ما أهلك فرعون سوى عقله
المتحجر المتصلب. وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة
بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر.. كما أنّ الذي أهلك الأقوام
القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من
القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن
كان باطلاً وفاسداً مفسدا، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لا
بد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة
البقاء.
هلكت الأقوام
البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. مبدأ يدور حول
التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في
آيات كثيرة، منها ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومنها (.. إنّا
وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون ) وآيات أخرى شبيهة.
لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ ومن هنا تأتي أهمية أن يكون العقلُ واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه.
خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل !
هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساءوا أساء، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم ( لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا ).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق