الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 28 مارس 2019

وإن عُـدتم عُـدنا


 
   إنها سنّة الله في خلقه، لا تتبدل ولا تتغير. قانون إلهي يسري على كل خلقه، لا ينظر إلى دينهم وخلقتهم أو طبائعهم وثقافاتهم أو عاداتهم وأعراقهم، بل إلى أعمالهم فقط. وإن عدتم عدنا. هكذا جاءت الآية في سورة الإسراء أو بني إسرائيل - عند بعض المفسرين - ومن بني إسرائيل ننطلق في حديث اليوم.
  في الآيات الأولى لسورة الإسراء، نجد السنن الإلهية واضحة، حيث يخبرنا سبحانه عن حال بني إسرائيل من خلال هذه الآيات. أولئك القوم الذين اصطفاهم الله واختارهم من بين شعوب الأرض في زمن ما - وما زالوا يرددون أنهم شعب الله المختار- حيث كانوا يحسنون. يتبعون أنبياءهم ويسيرون على صراط مستقيم، إلى أن بدأت مشاعر الانحراف عن ذاك الصراط تتفاعل في نفوسهم جيلاً بعد جيل، ليأتي جيل العذاب أو الذي يستحق أن تتعامل السنن الإلهية معه. 

وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب، لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً.. في هذه الآية القصيرة، قصة بني إسرائيل الطويلة، وكيف كانوا حين البقاء على الصراط المستقيم وكيف تتبدل أحوالهم وتتغير حين الانحراف عنه.. فهكذا كانوا عبر التاريخ. يؤمنون ثم ينتكسون، ثم يؤمنون تارة أخرى ثم لا يلبثون إلا وقد انتكسوا من جديد، في دورة حياتية مشهودة مستمرة إلى يوم الناس هذا.. 
    لقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين - كما جاء في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب - وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون. وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد، سلط عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميرا.. ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً ) فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض المقدسة، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها. فيبعث الله عليهم عباداً من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب (وكان وعداً مفعولاً) لا يخلف ولا يكذب.  حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل؛ فرجعوا إلى ربهم، وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم. وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم، فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكن للمستضعفين من المستكبرين ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ) ..
ثم تتكرر القصة من جديد! 

  في التاريخ تجد قصتهم مع الملك البابلي "بختنصر" وكيف سفك دماءهم وسبى نساءهم وذراريهم واستولى على أموالهم سنين عديدة، حتى عادوا بعد سنوات الذل والمهانة إلى الله، فكان الله معهم. ثم انتكسوا تارة أخرى، فأهلك جالوت حرثهم ونسلهم حيناً من الدهر، ثم ما لبثوا أن عادوا لرشدهم، فهزموا جالوت ومن معه، ليستمر السيناريو نفسه فيذلهم فرعون سنين طويلة، حتى أعلى الله شأنهم باتباعهم نبي الله موسى فهلك فرعون.

   لكن هل صلح حالهم بعد ذلك؟ لا، بل عادوا سريعاً سريعاً إلى الضلالة، حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة.. وهكذا هم حتى قرأنا قصصهم في العصر الحديث ومآسيهم في أوروبا وخاصة على يد النازية، ومع ذلك لم يعتبروا. ها هم اليوم يعيثون في الأرض الفساد. تجدهم في كل مكان، أو تجد عملاءهم وأشباههم. الظلم والإفساد الذي يقومون عليه منذ عقود ستة مضت على أرض فلسطين، تشهد أنه لا عبرة ولا عظة من تاريخ أسلافهم.. بل إن قانون ( وإن عدتم عدنا ) قريب منهم، وسيبعث الله عليهم من يعيدهم إلى مربع الذل والهوان من جديد. وإن غداً لناظره قريب.

   لكن التساؤل المهم في هذا الموضوع الذي ربما يطرح نفسه ها هنا، يقول: هل القانون الإلهي الذي تحدثنا عنه في بداية المقال خاص ببني إسرائيل أو اليهود فقط، أم أنه يشمل آخرين؟ لا أشك لحظة أن الأمر عام يخص كل البشر، وإن أتى الله ببني إسرائيل كمثال على الإفساد والعلو وما بينهما من أحداث.. فهكذا أسلوب القرآن في ضرب الأمثال والحديث عن أخبار الأولين. هو للعبرة والعظة والاستفادة من الماضي لكي ينضبط الحاضر من أجل مستقبل مرغوب محمود.  

   حتى لا نبتعد كثيراً، أمة المسلمين لا تختلف في هذا الأمر أيضاً. لا أريد أن أتحدث عن أمم أخرى ها هنا، فما يهمني الآن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – إذ يوم أن كنا على الصراط المستقيم، كان الله معنا. نشرنا نوره ودينه في أرجاء الأرض. وحين بدأ الفساد والظلم يدب في مفاصل الأمة، برز القانون الإلهي فأصابنا ما أصابنا من هوان وذل نعيشه اليوم، دون حاجة لكثير شروحات وتفصيلات.

   إن عدتم عدنا. معادلة رياضية صحيحة واضحة لا ريب فيها. يوم أن نكون مع الله، يكن الله معنا. ويوم أن نبتعد عن صراط الله المستقيم، ونسير لاهثين نحو صراط المغضوب عليهم أو صراط الضالين، فالمؤكد أننا سنعيش تيهاً لا يختلف عن تيه بني إسرائيل.. أربعين أو سبعين سنة أو ربما أكثر من ذلك.. ألا يشهد وضعنا الحالي البائس خلال الخمسين أو الستين سنة الفارطة، على أن بوصلتنا ضاع مؤشرها بين الشمال والجنوب، أو الشرق والغرب، لا يستقر على جهة ما؟  
   لكن الأمر رغم سوداويته وقتامته، أجد أن الأمل قائم ومأمول في حدوث إصلاح وتغيير قادمين يشملان الأمة كلها بإذن الله، وإن حالتنا الراهنة لا يجب أن تدفع بنا ليسيطر اليأس على النفوس ( فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ). أضف إلى ذلك أن هذا الظلام الذي نعيشه سينجلي، بل لابد أن ينجلي بإذنه تعالى ( يقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).


ليست هناك تعليقات: