الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 11 يوليو 2019

الدول وهي تمرض ..



ليس الإنسان والحيوان والنبات ضحايا للأمراض فحسب، بل كذلك الدول. وما يجري من سنن كونية على البشر وبقية المخلوقات الحية، فالسنن ذاتها تنطبق أيضاً على الدول، لا فرق ولا استثناء. فمثلما أن المرض الذي ينزل بالإنسان هو غالباً نتيجة سلوكيات وأفعال يقوم بها الإنسان، فكذلك الدول التي تمرض، حيث تكون أمراضها نتاج أفعالها وسلوكياتها أو ما نسميها بالسياسات والخطط..

    واحدة من الأمراض المهلكة القاتلة للدول - مرض الترف - بحسب ما جاء في القرآن الكريم، بحيث يمكن وصف الآية الكريمة التي سنذكرها بعد قليل وتحدثت عن هذا المرض، أنها حقيقة من حقائق هذه الحياة التي لا يمكن الجدال والتفلسف حولها، وخاصة أن نتائجها واقعية على مدار التاريخ القديم وإلى ما شاء الله لهذه الأرض والحياة أن تكونا، وهذا بالتالي يدعو كل ذي لب وبصيرة إلى التدبر والتفاكر والاتعاظ والتعلم.. 

   مرض الترف إن أصاب دولة أو أمة أو حضارة ما، أهلكها وعجّل في تدهور أمورها وبالتالي إلى شيوع ميكروبات المرض في نواح عديدة من جسمها، ما يؤدي وبالضرورة إلى ضعف عام وتآكل متدرج في بنيان وأساسات الدولة، ما يؤشر إلى نهاية قريبة منتظرة.

  اقرأ معي الآية الكريمة في سورة الإسراء، التي يمكن اعتبارها معادلة أو قانوناً حياتياً لا يقبل التشكيك، كما أسلفنا (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً). أي أمرنا المترفين الذين يتولون زمام الأمور في الدولة بالطاعة والبعد عن الفسق والفجور – كما يقول المفسرون -  لكنهم تغاضوا عن ذلك الأمر وفسقوا وفجروا، فكانت النهاية.

  المترفون في كل أمة – كما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله - هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغو في الأعراض والحرمات.


                                                                                       لكن لماذا الترف مهلك؟

   الإجابة بكل اختصار ووضوح: لأنه عامل رئيس مسبب لضياع حقوق البلاد والعباد. إن ظهر ترف وإسراف في أجهزة دولة ما، فهذا يعني استئثار فئة قليلة بغالبية الامتيازات على حساب فئات عديدة أخرى في المجتمع. هذا الاستئثار دافع أكيد إلى نشوء مرض آخر في الدولة، هو الحقد أو الكراهية في نفوس الفئات المحرومة على الفئة المترفة المسيطرة والمستأثرة بالخيرات وما شابهها..

   الترف مرض مهلك أيضاً لأنه يتضمن مرضاً عضالاً آخر ينخر في جسم الدولة وهو الظلم الذي عادة يكون مصاحباً للترف. فأينما وجدت مترفين، وجدت الظلم يصدر عنهم بصورة وأخرى. والترف كذلك يؤدي إلى الإسراف، وهذا مرض مؤذ أيضاً، بل هو عامل أساسي في دخول البلاد أجواء الفقر، والفقر إن استوطن بلداً طارت عنه القيم، وحلت الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. وقد جرت العادة في جميع الحضارات والأمم التي ظهرت وبادت، أن من كانت تؤول إليهم سلطات وصلاحيات وزمام الأمور، هم المترفون!   

   المترفون هم الفئة التي تتولى إهلاك الدولة - دون قصد بالطبع - لكن سلوكياتهم وأفعالهم هي السبب. فإن انتشار الفساد والظلم والعدوان في أي بلد، يدفع بعد حين من الدهر، طال أم قصر، إلى أن تصل فئة المترفين – باعتبار الترابط الوثيق بين المال والمناصب - إلى مراكز القرار والتحكم في شؤون البلاد والعباد، لتتولى تلك الفئة بعد ذلك تنفيذ المشهد الأخير للبلاد وهو مشهد الهلاك، كي تجري بالتالي عليهم السنّة الإلهية في هلاك وزوال الأمم.
  
مآلات غـياب الردع
  
   يذكر صاحب الظلال ها هنا أمراً مهماً متمثلاً في غياب الردع. هذا الردع الغائب هو العامل الحاسم في تسريع وتيرة الهلاك، فيقول:" وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادا، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها. ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها ".     

    ما ضعفت دولة بني أمية أو بني العباس أو دولة الأندلس وما جاءت بعدها من أمم مسلمة تفتتت وانتهت آخر الأمر، رغم عديد إيجابيات تلك الدول والممالك في بداياتها، إلا لظهور وشيوع مرض الترف في كثير من الولايات والأمصار التابعة لها، واستئثار فئات معينة بالخيرات والغنائم على فئات أخرى عديدة بالمجتمع، إضافة إلى أمراض أخرى بالطبع ساعدت على زوال تلك الدول، ليس المجال ها هنا للحديث عنها.. لكن المؤكد أن مرض الترف كان العامل الحاسم في هلاكها وزوالها، وبالمثل يمكن أن يقال عن الإمبراطورية الإغريقية والرومانية والفارسية وغيرها.. وهذا الذي يمكن أن يقال مرة أخرى عن أي دولة معاصرة، بغض النظر عن دينها وعقيدتها وثقافتها، أنها ستهلك وتنتهي إن تركت الباب مفتوحاً لمرض الترف أن يدخل منه إليها..


إن غياب القانون الذي يمنع الفئة المترفة من التجاوز، وتكاسل المجتمع عن القيام بواجب الردع بكل السبل المتاحة، وهو ها هنا متمثل في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يؤدي بالضرورة إلى هلاك الجميع.. وحديث السفينة يشرح ويوضح الكثير من مشاهد الصورة.

  روى البخاري وغيره من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال:" مثلُ القائم على حدود اللَّه والواقعِ فيها كمثل قوم استَهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".

  لاحظ أن المفسدين الذين أرادوا خرق السفينة كان لهم تأويل ونظرة معينة للأمر، معتقدين بصوابية تأويلهم أو نظرتهم.. كانوا يريدون ألا يشقوا على من فوقهم بكثرة ترددهم عليهم لسُقيا الماء، فجاءت فكرة خرق خشب السفينة ليستقوا منه الماء. كان ذاك تأويلاً فاسداً ورؤية أفسد، وإن ذاك التأويل وتلكم الرؤية كانت لتكون سبباً في هلاكهم وغرقهم وغرق من فوقهم أيضاً، لولا ردع الآخرين لهم وصرفهم عن رؤيتهم واعتقادهم الفاسد ذاك.. وصدق الله العظيم حين قال (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).  أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. هكذا فسر ابن عباس الآية وفهمها، وهكذا نسأل الله أن يفهّمها لكل مسلم، فهو سبحانه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخميس، 27 يونيو 2019

الرأي والرأي الآخر .. له حدود أيضاً


  لا تزال أصداء حلقات برنامج (عصير الكتب) الثلاث، التي تم بثها في تلفزيون العربي حول الخلفاء الراشدين، قوية متفاعلة لم تهدأ، لا في الأوساط العلمية الدينية ولا الإعلامية ولا الاجتماعية بشكل عام.. ذلك أن ما جاء في واحدة من تلك الحلقات لم يكن بالأمر السهل الذي يمكن تمريره، كما أراد له القائمون على البرنامج، والذي على إثر الضغوط المتنوعة عليه، قام التلفزيون بتقديم اعتذار عما جاء بالبرنامج – وإن لم يكن مقنعاً ولا يعفيه من المساءلة – وتم حذف كافة الحلقات الثلاث، في محاولة من تلفزيون العربي تهدئة الرأي العام العربي وغلق ملف البرنامج.. لكن رغم ذلك، الموضوع ما زال يتفاعل، بل وعلى إثر هذا التفاعل، تجد ملفات عديدة قد فتحت وما تزال تُفتح، وكلها مرتبطة بالموضوع.

   ما حدث – سواء أكان يقصد القائمون على البرنامج أم خلافه - لا يمكن تبرأته أو أخذه بأي درجة من حسن نية، بل ربما يدفع المراقب للأمر إلى إدخاله - دون تردد - ضمن محاولات قديمة متجددة ومستمرة للنيل من الإسلام كدين بشكل عام، على رغم أن جلّ تلك المحاولات متعثرة، لكن لا يمكن إنكار أنها مؤثرة نسبياً بصورة وأخرى.  

   لا شيء في أن تطرح موضوعات وقضايا من تلك المختلف عليها عبر تاريخ الإسلام للنقاش والحوار، ليس من أجل النقاش ذاته، بل لتصحيح ما يمكن تصحيحه وتنوير الأجيال الحديثة من المسلمين، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل من هب ودب وزعم أنه يفقه في بعض جزئيات من علوم الدين، تتم استضافته وترك المجال له يسرح ويمرح دون ضبط وربط، فأمثال هؤلاء تمتلئ بهم ساحات الإعلام والفكر والثقافة في العالم العربي، وقد علا صوتهم وتجبّر للأسف بفعل قوة وتأثير وانتشار وسائل التواصل الإعلامي.

   التشكيك في أمر هذا الدين وثوابته وقيمه ورموزه العليا، ليس بالجديد، كما أسلفنا. فقد بدأت المحاولات الأولى منذ أيام النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – سواء عبر أصوات المشركين في مكة أو بعد ذلك أصوات المنافقين بالمدينة. لكن قيض الله رجالاً تصدت لتلك المحاولات ووأدت الكثير منها، لكن لم تمت جميعها بل ظهرت تارة أخرى في عهود الخلفاء الأربعة الكرام ومن جاء بعدهم من خلفاء حتى العصور المتأخرة، ليتولى من يتم تسميتهم بالمستشرقين – والأصل أنهم المشككون - راية النيل من الإسلام. تبعتهم فئات ضالة مضلة من أبناء المسلمين، تدفعهم قوى ومراكز بحوث ودراسات عديدة في الشرق والغرب، تجد مصلحة في استمرار حركة التشكيك في هذا الدين، لاسيما إن صارت تُدار بيد من أسماؤهم عربية مسلمة، وما أكثرهم اليوم.

   نكرر القول إنه لا شيء في أن تسأل وتبحث وتناقش وتبدي رأيك وتنصت للرأي الآخر في مجالات لا حصر لها. وحديثي هذا موجه بالطبع لكل مسلم، سواء كان بالعقيدة أو حتى الهوية، لأن من هم من ملل ونحل أخرى لا يشملهم هذا الحديث، فلهم دينهم ولنا ديننا، وأحاديثهم المتنوعة عن ديننا ليست لنا علاقة بها ولن نهتم لشأنها إن كانت تجري وتدار في ديارهم وبين أبناء ملتهم.. لكن بكل تأكيد، سينطبق عليهم ما ينطبق على المسلمين في ديار الإسلام، وهو أن هناك مجالات محددة ليس للرأي والرأي الآخر فسحة له أن يرتع ويجادل فيها كيفما شاء، لا للمسلم ولا لغيره.. فهناك ضوابط ومحددات لا يمكن قبول تجاوزها.

   ليس هناك أي قيمة للرأي والرأي الآخر في مجال التشكيك بالقرآن أو السنّة الشريفة أو حقيقة الإسلام نفسه، أو التشكيك في رموزه ومُثله العليا - والخلفاء الراشدون المهديون على رأس تلك الرموز والمُثل - إذ يمكن أن نناقش أعمالهم وأداءهم لكن لا نشكك في نواياهم أو ننتقص من جلال قدرهم ومكانتهم، فهم بشهادة خير المرسلين، أفضل من يأتون بعده – صلى الله عليه وسلم – من أمته.

   محاولات التشكيك والعبث بثوابتنا وقيمنا وديننا ورموزنا لن تتوقف، وخاصة في ظل ثورة إعلامية معلوماتية مستمرة، سواء من بعض المغرر بهم من أبناء هذه الأمة أو من غيرهم، ما يفيد ويستدعي أهمية التصدي لها بكل وسيلة حضارية ممكنة وأولها بالتعليم، الأساس المتين في هذه المعركة. إذ حين يتم تعظيم أمر هذا الدين وأمر القرآن وشخصية الرسول الكريم وصحبه الكرام في النفوس ومنذ الصغر، من شأنه تمتين وتقوية جبهة التصدي
 ضد كل حملات التشكيك المختلفة. وإن ما يحدث الآن من اهتزاز وارتجاف الكثيرين عند أي محاولات ابتدائية للتشكيك في عقائدنا وثوابتنا وقيمنا ورموزنا، مرجعه إلى ضعف التكوين الديني في المدارس والجامعات والمجتمعات، وقد ساعدت وسائل التواصل الإعلامي على هذه البعثرة والتشتت الحاصل في أذهان الجيل المسلم الحالي، جعلته ينفتح على ثقافات وتوجهات الآخرين دون أن تكون معه كفايته من المناعة الفكرية والثقافية والدينية، التي تجعله يتلقى تلك الأفكار والتوجهات، يقلبها هو كيفما شاء، دون أن يحدث العكس وتؤثر عليه وتقلبه رأساً على عقب.

  وسائل الإعلام عليها دور عظيم كما لمحاضن التربية الأولى، المدارس وما بعدها من مؤسسات التعليم المختلفة في المجتمع. وسائل الإعلام اليوم يمكنها اختصار الكثير من الوقت والجهد لو أن القائمين عليها، أصحاب فكر سديد ناصح أمين ومخلص، لا أصحاب أجندات مختلفة ربما تكاتفت جهودهم، سواء أعلموا أم لم يعلموا، مع حملات التشكيك والتشويه المختلفة.

   إن حسن اختيار القائمين على وسائل الإعلام، صحفاً كانت أم قنوات متلفزة أم إذاعية أم دور نشر أم غيرها، لا يقل أهمية عن مسألة اختيار القائمين على أمر التربية والتعليم. كلاهما يكملان بعضهما البعض. وليس من الحكمة أن يصنع المربي في التعليم جيلاً مؤمناً متعلماً واثقاً، ليأتي الإعلامي - بقوة نفوذ وتأثير سلاحه الإعلامي - ويفسد عمل الأول بزرع بذور التشكيك في ذاك الجيل، ويتدرج في رعايتها لتنمو في النفوس، كي تهتز وترتجف في أول مواجهات ومشاهد الحياة المختلفة، كتلك التي نراها اليوم على شكل مجموعات شبابية إما ملحدة أو متشككة في كثير من ثوابتها أو مجموعات لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء..

   التربية والإعلام من المسؤوليات العظيمة للدول والحكومات، فمهما كان للأفراد جهودهم ونشاطهم في المجالين، إلا أن الرعاية الحكومية السديدة الواعية والحكيمة المنضبطة، سياسياً ومالياً، هي الأساس في بناء جيل واع مثقف واثق لا يخاف ولا يهتز، مهما كانت قوة وبلاغة المشككين والمرجفين في الأرض.. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.         

       

الاثنين، 6 مايو 2019

الصوم والرياء لا يلتقيان



  سألوا الفضيل بن عياض رحمه الله في معنى قوله تعالى ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) وما هو الأحسن عملا في هذه الآية، فقال الفضيل: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنّة." وقد قال في موضع آخر يشرح معنى الإخلاص: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص هنا أن يعافيك الله منهما. 

    شرح موجز دقيق لمعنى العمل الحسن الذي به يرتفع العبد ويرتقي عند الله. إنه ذاك العمل الذي يكون لله فقط لا غيره، ويكون وفق سنّة نبيه الكريم – صلى الله عليه وسلم – وأي شرط من الشرطين يغيب، فإنه يؤدي إلى ضياع العمل، ولن يرتقي للمستوى المأمول أو العمل الحسن. فكم من الأعمال تذهب سدى وتكون هباء منثوراً، لأن رغبات القائم بها اختلطت ما بين إرضاء الخالق ورجاء ثوابه، وبين استلطاف خفي لبعض المخلوقين وكسب مرضاتهم في ذات الوقت، لحاجات بالنفس لا يعملها إلا الله.

   كل أعمالنا قابلة لأن تدخل عالم العمل المختلط وتبتعد عن عالم العمل الحسن، الذي ذكرنا شروطه، قابلة لأن تختلط بمرض خفي من أمراض القلوب وهو الرياء. بدءاً من أداء الصلوات وإيتاء الزكوات، ومروراً بالحج والعمرة وغيرها من أعمال قد تبدو على ظاهر من يقوم بها، أنها أعمال صالحة، فيما النيات أو البواطن خلاف ذلك، لا يعلم بها سوى علاّم الغيوب.  

   لكن هناك عمل لا يمكن التلاعب فيه مثل عمل الصوم، الذي هو العبادة الوحيدة التي يمكن اعتبارها كالسر بين الله وعبده أو عبادة سرية خفية مخلصة، إذ لا يمكن للرياء والصوم أن يلتقيا معاً.. نعم قد تجد من يصلي خشية التأنيب أو حباً في الظهور بمظهر المؤمن الصالح، أو آخر يتصدق ليُقال عنه كريم، أو ثالث يقرأ القرآن ليقال عنه قارئ، ورابع يزكي عن بعض ماله متظاهراً بحب الخير والمساكين، أو غيرهم كثير. أما أن يجهد الإنسان نفسه بالصوم، حباً في نيل رضا فلان أو تقرباً من علاّن، فهذا لا يمكن أن يحدث.

   أنت حين تعزم على أداء عبادة وفعل الصوم عن كل ما أمرك الله أن تمتنع عنه من المباحات، وفي مقدورك بالوقت نفسه أن تشرب وتأكل في الخفاء، ولكنك لا تفعل. أتدري لماذا؟ لأنك تعلم يقيناً أنك تصوم لله وليس لأحد غيره، وهنا تكون قد حققت الشرط الأول لقبول عملك والدخول به إلى عالم العمل الحسن، وهو الإخلاص. أما الشرط الثاني فهو أن تصوم على الوجه الذي أمرنا به الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهو أيسر من الشرط الأول. ومن هنا، تذكّر دوماً وأنت صائم مخلص في عبادتك وعلى الوجه الصحيح، ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به.


  هذا الحديث هو وصف دقيق لثواب وأجر الإخلاص الذي يظهر جلياً في عبادة الصوم. ولأن هذا الإخلاص حاضر في هذه العبادة، اعتبرها الله أنها له هو نفسه سبحانه. ولك أن تتصور عملاً يعتبره الله أنه له وحده لا يشترك معه أحد، كيف يكون أجره وثوابه؟ لا شك أنه عظيم خارج نطاق الوصف والخيال.

   لست هنا لأشرح معاني وأهداف هذه العبادة الجليلة، بقدر التذكير بهذا العمل النوعي الذي ميزه الله عن باقي العبادات والأعمال الصالحة بميزة معينة، مثلما سبحانه ميز كل عبادة وعمل صالح بميزة ما. كما في الوقت نفسه أعتبر حديثي هذا نوعاً من حث النفس والآخرين، لاستثمار عبادة عظيمة قصيرة الأجل ( أياماً معدودات ) ، ما إن يبدأ توقيتها حتى يبدأ العد التنازلي وانتظار النهاية بشكل سريع ملحوظ.

   رمضان إذن، فرصة ثمينة لعمل الكثير والكثير، سواء على مستوى كسب الأجر والثواب ومضاعفتها، أو صحياً عبر صيانة وتصحيح كثير من عاداتنا الغذائية السيئة، ومنح الجسم فرصة لتخليص نفسه من سموم عادتنا الغذائية طوال شهور العام، أو حياتياً عبر ضبط العادات الطيبة وتعزيزها، وتعديل الأخرى السيئة وتغييرها. الثلاثون يوماً من رمضان أشبه بمعسكر تدريبي داخلي، يتم فيه ضبط الأمور والتخطيط لأحد عشر شهر قادمة، يتم خلالها القيام بعديد الأعمال والسلوكيات، التي نريدها وفق مفاهيم ومعاني الشهر الكريم، حيث الإخلاص والجدية واستثمار الوقت أيما استثمار.

  أجد ها هنا في الختام، ضرورة أن نذكر بعضنا البعض ونحذر في الوقت ذاته، من لصوص الوقت في رمضان: المسلسلات التلفزيونية، الولائم الليلية، الانكباب على الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، الخيم الرمضانية، بالإضافة إلى اللص الأكبر، الهاتف الجوال ومعه وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بهدوء سلس مستمر، لا نتنبه لها إلا وقد انتهى الوقت برؤية هلال شوال. فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر.. نسأل الله لنا ولكم العافية، ونسأله سبحانه العون لصيام نهاره وقيام ليله، والهداية لترك المنكرات وفعل الخيرات. إنه بكل جميل كفيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
                       

الخميس، 28 مارس 2019

وإن عُـدتم عُـدنا


 
   إنها سنّة الله في خلقه، لا تتبدل ولا تتغير. قانون إلهي يسري على كل خلقه، لا ينظر إلى دينهم وخلقتهم أو طبائعهم وثقافاتهم أو عاداتهم وأعراقهم، بل إلى أعمالهم فقط. وإن عدتم عدنا. هكذا جاءت الآية في سورة الإسراء أو بني إسرائيل - عند بعض المفسرين - ومن بني إسرائيل ننطلق في حديث اليوم.
  في الآيات الأولى لسورة الإسراء، نجد السنن الإلهية واضحة، حيث يخبرنا سبحانه عن حال بني إسرائيل من خلال هذه الآيات. أولئك القوم الذين اصطفاهم الله واختارهم من بين شعوب الأرض في زمن ما - وما زالوا يرددون أنهم شعب الله المختار- حيث كانوا يحسنون. يتبعون أنبياءهم ويسيرون على صراط مستقيم، إلى أن بدأت مشاعر الانحراف عن ذاك الصراط تتفاعل في نفوسهم جيلاً بعد جيل، ليأتي جيل العذاب أو الذي يستحق أن تتعامل السنن الإلهية معه. 

وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب، لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً.. في هذه الآية القصيرة، قصة بني إسرائيل الطويلة، وكيف كانوا حين البقاء على الصراط المستقيم وكيف تتبدل أحوالهم وتتغير حين الانحراف عنه.. فهكذا كانوا عبر التاريخ. يؤمنون ثم ينتكسون، ثم يؤمنون تارة أخرى ثم لا يلبثون إلا وقد انتكسوا من جديد، في دورة حياتية مشهودة مستمرة إلى يوم الناس هذا.. 
    لقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين - كما جاء في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب - وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون. وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد، سلط عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميرا.. ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً ) فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض المقدسة، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها. فيبعث الله عليهم عباداً من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب (وكان وعداً مفعولاً) لا يخلف ولا يكذب.  حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل؛ فرجعوا إلى ربهم، وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم. وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم، فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكن للمستضعفين من المستكبرين ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ) ..
ثم تتكرر القصة من جديد! 

  في التاريخ تجد قصتهم مع الملك البابلي "بختنصر" وكيف سفك دماءهم وسبى نساءهم وذراريهم واستولى على أموالهم سنين عديدة، حتى عادوا بعد سنوات الذل والمهانة إلى الله، فكان الله معهم. ثم انتكسوا تارة أخرى، فأهلك جالوت حرثهم ونسلهم حيناً من الدهر، ثم ما لبثوا أن عادوا لرشدهم، فهزموا جالوت ومن معه، ليستمر السيناريو نفسه فيذلهم فرعون سنين طويلة، حتى أعلى الله شأنهم باتباعهم نبي الله موسى فهلك فرعون.

   لكن هل صلح حالهم بعد ذلك؟ لا، بل عادوا سريعاً سريعاً إلى الضلالة، حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة.. وهكذا هم حتى قرأنا قصصهم في العصر الحديث ومآسيهم في أوروبا وخاصة على يد النازية، ومع ذلك لم يعتبروا. ها هم اليوم يعيثون في الأرض الفساد. تجدهم في كل مكان، أو تجد عملاءهم وأشباههم. الظلم والإفساد الذي يقومون عليه منذ عقود ستة مضت على أرض فلسطين، تشهد أنه لا عبرة ولا عظة من تاريخ أسلافهم.. بل إن قانون ( وإن عدتم عدنا ) قريب منهم، وسيبعث الله عليهم من يعيدهم إلى مربع الذل والهوان من جديد. وإن غداً لناظره قريب.

   لكن التساؤل المهم في هذا الموضوع الذي ربما يطرح نفسه ها هنا، يقول: هل القانون الإلهي الذي تحدثنا عنه في بداية المقال خاص ببني إسرائيل أو اليهود فقط، أم أنه يشمل آخرين؟ لا أشك لحظة أن الأمر عام يخص كل البشر، وإن أتى الله ببني إسرائيل كمثال على الإفساد والعلو وما بينهما من أحداث.. فهكذا أسلوب القرآن في ضرب الأمثال والحديث عن أخبار الأولين. هو للعبرة والعظة والاستفادة من الماضي لكي ينضبط الحاضر من أجل مستقبل مرغوب محمود.  

   حتى لا نبتعد كثيراً، أمة المسلمين لا تختلف في هذا الأمر أيضاً. لا أريد أن أتحدث عن أمم أخرى ها هنا، فما يهمني الآن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – إذ يوم أن كنا على الصراط المستقيم، كان الله معنا. نشرنا نوره ودينه في أرجاء الأرض. وحين بدأ الفساد والظلم يدب في مفاصل الأمة، برز القانون الإلهي فأصابنا ما أصابنا من هوان وذل نعيشه اليوم، دون حاجة لكثير شروحات وتفصيلات.

   إن عدتم عدنا. معادلة رياضية صحيحة واضحة لا ريب فيها. يوم أن نكون مع الله، يكن الله معنا. ويوم أن نبتعد عن صراط الله المستقيم، ونسير لاهثين نحو صراط المغضوب عليهم أو صراط الضالين، فالمؤكد أننا سنعيش تيهاً لا يختلف عن تيه بني إسرائيل.. أربعين أو سبعين سنة أو ربما أكثر من ذلك.. ألا يشهد وضعنا الحالي البائس خلال الخمسين أو الستين سنة الفارطة، على أن بوصلتنا ضاع مؤشرها بين الشمال والجنوب، أو الشرق والغرب، لا يستقر على جهة ما؟  
   لكن الأمر رغم سوداويته وقتامته، أجد أن الأمل قائم ومأمول في حدوث إصلاح وتغيير قادمين يشملان الأمة كلها بإذن الله، وإن حالتنا الراهنة لا يجب أن تدفع بنا ليسيطر اليأس على النفوس ( فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ). أضف إلى ذلك أن هذا الظلام الذي نعيشه سينجلي، بل لابد أن ينجلي بإذنه تعالى ( يقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).


الخميس، 21 مارس 2019

ما الجديد في مذبحة نيوزيلندا ؟

  
 أغلب من بدأ يومه الجمعة الفائتة بمتابعة الأخبار والأحداث، لا شك وقد صدمته حادثة دخول سفاح أسترالي معتوه مسجد النور في نيوزيلندا - أبعد دول العالم عن التجمعات البشرية - وإطلاقه النار على من جاءوا مبكرين لصلاة الجمعة من رشاش آلي، على غرار ألعاب الفيديو العنيفة، وقيامه ببث المشاهد الدموية المتوحشة مباشرة عبر منصة فيسبوك، ببرودة دم دنيئة وحشية.
   صدمتنا دون أدنى شك تلك المشاهد غير المألوفة إلا في العوالم الافتراضية، حيث ألعاب الفيديو العنيفة التي سنأتي على ذكرها في ثنايا هذا الحديث. كانت صدمة ذكرتنا بصدمات كثيرة عشناها ولا زالت أمتنا تعيشها، مثل مذبحة الحرم الإبراهيمي في تسعينيات القرن الماضي على يد سفاح صهيوني، أو المذابح الأكثر بشاعة في التاريخ الحديث تلك التي كانت على يد سفاحي الصرب أثناء حربهم على مسلمي البوسنة أواسط التسعينيات كذلك، بالإضافة إلى مذابح جماعية عديدة حول العالم بحق المسلمين، تقشعر منها الأبدان كلما بدأ المرء يتفكر فيها أو يتذكر بعض مشاهدها. 
   ما جرى في حادثتي المسجدين بنيوزيلندا، البلدة الهادئة والمشهورة بعزلتها وجودة الحياة فيها وتميزها بالتعليم الراقي، وسلامة بيئتها من الأحقاد والكراهية بين مواطنيها والمقيمين فيها، ليس بالجديد ولا المفاجئ. نعم، لم تكن الجريمة جديدة، لا لنا نحن المسلمين ولا لغيرنا من أمم وشعوب الأرض، باعتبار أن ما حدث هو نتيجة طبيعية لتوتر وشحن إعلامي وسياسي تعيشه مناطق عديدة في العالم ضد دين الإسلام والمؤمنين به، لاسيما في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية، مستفيدين من وجود آلة إعلامية إخطبوطية جبارة، سريعة التأثير والنفوذ والانتشار في ظل تقنية اتصالات متقدمة جداً.  

                                                 الإسلاموفوبيا ليست ظاهرة جديدة  

ما يسمى بالإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام، ظاهرة ليست جديدة على العالم الغربي، والتي ظهرت بداية في أوائل القرن العشرين (1910) حتى قاربت على التلاشي بعد ظهور كثير من الكتابات لمفكرين ومصلحين من الجانبين الإسلامي والغربي تقلل من شأنها. لكن قيام الثورة الإيرانية وتبعاتها في بدايات الثمانينيات (1980) من القرن الفائت، دفعتها للحياة مرة أخرى ليستخدمها كل من له مصلحة في مهاجمة الإسلام والمسلمين، حتى هدأت مؤقتاً أثناء الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي ( 1980 - 1989 ) لتعود سريعاً بعد أحداث سبتمبر (2001) وتشتد ضراوة إلى ساعة الناس هذه ! 

   الظاهرة إذن ليست بالجديدة منذ أن ظهرت وإلى يوم الناس هذا، لكن الجديد في جانبها الأول هو الدخول الأهوج المؤثر لرئيس أقوى إمبراطوريات الأرض اليوم وهي الولايات المتحدة، ليدعم بدخوله المباشر هذه الظاهرة، ويكون سبباً لتفعيلها وتأجيج نيرانها من جديد منذ أن قام بحملاته الانتخابية في (2016) وحتى بعد وصوله لرئاسة البيت الأبيض، واستمراره في تصريحاته التويترية وخطبه هنا وهناك والتي ما انفكت تهاجم وتحرض وتستفز مسلمي العالم، حتى صار ملهماً لكثيرين من أصحاب النزعات العنصرية المتطرفة من الأوروبيين البيض، الذين ما زالوا يعتقدون بتفوق وعلو العرق الأبيض على سائر أعراق وأجناس البشر!
 ألم يذكر السفاح الأسترالي إعجابه بالرئيس الأمريكي ترامب؟
 ربما إذن كان أحد أبرز الملهمين له.

   الفعل الإجرامي للسفاح الأسترالي المعتوه، هو نتيجة طبيعية لشحن منظم ممنهج مستمر في الإعلام الغربي - والأسترالي منه – ضد الإسلام والمسلمين، حتى ارتبط الاسمان بصور ذهنية غاية في البشاعة والسوء. ولا شك أن مثل هذا الشحن وهذه الصناعة الاستخباراتية المحترفة للصور الذهنية عن الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي بشكل عام، تؤدي بالضرورة إلى نشوء قناعات معينة لدى من عندهم تلك النزعة العنصرية وروح الاستعلاء على الآخرين، لتتجسد تلك القناعات على أرض الواقع، في شكل سلوكيات وأفعال غير قانونية وقبلها غير إنسانية. ولعل هذا هو الوصف الأمثل لما تقوم عليه الأحزاب اليمينية المتطرفة في عموم الغرب، وتحث أعضائها عليه بصورة وأخرى.

  ردود الأفعال الإسلامية الرسمية المحتشمة    

   مثلما أن ظاهرة الإسلاموفوبيا ليست بالأمر الجديد في الغرب، فكذلك كانت ردود الأفعال المحتشمة جداً للأنظمة الحاكمة في غالبية الدول الإسلامية، ليست بالأمر الجديد. فقد سئمت الشعوب المسلمة من ردود أفعال رسمييها الحكوميين. إذ لا تكاد تجد مواقف رسمية مسلمة في مثل هذه الأحداث يمكن البناء أو التعويل عليها، لصناعة أعمال مستقبلية إيجابية تحمي وتمنع أي تجاوزات وتعديات على الإسلام ورموزه المقدسة، وصولاً إلى أتباعه والمؤمنين به. وإن المثال الأخير الذي نتحدث عنه خير شاهد على ما نذهب إليه. إذ باستثناء التحركات التركية منذ اللحظات الأولى للجريمة، وقيامها بالمستطاع في حدود الإطارات القانونية الدولية، لم نجد أي تحركات منفردة أو تحركات جماعية عبر الكيانات المسلمة المتنوعة، سوى اللهم بعض بيانات إعلامية غالباً لا تسمن ولا تغني من جوع.


  التقنية سلاح ذو حدين 
  إن الجديد والخطير في الوقت ذاته لتأثيرات ظاهرة الإسلاموفوبيا - وهو الجانب الثاني منها - والتي فتحت جريمة المسجدين العيون عليها بشكل عميق، هو المدى البعيد الذي وصلت إليه التقنية في الاتصال والتواصل، حتى صارت مؤثرة على الأفكار والسلوكيات إلى درجة يُخشى منها مستقبلاً انفلات البشر عن القواعد المتفق عليها ضمنياً في تعاملاتهم مع بعضهم البعض، بل واحتمالية تحول البشر بعد حين من الدهر قصير، إلى وحوش تتقاتل في غابة كبيرة لا حدود لها.. فأن يقوم سفاح عنصري حاقد بعمل بث مباشر لعمليته الإجرامية، مستغلاً ومستفيداً من التقنية والمنصات الرقمية، هو الجديد والمخيف في هذه الجريمة، وربما المقطع الذي بثه وانتشر حول العالم في وقت قصير كانتشار النار في الهشيم، كان من أبرز أسباب الصدمة التي طالت الجميع، مسلمين وغيرهم ممن شاهدوه، حيث كان في اعتقاد الأغلبية وللوهلة الأولى أنه مقطع من لعبة افتراضية من ألعاب القتال الدموية العنيفة المنتشرة في العالم، التي يقبل عليها ملايين البشر من جميع الأعمار والفئات، في مشهد لا يبشر بخير للبشرية جمعاء.

   يمكن القول بعد هذا السرد، أن من بين أبرز العوامل التي ساعدت على شيوع الإسلاموفوبيا في العالم، هو هذا التقدم التقني الرهيب في الاتصال والتواصل بين البشر، وبعد أن صارت وسائل الإعلام إحدى المظاهر الدالة عليها وقوة تأثيرها في النفوس. والسفاح الأسترالي ما هو إلا نموذج لشخص عاش في بيئة كان لوسائل الإعلام الأسترالية دورها الكبير المؤثر في تأجيج الكراهية ضد الأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، حتى تشبعت النفوس وامتلأت حقداً وغلاً لكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة.. وأحداث المسجدين ستظل نماذج وشواهد على هذا الفعل غير السوي.

   ما لم تتعاون البشرية جمعاء في تفكير محدد يضبط هذا الاندفاع التقني، بحيث يتم توجيهه نحو صالح البشرية وأمنها واستقرارها، فإن الكراهية مرشحة للشيوع بين البشر، والعنف والجريمة تتعمقان أكثر فأكثر، وربما تصل البشرية بعد حين من الدهر غير طويل، إلى مرحلة تسيطر فيها (بلادة الحس والشعور) على الأفعال والسلوكيات، بحيث لا ترى الدماء إلا سوائل حمراء سرعان ما تتخثر وتتبخر، وما القتلى سوى كتل لحمية تُدفن لتأتي أخرى، في دوامة من عنف لا أحد سيعلم منتهاها، أو السبيل إلى إيقافها وعلاجها.. ( فنادوا ولات حين مناص ) .