلامية أخرى ما بين مرئية ومكتوبة ، تقوم بواجب التحريض فعلاً ضد قطر ، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر ، وكلها محسوبة على المملكة والإمارات ؟
   
    لكن مع كل ذلك التحريض ، فإن قطر غضت وما زالت تغض الطرف عنها ، باعتبار أن هناك انفتاح إعلامي واسع حاصل وواقع في العالم لا يمكن تجاهله ، وأن سياسة تكميم الأفواه ومراقبة كل من هب ودب ، إنما هي بمثابة حرث في بحر لجّي ، لا يُجدي نفعاً مهما طال الحرث وطال الزمن ، فكان من الحكمة أن تتجاهل قطر كل هذا الهجوم الاعلامي المتواصل من وسائل إعلامية تابعة للدول الثلاث، أو المحسوبة عليهم أو المنتفعة من دعمهم ، تاركة الأمر للمتابع أو المشاهد والقارئ ، حيث تراهن على وعيه وقدرته على تمييز الغث من السمين ، والزمن كفيل بالأمر .. هذا من جانب .
  
   من جانب آخر ، إن أردنا أن نتعمق بعض الشيء في مسألة التحريض ، فما زال الأمر مستمراً ضد قطر ، وربما الإمارات في هذا الجانب متفوقة على المملكة بسبب مسؤول أمني رسمي هو قائد شرطة دبي، الذي صار لا يجد لذته في التغريد والتصريح إلا ضد الإخوان وقطر ، وكأنّ العالم خلا من موضوعات .. إن اساءاته وتحريضاته ضد قطر كثيرة، لكن  في قطر ليس من حاجة الى أن يتم رصدها لمتابعته قضائياً على سبيل المثال ، وليس ما يدعو قطر الى أن تنشغل بمثل هذه الأمور وتُشغل الآخرين بها ، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم من التحريض والاتهامات الملفقة والتكذيب والإشاعات ، فهل تريدون يا سادة أن تسلم قطر أو رموزها ومسؤوليها من هذا الطبع الإنساني المتجذر في نفوس البعض عبر التاريخ ؟
  
    الحكمة مطلوبة في مثل هذه الأجواء ، ولعل البيان الأول الصادر عن مجلس وزراء قطر ، واضح وفيه من الحكمة والهدوء الشيء الكثير ، وهي من الأمور المطلوبة وقت الأزمات والأجواء المشحونة .. وقد كان البيان مثار استحسان كثيرين ممن يهمهم أمر وشأن المنطقة.. وأحسب أن قطر ما زالت تسير على هذا النهج،  باعتبار إيجابياته الكثيرة ، بل إنه النهج السليم لأن يكون أنموذجاً في كيفية تعامل الدول مع بعضها البعض، بعيداً عن لغة التهديد واستخدام قوة الساعد والسلاح ، التي وبكل تأكيد ما تزيد غير تخسير ..