الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 26 يوليو 2018

ما بين سلطان العلماء وعلماء السلاطين ..


  اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذلُ فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.. بهذه الكلمات أنهى العز بن عبد السلام، خطبته التي خصصها للاعتراض على تعليمات الملك الصالح إسماعيل يومها، الذي دخل في اتفاقيات صلح مع الصليبيين ومنحهم مناطق في دمشق، وسمح لهم بشراء الأسلحة والتزود بالطعام. فقام سلطان العلماء، العز بن عبد السلام في خطبة نارية، وحرّم الصلح مع الإفرنج وبيعهم السلاح، ثم لم يدع للملك نهاية خطبته كما كانت العادة، فاعتبره الملك عصياناً وتم اعتقاله.. 
   اشتهر العز بن عبدالسلام في التاريخ الإسلامي على أنه من أولئك الذين اقترنت أسماؤهم بمواقفهم لا مؤلفاتهم وتصنيفاتهم، على رغم جهده وغزارة علمه في جانب التأليف، لكن ذلك لم يكن ليشغله عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام عند الخطأ، والجهاد ضد أعداء الأمة يومها من الصليبيين ومن ثم المغول. سيرته ومواقفه تصلح اليوم لاستحضارها من عمق التاريخ وإبرازها للأمة، بعد أن ظهرت نماذج من علماء، تعارف الناس على تسميتهم بعلماء السلاطين، الذين اشتغلوا بالدين لدنياهم ودنيا غيرهم، وصاروا يضعون فتاواهم وعلمهم تحت طلب كل حاكم أو زعيم.. 
العز بن عبدالسلام ومواجهة الملك     
   من المواقف الشهيرة في تاريخنا، وفي إحدى أهم وأخطر الأوقات التي مرت على الأمة المسلمة، حين واجهت خطراً وتهديداً وجودياً تمثل في عبثية ووحشية المغول، بروز دور العالم الرباني الصادع بالحق، العز بن عبدالسلام، الذي لعب دوراً هاماً في تحفيز الشعب ومن قبله الملك قطز، للتصدي لخطر المغول، الذين اجتاحوا العالم الإسلامي وأنهوا الخلافة العباسية في بغداد حتى وصلوا أبواب القاهرة..
   
مما يحكى عنه، أن قطز وهو يستعد للمعركة الفاصلة مع المغول، أمر بجمع الأموال من الرعية ولم يعارضه أحد من العلماء في بلاطه يومها إلا العز بن عبدالسلام، الذي وقف في وجهه وطالبه ألا يأخذ شيئاً من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم، بالمقادير التي تتناسب مع ثرواتهم حتى يتساوى الجميع في الإنفاق على تجهيز الجيش، فإذا لم تكف الأموال، يمكن حينها للملك أن يفرض الضرائب على بقية الناس. فتراجع قطز عن قراره ونزل على حكم الشيخ.. وهكذا استمر الأمر حتى معركة عين جالوت الفاصلة ودحر المغول للأبد..

علماء السلاطين .. حواشي للحاكمين   
    اليوم تمر الأمة بظروف وأحوال لا تختلف كثيراً عن الفترة التي عاش فيها سلطان العلماء، العز بن عبدالسلام. الأمة مبعثرة بين الشرق والغرب، والتناحر بين الدول الإسلامية واقعة ومشاهدة، وجيوش علماء السلاطين تظهر هنا وهناك مثل فقاعات الصابون، تراهم يدورون في أفلاك الزعماء والحكام، يبيعون دينهم بدنياهم ودنيا غيرهم.. قدراتهم في ضبط ورسم الفتاوى المرغوبة من الزعيم، عجيبة ودقيقة. كل فتوى بثمنها. مالاً كان أم وجاهة أم منزلة أم غير ذلك من أثمان..
  استغرب الشيخ محمد الغزالي من نوعية علماء السلاطين المشتغلين بالعلم الديني الذين:" قاربوا مرحلة الشيخوخة وألفوا كتباً في الفروع، وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين.. ومع ذلك فإن أحداً منهم لم يخط حرفاً ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية.. إن وطأتهم شديدة على الأخطاء بين أمتهم، وبلادتهم أشد تجاه الأعداء الذين يبغون استباحة بيضتهم.. بأي فكر يحيا أولئك ". 
   ثم يصل للنقطة الجوهرية والعلة التي تعاني منها الأمة اليوم، علة ابتعاد علماء الدين عن قول الحق، ووصولهم إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير، هو ارتماؤهم في أحضان السياسيين، ملوكاً كانوا أو زعماء.. فيقول الشيخ الغزالي:" أوروبا سبقتنا إلى تقليم أظافر حكامها، فقتلت بعضهم في ثورات حانقة ووضعت دساتير دقيقة لضبط مسالك الباقين، حتى صار الحكم هناك خدمة عامة، يُختار لها الأكفأ ويُراقب من خلال أجهزة يقظة، ويُطرد ولا كرامة، إن بدا منه ما يريب.. أما الشرق الاسلامي فان الفساد السياسي بقي في أغلب ربوعه، وما يثير الدهشة أكثر وأكثر هو موقف المشتغلين بالعلوم الدينية وفقه الشريعة.. كأن هؤلاء كونوا بطريقة خاصة ليكونوا حواشي للحاكمين !  السقوط الخُلقي وخلل التفكير الفقهي عند الجم الغفير من المتكلمين في الفقه آفة بعض رجال الدين ."

 علماء السلاطين إذ هم ينكشفون

إن الاستبداد السياسي يتولد من الاستبداد الديني كما يقول الكواكبي، وإنه:" ما من مستبدّ سياسي إلى الآن، إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خَدَمة الدين، يعينونه على ظلم الناس باسم الله.. وإنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء.. فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم..".

لقد ساعدت التقنية في الاتصالات والمعلومات اليوم على كشف الكثير من علماء السلاطين، وساعدت على رصد كل ما كان منهم وما هو كائن الآن، وصار بالإمكان تسجيل وحصر ما كان عليه أحدهم قبل وبعد. أي يوم أن كان عالماً يعمل لدينه ويبتغي رضى خالقه، ويوم أن تحول ليشتغل بدينه لدنياه ويرضى مخلوقات الله على اختلاف مآربهم ومشاربهم..
لكن الخشية من هذا الكشف، مثلما أنه نافع وإيجابي للتفريق بين الحق والباطل، فقد يكون كذلك عامل تأثير سلبي على العامة، ومصدر يأس وانتكاسة عند الناس.. فقد كان كثير من أولئك العلماء في منزلة عالية راقية، ينظر الناس إليهم بثقة واطمئنان كنماذج يُقتدى بها، فإذا وبقدرة قادر يتحولون إلى وضع قابل للتندر أولاً، ومن ثم صاروا ثانياً، عامل تشكيك عند البعض في الدين نفسه !
هكذا بلغ الحال.
    لا شك أن كل أحد منا معرّض للفتن، وكل أحد قابل للسقوط أو الصمود، لكن وقوع العلماء وقت الفتن والمحن، لا ريب أنه أشد ضرراَ على الأمة.. هذه الأمة التي لم يهدأ لها حال منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا.. وما كان يجري قديماً على مدار تاريخنا مع العلماء الحقيقيين الصادقين من محن وابتلاءات، نراه يجري اليوم مثله وربما أسوأ مع علماء حقيقيين أيضاً، يقبعون وراء الزنازين في بقاع العالم الإسلامي المختلفة..  

 خلاصة الحديث
     إنه رغم كل ذلك، ومثلما انتشر وظهر علماء السلاطين أيضاً على مدار تاريخنا إلى اليوم، فإنه لا يمنع ظهور نماذج من العز بن عبدالسلام، والحسن البصري وابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وآخرين كثر، يصدعون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم.. ولقد ثبت بالتجربة أن صلاح هذه الأمة ونهضتها مقترنان بصلاح ونهضة علمائها.. أليسوا هم من قال فيهم الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:".. العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر"؟


   إذن ولأنهم ورثة أنبياء، صارت مهمتهم عظيمة ومسؤوليتهم كبيرة، وسقوط البعض القليل منهم ودخولهم أجواء السلاطين، لا يعني أنه عدوى تنتقل للغالبية، فإن أمة ظهر فيها مثل العز بن عبد السلام لتنجو بفضل الله ثم هذا الشيخ الكبير من خطر الزوال على يد المغول، قادرة على أن تنجب وتُخرج الآلاف مثله، يعيدون لها مجدها وعزتها. وإن سوء حال الأمة اليوم لا يمنع كذلك من التفاؤل بغد أفضل وأجمل، فإن الله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخميس، 19 يوليو 2018

كيف تفوز قطر بكأس العالم 2022 ؟


قد يبدو السؤال في العنوان أعلاه قمة في الغرابة.. أليس كذلك؟ والجواب بالطبع نعم. فهكذا هي النفسية العربية، منهزمة منذ زمن بعيد.. غرابة الأمر لا تتعلق بقطر فحسب، بل بكل البلاد العربية. إذ لو تغير العنوان ووضعت أي دولة عربية محل قطر، وقلت: كيف تفوز المغرب أو الجزائر أو تونس أو غيرهم من البلاد العربية، فالغرابة ستكون حاضرة من فورها، لماذا؟ لأنه لا دولة عربية يمكنها أن تفوز بكأس العالم، أو هكذا لسان حال الواقع العربي يردد. 
   لماذا لا يمكن لأي دولة عربية الفوز بهذه البطولة؟ ولماذا غير العرب قادرون على المنافسة والفوز، سواء من الجانب الأوروبي أو اللاتيني أو حتى الأفريقي في المستقبل القريب؟ ما الذي عندهم وليس عندنا؟ ما الذي يقومون به ولا نقوم به؟ ماذا يأكلون ولا نأكله وماذا يشربون ولا نشربه.. إلى آخر قائمة طويلة من الأسئلة التي تطرح نفسها عند كل إخفاقة عربية في محافل دولية رياضية أو حتى غير رياضية..
   لاحظ معي وبعد أن انتهت منافسات كأس العالم في روسيا قبل أيام، فاز من فاز وخسر من خسر، أن الجادين سيعملون من فورهم للدورة القادمة المقررة بعد سنوات أربع من الآن.. لا وقت للتراخي والتسويف. وهذا ما يدعوني للحديث عن قطر، وأقول: بأنه كما فازت قطر بورقة التنظيم عام 2010 بعد خطة متكاملة مبهرة قدمتها، وتصميم قوي على الفوز بالاستضافة، جعلتها تتفوق على دول أكثر عراقة وخبرة في مثل هذه الفعاليات، فإن الخطوة التالية والتي أفترضُ أنها قد تمت منذ سنوات ست مضت على أقل تقدير، هي إعداد ما يلزم لتحقيق أهداف عديدة من وراء هذه الفعالية العالمية، التي تطمح كل دولة منظمة تحقيقها، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياحي أو الثقافي الحضاري أو غيرها من مستويات ومجالات، وإن كان الأبرز والأوضح ها هنا هو المجال الرياضي والمتمثل في الفوز بالكأس. 

·       كيف تفوز قطر 
  لنعود إلى العنوان الذي يقول: كيف تفوز قطر.. ليفيد بأن الأمر يحتاج لكيفية معينة للوصول إلى النتيجة المرتقبة أو المنتظرة أو المأمولة وهي الفوز. وتلك الكيفية تعتمد بالضرورة على رؤية واضحة لهدف معين، ومعرفة تامة بكل الوسائل المطلوب استخدامها من أجل تحقيق ذلك الهدف، وغيرها من خطوات التخطيط الاستراتيجي التي يعرفها كثيرون منكم.. 
هذا يعني أن الفوز بكأس لعبة ما أو ميدالية ذهبية في رياضة ما، لا يختلف أبداً عن الفوز بمناقصة تجارية أو منافسة علمية أو معركة عسكرية أو غيرها من منافسات وصراعات الحياة المتنوعة.. كلها تحتاج الى التخطيط السليم مع الإخلاص والجدية في التنفيذ، بالإضافة إلى عنصر الزمن الذي يشمل تكرار المحاولة، مع تعديل الأخطاء عند كل محاولة غير ناجحة وموفقة، وهكذا إلى أن يتحقق الهدف المنشود. 
        ·       الاستفادة من تجارب الآخرين 
هناك نماذج عديدة في العالم تصلح لأن تكون مثالاً لحديثنا هذا، وأن تحقيق الإنجازات لا علاقة له دوماً بحجم البلاد أو كثرة السكان أو حتى القدرة الاقتصادية للبلد، فإن دولاً ذات جغرافيات محدودة وسكان قليل وموارد متوسطة، استطاعت أن تبهر العالم في مثل هذه المسابقة وغيرها من فعاليات رياضية..
   الأوروغواي مثلاً وقد أحرزت كأس العالم مرتين. دولة لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، ومساحتها مقارنة بالجوار الكبار مثل البرازيل والأرجنتين لا تُقارن، لكنها موجودة على خارطة كأس العالم منذ نشأتها ولمرات عديدة، وقد ساعدتها عوامل عدة، منها ذاك الهوس الوطني بكرة القدم، والاهتمام بالمواهب منذ الصغر. إذ هناك شبكة شديدة الدقة والاهتمام بكرة القدم للأطفال، تنظمهم وتبث فيهم الحماس من عمر الرابعة، حتى إذا ما تم اختيار الموهوبين منهم، يتم إرسالهم لاحقاً إلى أوروبا من أجل إكمال مشوار صناعة اللاعبين، كي يستفيد منها المنتخب القومي بعد ذلك في منافساته الدولية كهدف أسمى.. ولعل أبرز الأمثلة على هذا، اللاعبان الموهوبان "سواريز وكفاني " وغيرهما من لاعبي المنتخب الأورغواني المعروفين عالمياً.. 

   هذا بالإضافة إلى نقطة جوهرية في هذه الصناعة، وتتمثل في استقرار قيادة الفريق الوطني. فالمدرب الحالي " أوسكار تاباريز" مستمر في تولي مسؤولية تدريب المنتخب منذ 12 عاماً، وتعتبر الدورة التي انتهت قبل أيام، ثالث بطولة كأس عالم يخوضها كمدرب للفريق خلال فترة توليه المسؤولية، حتى أصبح يُطلق عليه هناك لقب المُعلم.. وأمثلة أخرى على غرار الأوروغواي كثيرة، لا يتسع المجال للحديث عنها جميعاً، مثل كرواتيا التي وصلت للنهائي هذا العام، وبلجيكا صاحبة المركز الثالث، وكذلك آيسلندا التي لا يصل عدد سكانها إلى 400 ألف نسمة ومن قبل ذلك السويد ودول لاتينية وأفريقية صغيرة جغرافياً، ومتواضعة اقتصادياً، لكنها لا تزال تبدع في رياضة كرة القدم ومنافسات كأس العالم.  


·       هل أعدت قطر خطة للفوز بالكأس؟

  إن لم يكن قد تم اختيار ثلاثين لاعباً على الأقل في سن العاشرة ومنذ عام 2011 مثلاً، بهدف تجهيزهم لبطولة 2022 وفق أسس علمية خاصة ببناء وصناعة الفرق الرياضية المتجانسة، فالاحتمال الأكبر هو أن تكون مشاركتنا شرفية ليست أكثر، حتى لو كانت هذه الدورة تقام على أرضنا ! أي لا نتائج جيدة مأمولة، وهذه في رأيي، ستكون ضمن قائمة خسائرنا في هذه الفعالية العالمية.. ولكن سنعتبر هذه فرضية أولى.
      
إذ ربما هناك فرضية أخرى معاكسة للأولى، تفيد بأن هناك بالفعل فريق يتم تحضيره وتجهيزه منذ سنوات ولكن بعيداً عن الأضواء. وهذا الذي أرجوه ويرجوه كل قطري أن يكون واقعاً وحاصلاً الآن، خاصة أن كل عوامل إعداد فريق كرة قدم ينافس الآخرين ويخطط لكسب كل جولة، لم يعد اليوم بالأمر الخارج عن الإرادة، ولا بالأمر المستحيل، فإن العقول التي عملت على بناء خطة متكاملة للفوز باستضافة هذا الحدث، لا أظن أن مثلها من العقول غير موجودة، من أجل أن تقوم منذ وقت مبكر على إعداد فريق متكامل قادر على أن ينافس ويفوز، وخصوصاً أن أكاديمية رياضية مثل " سباير" وبقية البنية التحتية لرياضة كرة القدم، تأخذ حيزاً مهماً وكبيراً من اهتمام الدولة منذ سنوات مضت، وبالتالي هناك توقعات وطموحات مشروعة بأن نتاج كل هذا الدعم والتخطيط سيكون إيجابياً، بل لم لا يكون كذلك؟

الصين وحتى تنافس وتحقق مكانة لها في هذه البطولة العالمية، قررت أن تخطط من الآن لتكون قوة كروية عام 2050 وفي سبيل ذلك تقوم بتجهيز خطة استراتيجية تشمل افتتاح عشرين ألف مركز تدريب، بالإضافة إلى انشاء أكبر معهد رياضي في العالم بتكلفة 185 مليون دولار، ونشر لعبة القدم في 50 ألف مدرسة بحلول عام 2025 وغيرها من خطوات لا أريد أن أخوض تفاصيلها أو تفاصيل رياضية أخرى، فهناك أهل الرياضة والاختصاص أدرى وأكفأ مني في هذا الأمر.. لكن فقط أتحدث ها هنا من جانب التخطيط وكيفية استثمار المواهب وصناعتها وصقلها وإعدادها لهكذا منافسات، والاستفادة من تجارب الآخرين حولنا في العالم، فليس هناك ما يمنع أن نكون مثل الأوروغواي مثلاً.. خطة واضحة وقيادة فنية مستقرة وذات كفاءة عالية، ومواهب فنية تعشق كرة القدم وتسري فيها روح الإقدام والانتصار، تلعب الكرة بشكل علمي مدروس، وعلى يقين تام بأن اللعب في بطولة عالمية وعلى أرضها، ليست فرصة من تلك التي يمكن التفريط بها، لأنها لا تتكرر إلا بعد عقود أو ربما لن تتكرر تارة أخرى.. 

   بهذه النفسية وهذا النوع من التفكير، بالإضافة إلى أنماط أخرى من التأهيل العلمي والرياضي والنفسي للفريق، يمكننا دخول البطولة لمنافسة حقيقية وتحقيق نتائج، وليس دخولاً لمشاركة شرفية ونكون نقاطاً يجمعها غيرنا. هذا الأمر، من المفترض ألا يقتصر علينا فحسب، بل على كل العرب. ذلك أن قيام البطولة على أرض عربية، هي فرصة لمحو الصورة السيئة التي ظهروا عليها في النسخة الروسية من كأس العالم، وعاملاً داعماً للفرق العربية المتأهلة لاستثمارها، وتحقيق ما لم يتم تحقيقه خلال قرن من الزمان، هو عمر هذه الفعالية..
 فماذا نحن فاعلون؟ 

الخميس، 12 يوليو 2018

من المنجم التشيلي إلى الكهف التايلندي.. قصتان


ثمـانيـــة أعوام هي فترة ما بين قصـتيــن إنسانيتين استحوذتا على اهتمام العـالم  والذي عاش أياماً عديدة يتابع تفاصيل وتطورات القصتين.. الأولى قصة احتجاز عمال منجم في تشيلي عام 2010 والثانية قصة الفتيان الذين حجزتهم مياه الأمطار في كهف بتايلند في 2018


   إذ بعد احتجاز دام سبعين يوما تحت عمق بلغ 600 متر تقريباً، استطاعت الحكومة التشيلية بتضافر جهود عدد من مؤسساتها في الوصول إلى عمال منجم "سان خوسيه" الثلاثة والثلاثين، في انجاز محسوب للبشر حين تتكاتف جهودهم، بغض النظر عن اختلافات الدين والعرق والسياسة وغيرها.. 

 لكندعونا نعيد شريط الأحداث بسرعة ونعود إلى أغسطس من صيف عام 2010 في صحراء تشيلي.. عمال يعملون تحت الأرض، ولظروف معينة تنقطع بهم السبل، فيجدون أنفسهم محتجزين على عمق أكثر من نصف كيلو متر، لا يجدون طريقة للخروج كالمعتاد.. فتتضافر الجهود فوراً على سطح الأرض للإنقاذ، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي كانت متوقعة.. مباحثات واجتماعات كثيرة تجري، مع الأخذ بعين الاعتبار نقطة جوهرية هي الحفاظ على سلامة المحتجزين، فإن أي إجراء للإنقاذ ما لم يكن مدروساً ومحسوباً بدقة يمكن أن يتسبب في حدوث انهيارات ويموت العمال ويدفنون تحت الأرض وتزهق حياة 33 إنساناً، ينتظرهم أضعاف ذاك العدد على السطح، من الأهل والأقارب والزوجات والأبناء والمعارف والأصدقاء، الذين توافدوا على الموقع بعد سماعهم بالخبر..

   بعد فترة من الزمان لم تدم طويلاً في التخطيط، اهتدى التفكير التشيلي الذي ربما تضافرت أفكار دولية أخرى معه، وتوصل إلى فكرة صناعة كبسولة تكفي لشخص واحد مربوطة برافعة يتم ارسالها الى موقع العمال، من بعد أن يتم حفر نفق عمودي إلى الموقع. بعد ذلك بدأ التخطيط لعملية الإنقاذ التي بدأت يوم 12 أكتوبر وبعد مرور 69 يوماً على وجود العمال في ذاك العمق، وفي ظروف مادية ونفسية سيئة.. وبالطبع أثناء التخطيط والتفكير لم يتم نسيان المحتجزين واحتياجاتهم من الطعام والشراب والهواء والدعم النفسي.. وهكذا إلى أن انتهت القصة بإخراج جميع العمال، الذي كان أكبرهم يبلغ من العمر 65 عاماً وأصغرهم في التاسعة عشر من العمر ولم يكن قد انتهى من الثانوية بعد.
  
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل انتهت القصة؟

 عملياً وعلى الأرض، نعم انتهت القصة يومها، ولكن لم ينته حينها عند البعض الآخر المتربص بهكذا فرصٍ حياتيةٍ لا تتكرر كثيراً، أمثال منتجي الأفلام وكتّاب القصص والروايات وبالطبع وسائل الإعلام المختلفة.. ولقد كان من أبرز ما تم القيام به بعد الحادثة، انتاج فلم سينمائي تحت اسم 33 عام 2015، يحكي لحظات إنسانية صعبة لا يعيشها كثيرون، وكيف أن الإنسان حباه الله بإرادة وقدرة على تخطي الصعاب، إن هو استخدمها بوعي وحكمة..


قصة أطفال الكهف..   
القصة الثانية تحدث في تايلند بعد ثمانية أعوام من الأولى، لفريق كرة قدم مكون من 12 صبياً مع مدربهم، حين قاموا بدخول كهف على سبيل الاستكشاف والرياضة. وحدث أن هطلت أمطار وبغزارة خارج الكهف وهم قد تعمقوا في السير داخله إلى مسافة أربعة كيلومترات، ولم ينتبهوا للأمر إلا بعد أن حاصرتهم المياه من كل جانب، وكانوا من حسن حظهم، قريبين من صخرة كبيرة استطاعوا الصعود والبقاء عليها وهم يرون منسوب المياه يرتفع تدريجياً، لا يدري أحدهم ما العمل وما يجب القيام به..

   استمروا على حالهم ذاك أكثر من عشرة أيام حتى تم الوصول إليهم، من بعد أن ذاع خبرهم ووصل للعالم كله، والذي تدافع عند هكذا حوادث لتقديم العون والمساعدة.. وبدأت عملية الإنقاذ في واحدة من أعقد العمليات بحسب الخبراء في هذا الجانب. وتم التفكير في عدة سيناريوهات وحلول لم تكن تنفع إلا واحدة، وهي الأخطر لكنها الوحيدة، وهي تدريب الصبيان على الغوص، على رغم أن أحد الغواصين الخبراء في تلك الفترة قضى نحبه في الكهف، الأمر الذي أثار الكثير من القلق والتوتر. لكن لم يكن باليد حيلة، فهذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ المحتجزين بالكهف، وهذا ما كان فعلاً. حيث خرج كل صبي مع اثنين من الغواصين المهرة في رحلة غوص طويلة وخطرة أيضاً، ونجحت العملية وانتهت في غضون أيام، وخرج الجميع بنجاح يوم أمس الثلاثاء.    
  
ماذا نستفيد من القصتين ؟
  
   إنه لا غنى لأي إنسان يتفاعل مع المواقف الحياتية المتنوعة، أن يتوقف لحظات أمام تلك المواقف والأحداث والقصص، يتذاكرها ويدرسها مع نفسه أو يتفاكر فيها وحولها مع غيره.. 
إن ما أثار الانتباه في قصة العمال التشيليين، الذين شاءت الأقدار أن يعيشوا حياة لا يمكن أن يتخيلها أحد من البشر أن يعيشها وللفترة التي قضوها وهي قرابة سبعين يوماً، لا هواء نقيا ً ولا شمساً ولا قمرا، ولا أهلاً أو أحبابا، بل لا ماء نظيفاً أو طعاماً مشبعا.. وبالمثل في قصة أطفال الكهف، حيث الظلمة والخوف والرطوبة والوساوس المتنوعة، وهي كلها مؤثرة على النفس الإنسانية وقد اجتمعت كلها دفعة واحدة.. لا شك أن الوضع لم يكن سهلاً أبداً على عمال المنجم، فكيف بفتية الكهف، الذين جل خبراتهم الحياتية لم تكن سوى خبرات ما بين البيت والمدرسة والألعاب الإلكترونية..


   لقد أكدت أحداث القصتين على أهمية وقيمة الإنسان، وخاصة في أوقات المحن والشدائد التي تكشف معادن الناس، وتتفجر فيها المشاعر الدافعة للعمل والابتكار، بل ربما يصل الأمر إلى الإبداع..  وتفيد الأحداث كذلك، أهمية تسخير العلم والتقنية في خدمة الإنسان، لتؤكد عمليات الإنقاذ في القصتين، المقولة الشهيرة أن الحاجة أم الاختراع.. فلولا قصة احتجاز العمال تحت ذاك العمق البعيد، ما ظهرت آلة الرفع وجاءت فكرة وكيفية الحفر وصناعة كبسولة الإنقاذ، على الرغم من أن شركات المناجم تعمل من عقود كثيرة في ظروف شبيهة، ولكن لم يهتد التفكير الإنساني إلى تلك المخترعات إلا نتيجة حاجة ماسة ضرورية في وقتها، وهي مخترعات ستكون دون شك، وسائل نافعة لمئات الألوف من العمال، لا يزالون يعملون في الظروف والمجال نفسه حول العالم.


  التفاعل الإنساني بدا واضحاً، والعالم يشاهد عمليات الإنقاذ ويتابعها في القصتين، ويتفاعل مع عمال المنجم أو أطفال الكهف، ومشاعرهم الجياشة الفرحة بقرب العودة للحياة والالتقاء بالأحبة، ليؤكد المشهد أن الأصل في العلاقات بين البشر هو الحب والاحترام والتفاعل مع بعضهم البعض بصور شتى، في الأفراح والأحزان وفي اليسر والعسر.. وأن الحاصل الآن من نزاع وشقاق وحروب هنا وهناك، إنما هو الاستثناء وليس الأصل.
   
  أخيرا تؤكد عمليات الإنقاذ في القصتين، على قدرة الإنسان حماية نفسه وبيئته ومن فيها ويرتبط بها - إن أراد ذلك - وقدرته على قلب الأمور السيئة وإحداث العكس، في تأكيد واضح لحقيقة أن الإنسان يولد وهو مجبول ومفطور على حب الخير والسعي إليه ونشره، وأن ما يحدث أو قد حدث وربما يحدث مستقبلاً من خلافات ومشكلات وتقاتل وصراع، خلاف فطرة البشر، وهو الاستثناء وليس الأصل. 

تلك كانت بعض المعاني التي يمكن التوصل إليها بقليل من التفكر والتدبر في عملية إنقاذ العمال والأطفال، ومن المؤكد أنها تحمل معاني أكثر وأكثر لمن أراد أن يتذكر أو يتفكر.
       

الخميس، 5 يوليو 2018

متى تتغير صورتنا السلبية في العالم ؟


    الصورة الذهنية للعربي عند كثيرين في الشرق والغرب، تدور حول شخصين متناقضين لا ثالث بينهما. الأول هو ذاك الشخص المترف النرجسي، الذي تُحركه نزوات وشهوات، عقيم الفكر لا جدوى منه في عجلة التنمية العالمية.. يملك ثروة طائلة لا يدري كيف يستثمرها ومستمر في تبديدها هنا وهناك، يعيش حياة كلها رفاهية ويديرها بكل سذاجة. صيد سهل لمن يريد أن يسرقه أو يستهبله. أما الثاني فهو لاجئ وطريد ومهاجر يبحث عن موطئ قدم، حتى إذا ما دخل بلد المهجر، صار عالة على ذاك البلد .. 
فهل الإنسان العربي بهذه الصورة فعلاً ؟
   إن قلنا بالنفي، فسيأتي سؤال ويطرح نفسه في هذا المقام ويقول: فكيف نشأت إذن تلك الصورة الذهنية السيئة عند كثيرين؟   
    وسائل الإعلام الغربية، لاسيما تلك التي يسيطر عليها صهاينة أو يمينيين متطرفين كارهين لكل ما هو غير غربي أبيض، لعبت دوراً مهماً في صناعة صورة ذهنية للإنسان العربي، وبالغت فيه كثيراً حتى انتقلت العدوى بقدرة قادر أو حيلة ماكر، الى الإعلام العربي نفسه الذي يُدار كثير من وسائله بأسماء عربية وإن بعقول ومناهج متغربة أو متصهينة، فأمسى هذا الإعلام معيناً على نشر تلك الصور المسيئة للعرب، وعاملاً مساعداً على ترسيخ تلك الصورة عند غير العرب..
   حين نتحدث عن صورة الإنسان العربي، فهي نفسها لا تختلف عن تلك الصورة الذهنية المرتبطة بالمسلمين في أنحاء العالم. فقد عملت وسائل إعلام كثيرة في الفترات الأخيرة، عربية وغربية، على تشويه صورة الإنسان العربي لاسيما المسلم، لأهداف سياسية معروفة، وربما ساعدها على ذلك بعض سلوكيات غير حضارية وغير مسؤولة تصدر من بعض العرب أو المسلمين، أعطت المجال واسعاً ورحباً لتلك الوسائل الإعلامية لإنتاج صور ذهنية بائسة عن العربي أو المسلم، تعزز أهدافهم وما يرومون إليه، وهو ما نراه ونستشعره في عالم اليوم.

الصورة الذهنية عادة تنشأ، كما يقول المشتغلون بعلم النفس، بعد تجارب واقعية من مشاهدات وتعاملات أو بناء على معلومات مقروءة أو مسموعة أو مرئية مكثفة، أو عبر اشاعات أو غيرها من مصادر المعلومات، فتكون النتيجة بعد كل ذاك الكم من المعلومات، نشوء صورة ذهنية معينة عن شخص أو مؤسسة أو شركة أو منتَج أو ما شابه ذلك، بغض النظر عن إيجابية أو سلبية الصورة الذهنية التي تكونت.
إشكالية الصورة الذهنية كامنة في صعوبة تغييرها أو محوها وإزالتها من الذهن ما إن تثبت وتترسخ. ومن هنا تحرص كثير من الجهات، سواء مؤسسات أو شركات أو حتى أفراد، أن تكون الصور الذهنية التي تبدأ تنشأ في الأذهان عنهم، إيجابية راقية منذ البداية، لأن تعزيزها وترسيخها أسهل من حدوث العكس وهو نشوء صورة سلبية، فإن إزالتها وتغييرها أو تعديلها، تكون غاية في الصعوبة والأمثلة حولنا أكثر من أن نحصيها..
كيف إذن نغير صورتنا السلبية ؟
   الإنسان العربي أو المسلم بادئ ذي بدء، ليس من الملائكة أو من الأنبياء كي لا يخطئ أو لا تغلبه أمراض النفوس المتعددة، شأنه شأن أي أحد يعيش على هذه الأرض. ومثلما أن هناك العربي المترف المسرف غير العابئ بما حوله، فكذلك هناك الحكيم الواعي، المدرك لما يجري حوله ويتفاعل مع الآخرين في العالم حوله بكل إنسانية وإيجابية. لكن حين يتم تسليط الأضواء على السلبيات عبر وسائل الإعلام المختلفة، العربية منها والأجنبية، ويتم نشر تلك السلبيات بتفاصيلها في المجالس والمنتديات ووسائل التواصل المختلفة وغيرها، فلا شك أنها ستغلب على الجوانب الإيجابية وتعطي انطباعات سلبية لدى المتلقي. 
   حين تقوم وسائل الإعلام الأجنبية عن عمد وتجاهل في كثير من الأحيان، وتلقى التأييد أو الصدى من بعض وسائل الإعلام العربية المتفرنجة أو المتصهينة، بتغييب النماذج الواعية الحكيمة والراقية في فكرها ورؤيتها للأمور في المجتمع العربي من مشرقه إلى مغربه، وتسلط الأَضواء على آخرين أقل حكمة وعلماً وثقافة وإدراكاً، وتبرز الجوانب السلبية من حياة الإنسان العربي أو المجتمع العربي بشكل عام، فالمؤكد أنها تقوم بترسيخ صورة ذهنية غاية في السوء والتشويه للعرب، تحتاج إلى سنين عديدة وجهود إعلامية مستمرة وكبيرة ومتنوعة لتغيير تلك الصورة..
   فما الحل ؟
   الحل يكمن عندنا في الداخل العربي، قبل أن نذهب بعيداً الى الخارج. نحن من يجب عليه رسم الصورة الذهنية الإيجابية أولاً عن أنفسنا، كي يرسمه غيرنا أيضاً.  نحن من عليه أن يحترم نفسه أولاً كي يحترمه الآخرون كنتيجة طبيعية وبالضرورة. فهكذا هي قوانين التعاملات بين البشر.
   هناك نوابغ من العرب والمسلمين في مجالات عديدة. هناك مفكرون واستراتيجيون وهناك مثقفون وأدباء وكتّاب، مثلما هناك أطباء وعلماء ومخترعون في تخصصات علمية مختلفة.. لماذا لا يظهرون في وسائل الإعلام العربية قبل الأجنبية؟  لماذا لا تعطى لهم نفس المساحات المتاحة لغيرهم من صعاليك الفن والأدب ومن على شاكلتهم في مجالات أخرى؟ فلا يجب إذن أن نلوم، والحال هكذا، الغريب الأجنبي إن هو بدأ في رسم صور سلبية عنا..
   من هنا أقول: إن الحل يبدأ من إعلامنا العربي عبر تهذيبه وتنظيفه من شوائب الفرنجة والصهينة المتغلغلة في شبكاته وإداراته، والكف عن تشويه صورتنا بقصد أو غير قصد، قبل أن نطالب إعلام غيرنا بذلك، وهذه أولى وأصعب خطوات تغيير صورتنا السلبية في أذهان العالمين، تتبعها خطوات أخرى أسهل وأيسر بكثير، وهذا لب موضوع اليوم.   

         

الخميس، 28 يونيو 2018

لو كنتُ وزيراً للتعـليم..

  
    
  بعيداً عن اللغة الأكاديمية، ومحاولة لجمع أفكار وخواطر مبعثرة حول التعليم، رأيت أن أضع ما استطعت من تلك الأفكار والرؤى والخواطر في مساحة محدودة كهذه الصفحة، بلغة سهلة لكل الأعمار والأفهام.. وما العنوان الذي اخترته إلا لبيان عظم وأهمية منصب الوزير، الذي لابد أن يأتي ومعه رؤية وبرنامج عمل واضحين، وله واسع الصلاحيات في تنفيذ برنامجه في فترة زمنية متفق عليها، تكون فيها محطات للتقويم والتقييم المرحلي، انتهاء بالمحاسبة النهائية وتقييم عمله بعد انتهاء الفترة المحددة. هذا الأمر لا أقصد به وزيراً معيناً، لكنه ينطبق بشكل عام على كل وزير.


  عودة إلى موضوع التعليم. فقد قالوا عنه منذ قديم الزمن، بأنه هو ما يتبقى للشخص بعدما ينسى ما تعلمه في المدرسة.. أي أن التعليم نوعٌ وليس كما. فالعقول ليست خزانات لحشو المعلومات فيها ومن ثم استظهارها وقت الامتحانات وتقييم الطالب وفق ذلك. وهي خلاصة ما يحدث في التعليم من الابتدائية حتى آخر سنة دراسية بالجامعة ! أليس هذا هو الواقع؟ أليس نظامنا التعليمي يخرج موظفين وليس متعلمين؟ 
   هذا هو ما يدفعنا دوماً إلى مناقشة أهمية تطوير وإصلاح التعليم، وهو ما يدعوني أيضاً للدخول مباشرة فيما أريد أن أطرحه كبرنامج عام مبدئي، قابل للنقاش المجتمعي حول التعليم وكيفي يجب أن يكون في مجتمع عربي مسلم مثل المجتمع القطري. ولن أدخل في التنظير الأكاديمي، لكن هي محاور عشرة أطرحها سهلة ميسرة، أرى أن التعليم عندنا لابد أن تدور مفرداته ومؤسساته وهياكله حولها بصورة وأخرى.

 المحور الأول : القرآن الكريم 
نحن أمة قرآنية وهذه حقيقة لابد من الإيمان الجازم بها. كلما ارتبطنا بالقرآن وخاصة في التعليم، كلما تعزز عندنا شعور الانتماء إلى دين وأمة، وطردنا مشاعر الغربة والضياع أو اللاهوية واللا انتماء. شعور الانتماء يبدأ تعزيزه منذ بداية دخول الطفل أجواء التعليم والتعلم. سيكون القرآن هو الأساس، حفظاً وتجويداً وفهماً. يحفظ طالب الأول الابتدائي جزءاً من القرآن خلال عامه الدراسي، وهكذا إلى أن ينتهي من الثالث الثانوي، يكون حينها قد تمكن من ثلاثة أرباع القرآن، حفظاً وتلاوة وفهما.
  
المحور الثاني : السنًة النبوية الشريفة
إن تحدثنا عن القرآن فلابد أن يتبعه مباشرة، الحديث الشريف أو السنّة النبوية، باعتبارها الدليل التفسيري للقرآن. يكون طريقة تناوله كما القرآن منذ الأول الابتدائي، حفظاً لعدد محدد ومنتقاة من الأحاديث الصحيحة وبحسب وعي وإدراك سن الطالب، بحيث لا ينتهي من الثانوية إلا وفي جعبته ما بين مئتين إلى ثلاثمئة حديث صحيح، يكون قد حفظها وفهم مقاصدها ومعانيها، بحيث تكون تلك الأحاديث دليلاً ارشادياً له، يعيش على ضوئها بقية حياته العلمية والعملية.
  
المحور الثالث : الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام 
لأننا أمة ربانا القرآن على أهمية القدوات الحسنة، وإن خير القدوات هو النبي محمد – صلى الله عليه وسلم، فالواجب إذن أن يكون لهذا النبي الكريم مساحة هائلة في حياتنا ومنذ نعومة أظفارنا. لابد أن يكون للرسول الكريم حضوره الشريف في منهج التعليم منذ الأول الابتدائي حتى نهاية الثانوي. كل عام يتم تناول سيرته بصورة تناسب وعي وإدراك وفهم الطالب، بحسب سنه والمرحلة التي يدرس بها. بحيث ينتهي من التعليم العام وليس أحب إلى نفسه أحد أكثر من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس أحد أجدر بالاتباع غيره صلى الله عليه وسلم، وعن يقين راسخ وقناعة تامة لا تتزعزع، مع فهم تام لشخصيته الكريمة عليه أفضل الصلاة والسلام.

المحور الرابع : اللغة العربية 
هذه حقيقة أخرى لابد من ترسيخها في النفوس. اللغة العربية هي لغة العلم التي يجب أن نتعلم بها. بهذه اللغة يشعر الطالب حلاوة ولذة التعلم، حتى وإن كانت المصطلحات لاتينية أجنبية، فهكذا الحاصل في اليابان والصين وألمانيا وتركيا وغيرهم كثير. ومن هنا أجد الاهتمام باللغة، قراءة وكتابة وتحدثا، واجباً حضارياً يستدعي تقديم اللغة بصورة محببة تزيل الصورة الذهنية السيئة عنها، وأنها صعبة لا تتوافق مع العصر. لغتنا حية راقية تستحق مساحات زمنية واسعة من اليوم المدرسي. نريد طالباً قارئاً متحدثاً وكاتبا. هذا أمر غير معجز لكنه يحتاج لقناعات من القائمين على أمر التعليم قبل المتعلمين.  

 المحور الخامس : البحث عن المعلومة 
ولأننا نعيش عصر المعلومات والتقنيات، صار لزاماً تغيير كيفية التعامل مع المعلومة. لا نريد حشواً وتلقيناً لمعلومات صار الوصول إليها أسهل من تدريسها وشرحها وحفظها. مواد التاريخ والجغرافيا مثلاً لم تعد هناك حاجة لإجبار الطلاب على حفظها وتذكرها لأجل الاختبارات ومن ثم تتبخر مع الأيام. يكفينا اليوم تعليم الطالب كيفية البحث عن المعلومة وتوفير الأدوات اللازمة لذلك، فإذا تمكن منها يكون قد قطع شوطاً بعيداً في فهم واستيعاب المادة، دون إجباره على حفظ معلومات وأرقام وأحداث، ما ظهرت التقنية إلا للقيام بدور الأرشفة والحفظ والاستدعاء عند الطلب، بالإضافة إلى أدوار أخرى لها.. والشرح يطول في هذا الأمر، لكن خلاصته في ضرورة استثمار التقنية بالتعليم وفي أفضل صورة ممكنة.

 المحور السادس : اكتشاف ورعاية المواهب والمهارات
  يمكن اكتشاف المواهب والمهارات مبكراً، لكن من الخطأ تركها لتذبل وتضعف. أليس هذا هو الحاصل الآن؟  المهارات العلمية والأدبية والرياضية والفنية موجودة بين الطلاب وتحتاج إلى من يكتشفها.. وكلما تم التدريب على كيفية اكتشافها ومن ثم رعايتها والتخطيط لها، كلما أمكن انتاج الكثير من الخامات التي تكون قد صُقلت وأخذت حظها من الرعاية والاهتمام طوال سنوات الدراسة، بحيث لا يتبقى لها سوى القليل من التهذيب والتقويم والتعميق في المرحلة الجامعية، قبل الدفع بها في سوق العمل أو الحياة بشكل عام. حيث نكون قد دفعنا حينها الى المجتمع، المهندس والمعلم والطبيب والمحاسب والقانوني والرسام والرياضي والباحث والسياسي وغيرهم كثير كثير ممن سيفخر المجتمع بهم.

المحور السابع : المواطنة
 المواطنة هي مجموعة قيم وحقوق وواجبات لابد أن تترسخ في الأعماق منذ بدايات سن الإدراك والفهم. لابد أن يكون هناك منهج واضح ومتدرج يتعلم الطالب طوال سنوات التعليم العام تلك القيم، يعرف ما له وما عليه. يفهم القوانين المختلفة المعمول بها في الدولة، ويتعلم كيفية أداء واجباته تجاه دولته ومجتمعه وكيفية اكتساب حقوقه بالوسائل والطرق المشروعة، بالإضافة إلى تعلم مهارات ومبادئ العلاقات الإنسانية وغيرها من موضوعات تندرج تحت العنوان العريض وهو المواطنة.

المحور الثامن : النوع وليس الكم
كلما كان التعليم كمياً كلما زادت نسب الهدر عبر النسيان وغيره. وكلما كان نوعياً كلما ثبتت المعلومات والمهارات وترسخت في الأذهان والقلوب. هذا الأمر ينطبق تماماً على كافة العلوم الأدبية والإنسانية والعلمية وغيرها.. التعليم كلما اهتم بالكم على حساب النوع، كلما ضعف وصار يقترب من المظهريات ويتحول إلى وسيلة لكسب وريقات يستطيع بهن الطالب الحصول على عمل، وهذا أدى بالضرورة لأن يتحول التعليم إلى تجارة بل تجارة رابحة!
  
المحور التاسع : لا للامتحانات  
 وهل يتعلم الطالب عاماً دراسياً كاملاً من أجل ورقة تعطى له نهاية العام تفيد نجاحه أو رسوبه؟ نعم، هذا هو الحاصل. لكن هل هو الصواب؟ بالتأكيد ليس بالضرورة. إننا منذ ترسيخنا لمفهوم التعليم من أجل الشهادة، صار الطالب يدرس ويتعلم للامتحان والنجاح فيه بطريقة وأخرى. ولا يبدأ عامه الدراسي التالي بعد إجازة صيفية طويلة، إلا وقد تبخر معظم ما تعلمه ! فهل هذا هو التعليم؟ ألم نقل بأن التعليم هو ما يتبقى للشخص بعدما ينسى ما تعلمه في المدرسة؟ إن ما يتبقى للطالب هو ما كان يتعلمه باستمتاع لا ما كان عليه التعلم لأجل الامتحان نهاية الأمر.
حاول أن تتأمل هذا الأمر.

المحور العاشر : الوقت هو الحياة
 وهل يختلف أحد على أن الوقت هو الحياة. هذا الوقت لابد من مراعاته ونحن نتحدث عن التعليم. الوقت الآن طال عن الحد المعقول، لماذا؟ لأن التعليم خرج من النوع إلى الكم. وهي نتيجة طبيعية حين يدخل التعليم مجال الكم بعيداً عن الكيف والنوع والجودة. ساعات اليوم الدراسي طويلة تستدعي إعادة النظر فيها، تراعى فيها طبيعية المواد ما بين الإنسانية والعلمية وغيرها. 
   الإنسان منا تكون قدرات الاستيعاب عنده محدودة، وعلمياً ثبت أن هناك ساعات معينة من اليوم تكون قدرات الاستيعاب والإنتاج عالية وتنخفض تدريجياً، وأحسب ُ أن الطلاب والعاملين بالسلك التعليمي يدركون ماذا تعني الحصص الثلاث الأخيرة. بالإضافة الى أن مدة الحصة الواحدة لابد من إعادة النظر فيها أيضاً، وفوق كل هذا وذاك، روتين اليوم الدراسي طوال العام لا يتغير.. وهو ما يستدعي ضرورة التنويع والتغيير بحيث يكون لكل يوم أسلوبه وشخصيته، وبحيث يتم مراعاة أن يوم الطالب ليس مدرسة وواجبات مدرسية فحسب، بل هناك حياة اجتماعية يحتاجها كما العائلة كلها تحتاجها..
   الحديث في المحور العاشر يحتاج لتفصيلات كثيرة، شأنه شأن بقية المحاور التسعة التي ذكرناها بشكل عام دون الدخول في تفصيلات فنية وتربوية لا تتحملها مساحات محدودة كهذه الصفحة.. وتلكم كانت عشرة كاملة من المحاور، أردنا تقديمها لتكون أشبه بخارطة طريق، أو خطة عمل تهدف لإنتاج جيل كامل يخرج أفراده حفاظاً لكتاب الله وسنة رسوله، متقنين لغتهم قراءة وكتابة وتحدثا، معتزين بقدوتهم في الدنيا وقائدهم في الآخرة، مدركين حقوقهم وواجباتهم في مجتمعهم، وعلى يقين أن العلم والتعلم لا نهاية لهما وأن التعلم ليس لأجل الوظيفة، بل هو فريضة دينية قبل أن تكون فريضة دنيوية..
والله بكل جميل كفيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.