الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأحد، 17 مارس 2019

لماذا الإمام البخاري ؟


 
 محاولات قديمة متجددة ومستمرة للنيل من الإسلام كدين بشكل عام، لكنها متعثرة. ورغم تعثرها، إلا أنها مستمرة بأساليب أخرى ومن جوانب وزوايا متنوعة. كان البدء بالدين ككل، ثم رمزه المقدس المتمثل في سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ثم بعده القرآن. ومع ذلك تجد نتائج المساس بثوابت ومقدسات هذا الدين، سواء كانت بيد أعداء الإسلام أو بيد من ينتمون إليه بصورة وأخرى، نتائج عكسية غير مرغوبة. بل إن الأرقام والأحداث في مجتمعات غير مسلمة تتحدث عن تحول ملحوظ إلى هذا الدين أو بحث عنه أو دراسته. 

  اليوم تتم إعادة محاولات قديمة لإحداث شرخ بين المكونات الصلبة لهذا الدين، القرآن والسنة، وذلك عبر التشكيك في المصدر الثاني للتشريع، السنّة النبوية. وحين نتحدث عن السنّة، فالصورة الذهنية الأولى الواضحة بذاتها تشير إلى صحيح البخاري، ثم من بعده صحيح مسلم وبقية كتب السنّة. لكن لماذا التركيز على الإمام البخاري وليس الإمام مسلم أو النسائي أو ابن ماجه والحاكم وغيرهم كثير؟

   وجد أعداء الإسلام ومن وضع يده بيدهم من أبناء المسلمين، مثل الليبراليين والقرآنيين وأدعياء العلم الشرعي ومن يسمون أنفسهم بالمفكرين أو الحداثيين، أن القرآن كتاب فوق النقد والتجريح والتشكيك، وأنه لا يمكن لأي مسلم قبول المس به، ما أدى للتحول نحو الهدف التالي وهو السنة النبوية، وأهم ما يرتبط بها - كما أسلفنا – هو صحيح البخاري، والذي إن نجحت محاولات التشكيك فيه، فإنه يعني صناعة فجوة أو هوّة بين القرآن والسنة، ما يؤدي بالضرورة إلى غياب الوسيلة التي بها يفهم المسلم العامي غير الدارس والمتبحر في علوم الدين، كتاب ربه. وإن عدم الفهم أو ضبابيته سيكون عاملاً مساعداً وداعماً لمحاولات تشكيك السواد الأعظم من المسلمين في دينهم ومعتقداتهم وقيمهم، وهي الفئة المستهدفة بالدرجة الأولى، باعتبار أن الدارسين لعلوم الدين أو المتبحرين في الشرع، لا يمكن تجاوزهم أو مواجهتهم والتشكيك بالسنة النبوية أمامهم.

   ولكن لماذا الإمام البخاري؟ 
   
  أجمع علماء الأمة قديماً وحديثاً بأن أصح كتاب في الإسلام بعد القرآن الكريم هو صحيح البخاري. قال عنه أبرز علماء الأمة قديماً، وهو الإمام النووي رحمه الله:" اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صحَّ أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظيرٌ في علم الحديث ".   
 وفي عصرنا الحديث يقول عنه الشيخ الألباني رحمه الله:" والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا عن غيرهما من كتب السنّة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الضعيفة والمتون المنكَرَة، على قواعد متينة، وشروط دقيقة، وقد وُفقوا لذلك توفيقاً بالغاً لم يُوفّق إليه مَن بَعدهم ممن نحا نحوهم في جَمع الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، حتى صار عُرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا. وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن. لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيءٍ من ذلك من بعض الرواة. كلا، فلسنا نعتـقد العصمةَ لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلاً… كل من شمَّ رائحةَ العلم بالحديث الشريف يعلمُ بداهة أن قول المحدث في حديث ما (رواه الشيخان) أو (البخاري) أو (مسلم)، إنما يعني أنه صحيح". انتهى.

  من هنا تأتي أهمية التنبه لأي تطاول أو هجوم على الإمام البخاري، باعتباره رأس علم الحديث الذي إن تم المساس به، بتجريحه أو النجاح في محاولات قطعه، فإنما هو قطع للوسيلة التي بها يفهم المسلمون قرآنهم ودينهم بشكل عام، ما يزيد من حيرة وتوهان غالبية المسلمين في مثل هذا العصر، الذين تكاثرت عليهم الأفكار والمعتقدات والمشروعات التغريبية والإلحادية وغيرها، من تلك التي تتم بصورة لا يمكنك التشكيك لحظة في أنها ممنهجة ووفق خطط مدروسة.

  لماذا التشكيك بالبخاري الآن؟
 الجيل الحالي بعيد عن الأحاديث النبوية، فلا المدارس تعطي السنّة الشريفة حقها، ولا وسائل الإعلام تقوم بدور مقنع في خدمة أحاديث الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -  وهذا الانفصال الواقع بين الجيل الحالي من المسلمين وبين سنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ساعد أصحاب حملات التشكيك والنيل من السنة المطهرة في أعمالهم، وأبرزها التشكيك في صحيح البخاري.

   إنه لأمر مؤسف أن تُفسح المنصات الإعلامية في الدول العربية وكذلك المنابر الثقافية، ليتحدث من لا يعرف ( كوعه من بوعه ) في علم الحديث، ويبدأ في التشكيك والنيل من الإمام البخاري وصحيحه، وهو من هو في هذا العلم. هذا الأمر، الذي تكرر مؤخراً من إعلاميين مسيسين، وأكاديميين في تخصصات بعيدة عن علم الحديث، وآخرين يزعمون أنهم أهل فكر وأهل حداثة، يحتاج إلى هبة ووقفة حازمة حاسمة من كل من له القدرة على التصدي لهم وبيان زيفهم وضلالاتهم.

   المؤسسات التربوية عليها الدور الأهم في هذا المجال، عبر إعادة الهيبة والاعتبار للحديث النبوي في مناهج التعليم، حفظاً وفهماً وتطبيقا. ولا يقل دور المؤسسات الإعلامية المختلفة عن التعليمية، والتخطيط لإنتاج مسلسلات وبرامج حول الإمام البخاري وبقية أصحاب السنن، على غرار مسلسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمجال مفتوح للإبداعات الإعلامية في هذا الأمر. أما المؤسسات الثقافية، فإنه يمكنها – كأضعف الإيمان- إدراج مسابقات حول الحديث النبوي على غرار مسابقات حفظ القرآن. والأمر مستمر ليصل إلى الدعاة وخطباء الجمعة، وأهمية بيان ما يحاك ويخطط ضد السنة النبوية، وضرورة توعية العامة بخطورتها وكيفية التصدي لها.. فهذه بعض مقترحات لا يسمح المجال هنا الاسهاب فيها، وإن كنت لا أشك في أن هناك الكثير والكثير مما يمكن القيام به في سبيل الدفاع عن نبينا وسنته المطهرة، ورجالات هذه الأمة، الذين قاموا على سنته ونشروها. وإن نشر سيرهم بالتي هي أحسن وأجمل، هو حق لهم وواجب علينا.. هذا والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. 

   

الخميس، 28 فبراير 2019

فجمع كيده ثم أتى

   

   من المشاهد الرهيبة المؤثرة بالنفس، ذلكم الذي كان قد جرى في زمن قديم بين طاغية مجرم مثل الفرعون الذي جاء ذكره في القرآن، وبين نبي كريم مثل موسى عليه السلام، الذي آتاه الله هيبة من بعد أن كان خائفاً في المدينة يترقب، ولا يكاد يبين في الكلمات بسبب لثغة في لسانه، حتى كان الفرعون يسأل الناس إن كان هذا الشخص خيرا منه، وهو لا يملك مالاً ولا ملكاً بل لا يكاد يفصح عن الكلام، استهزاء به
.
   هذا النبي من بعد أن دعا الله أن يشرح له صدره وييسر أمره ويحلل عقدة من لسانه، ليفقه السامع قوله، قد آتاه الله هيبة جعلت الفرعون، وهو من هو يومئذ، يرتعد من باطنه خوفاً وخشية حين جاءه موسى مع أخيه هارون إلى مجلسه يدعوانه باللين والقول الطيب، أن يرفع العذاب عن بني إسرائيل ويدعهم وشأنهم، وبقية القصة التي جرت في تلك الواقعة، منها رؤية الفرعون لمعجزة العصا واليد، حتى طلب من موسى موعداً ليواجهه بمثل سحره – حيث ظن فرعون أن ما جاء به موسى إنما هو السحر- فكان الاتفاق على يوم الزينة.
   الشاهد من القصة أن فرعون، وهو الذي زعم الألوهية، يطلب من موسى موعداً، وهو قبل قليل كان يسخر منه ويقلل من شأنه، فما باله الآن يطلب موعداً مع موسى؟ إنها الهيبة كما أسلفنا، والتي أنعم الله بها على موسى عليه السلام، فكان ذاك الموعد بداية النهاية للفرعون.


   لكن قبل التحدث عن مشهد يوم الزينة، حيث يجتمع الناس كلهم في أصفى وأفضل أوقات النهار وضوحاً، ليشهدوا الهزيمة الساحقة لموسى وأخيه أمام الزعيم الخالد. إليك وصفاً دقيقاً آخر لمشهد سابق كما في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله، بعد أن اجتمع السحرة مع فرعون على المشهد المرتقب والمكافأة: ".. وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المباراة بين السحرة وموسى عليه السلام. ثم يجيء مشهد السحرة بحضرة فرعون قبل المباراة؛ يطمئنون على الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين؛ ويتلقون من فرعون الوعد بالأجر الجزيل والقربى من عرشه الكريم. (فلما جاء السحرة قالوا لفرعـون: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم إذن لم المقربين).. وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون الطاغية؛ تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره، ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة. وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائماً في كل مكان وفي كل زمان، وها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر، يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه وهو بزعمه الملك والإله".


   احتشد الناس في ذلكم الصعيد، ويحضر فرعون في زينته وكبكبة السحرة وقد أخذت موقعها في الميدان، وكلها ثقة في الانتصار على سحر موسى - كما توهموا – لكن بضع كلمات من موسى عليه السلام موجهة إليهم، قللت من تلك الثقة حتى إن بعضهم قرر عدم خوض التحدي. (قال لهم موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب، وقد خاب من افترى). لكن السحرة استجمعوا قواهم وعززوا الخائف والمتردد منهم، وقرروا مواجهة موسى عليه السلام ولكن ليست بتلك الثقة والقوة التي جاءوا بها قبل قليل. أي يمكن القول بأنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من أن الذي يجري أو سيجري بعد حين من الدهر قصير، سيكون حاسماً وحازماً لهم ولكثيرين، ولكن ما هو هذا الشيء؟ هذا ما سيكون في الدقائق التالية، حين سألوا موسى إن كان يريد البدء، فكان قرار موسى أن يبدؤوا هم فيما هو ينتظر ليكون له القرار الأخير.
بدأ المشهد برمي الحبال حتى تخيلها الناس أنها ثعابين تسعى، وكانت قوة تأثير سحرهم كبيرة لدرجة أن موسى نفسه خاف للوهلة الأولى بعض الشيء لولا أن ثبته الله، حين أوحى إليه (لا تخف إنك أنت الأعلى) فكان هو الأعلى ذاك اليوم، وخسف الله بصورة الفرعون أمام الناس جميعاً، بهزيمة السحرة أولاً أمام الناس، ثم ثانياً والأكثر إثارة، مشهد السحرة وهم جميعاً دون أدنى تردد وتفكير، يسجدون ويتوبون إلى الله، بعد أن رأوا مشهد ثعبان موسى، وأن ما رأوه ليس بالسحر أبداً، فسجدوا وآمنوا من فورهم برب موسى.


   مشهد أغاظ الفرعون كثيراً.. فكيف انهزموا هكذا سريعاً بل آمنوا برب هارون وموسى دون أن يستأذنوه؟ لكن السحرة بطبيعة الحال ومن هول المشهد، تبين لهم الحق بقدرة الله، وتحول الفرعون الذي كانوا يطلبون وده وبعض ما عنده من متع ونعيم الدنيا قبل ساعات قليلة ماضية، تحول في أعينهم إلى شخص تافه لا يستحق أدنى انتباه أو احترام، بل ربما الندم كان شديداً ساعتئذ عند السحرة على ما فاتهم في حياتهم قبل هذا المشهد، ومن الكفر الذي كانوا عليه واتباع أمر الفرعون، وما أمر فرعون برشيد. نعم، لا ذاك الفرعون ولا أي فرعون يأتي بعده.. كلهم في الشر والسوء سواء.
   الشاهد من القصة، أن الحق ما إن يظهر في مشهد حياتي، ويقوم عليه أناس قد ملأ الإيمان قلوبهم، لا تشغلهم توافه الدنيا من أموال وأملاك ومناصب وغيرها، فإن هذا الحق منتصر لا شك فيه، والباطل زاهق دون أدنى ريب. فهذا الفرعون الذي جمع كيده وشره وخطط وتآمر مع زبانيته، انتهى في لحظات فارقة في تاريخ البشرية. لحظات ظهور الحق بشكل ما على يد موسى عليه السلام.


  إن الحاصل اليوم كما حصل في سابق الأزمان من استمرار الباطل وسيطرته وعلو كعبه، لم يكن ليحصل إلا لأن الحق لم يجد من يحمله ويظهره على الواجهة ويدافع عنه. فالقلوب المشغولة بهذا وذاك وتلك، أو ما بين الحق والباطل تعيش، لا يمكنها زحزحة الباطل والإجهاز عليه، لأن الباطل عادة هو الأقوى مادياً في الساعد والسلاح، وبيده مفاتيح أغلب القوى. لكن حين يدخل الإيمان في المواجهة، وتمتلئ القلوب به فقط لا غير، فإن الحسابات تختلف، والنتائج النهائية قد تكفل الله بها في قوله تعالى ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ).

   إنها معادلة رياضية سهلة واضحة. إن تنصروا الله، تكون النتيجة أن الله ينصركم.. تبقى إذن معرفة الكيفية أو كيفية نصر الله، وهذه تحتاج لشروح وتفصيلات أخرى، قد نأتي عليها في قادم الأيام بإذن الله.

الأربعاء، 16 يناير 2019

حين يكون التغافلُ حلاً


  
  الغفلة والتغافل، كلمتان بينهما فرق كبير. فالأولى أمر طبيعي ناتج عن قلة علم أو جهل بالشيء أو الأشياء، فيما التغافل فعل إرادي ناتج عن إحاطة وإلمام وإدراك بما يدور في البيئة المحيطة.. هذا يعني أن التغافل أقرب إلى أن يكون حكمة من الإنسان حين يقوم به في موقف ما، بل ربما يصل التغافل لأن يكون مهارة نحتاج إلى التدرب عليها واكتسابها لأجل علاقات إنسانية راقية. في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا مضطرين إلى استخدام مهارة «التغافل» في بعض المواقف الحياتية، لا لشيء سوى رغبة في كبح جماح موقف ما قد يتطور ليصبح ناراً تلظى، أو رغبة في السيطرة على أجواء حدث معين يوشك أن يتطور إلى ما لا يحمد عقباه، فيضطر أحدنا إلى هذا الفعل أو هذا الخُلق أو هذه المهارة.

 خذ مثالاً على ما نتحدث عنه..
إن وجدت نفسك أمام شخص ما في لحظة ما، يتحدث عن خبر معين أو حادثة من حوادث الدهر، لكنك وأنت تنصت إليه، تعـرف حق المعرفة أن الصواب قد جانبه في نقل الخبر أو الحديث عنه.. فهل من الصواب أن تقاطعه فجأة وتصحح ما يتحدث عنه أمام جمع من الحضور، قد يكون صغيراً أو كبيراً، أم تجد أن الحكمة حينها في التريث أو التغافل لبعض الوقت؟

  الواقع الفعلي عند كثيرين في مثل هذه المواقف هو الدخول والمقاطعة لأجل التصحيح، لكن الذي أميل وأدعو إليه، أو أراه الوضع الأمثل أو الأصوب ألا تتدخل وتقاطع المتحدث لتثبت له براعتك في التصحيح أو علمك بالأصح، بل الحكمة تتطلب ها هنا إلى أن تنصت إليه حتى النهاية دون مقاطعة، ثم تبدأ في طرح ما عندك من معلومات وتحاول التصحيح بصورة متدرجة، دون إظهاره بمظهر غير العارف أو أن معلوماته غير دقيقة، كأن تقول له مثلاً بأنك سمعت الخبر ذاته لكنه على نحو كذا وكذا، ثم تضيف في القول عبارة أخيرة مهدئة: لست مع ذلك متأكد أنه صحيح تماماً.. وبما أنني سمعته بشكل وسمعته أنت بشكل آخر، فمن الأفضل أن نتأكد أكثر.

  أنت هنا في هذا الموقف تستخدم مهارة أو خلق التغافل بحكمة، حيث سيدرك صاحبك من فوره أن معلوماته ربما غير دقيقة، وهذا ما سيدفعه إلى مراجعتها وتصحيحها فوراً، بل أكثر من هذا - وهو المهم - سيزداد إعجابه وتقديره لك، لماذا؟ لأنك لم تحرجه أو تجرحه، ولم تحفز هرمون « الأدرينالين» في دمه لكي ينتشر في ثنايا جسده وبالتالي يتعنت ويفور ويثور ويستعد لمقاومتك بكل الصور.

  إن قام شخص في موقف ما بتخطئة آخر بشكل مباشر، دون مقدمات أو اختيار الأنسب والأهدأ من الأساليب والألفاظ، حتى لو كان محقاً في تصحيحه بشكل لا يختلف عليه أحد، وسواء كان على شكل منفرد أو أمام الغير، إلا أنه في كلا الحالتين، هو موقف صعب ومحرج بالنسبة للطرف المجني عليه، إن صح التعبير، والأمر سيعتمد عليه في قبول التصحيح أو تطوير الأمر إلى جدال عقيم حتى يصل للمراء، وفي كلا الحالتين سيخرج الشخصان خاسرين من الموقف، إن تم رفض أسلوب التصحيح.. كما أن الخسارة واقعة كذلك في حال قبول أمر التصحيح، لأنه قد يتقبل منك الأمر ويحاول أن يكون كبير الموقف بقرار القبول ولو ظاهرياً، لكنه سيخرج من الموقف وفي نفسه عليك شيء، وما حدث يمكن أن تقع فيه أنت أيها القارئ وأيتها القارئة كذلك، سواء على شكل مصحح أو من يتم التصحيح له.. فحاول أن تتأمل المشهد.


   إن موقف التصحيح أو الإحراج إن صح التعبير، موقف صعب على الإنسان، أي إنسان، أن يتقبله وخصوصاً إذا خلا من الذوق وأدب الحوار والحديث والاستماع.. ولأنه موقف يسبب الكثير من الإحراج، فتوقع أن يكون رد الفعل من الطرف الآخر بنفس الزخم والقوة، سواء قام بإظهاره فوراً أم كتمه في الصدر إلى وقت قريب والى فرصة سانحة لرد الصاع صاعين أو ربما أكثر! وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - أن تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل.

  إن معرفة النفس الإنسانية ومعرفة خباياها وخصائصها، مهمة جداً في نجاح العلاقات مع الآخرين. وإن الجهل بها يؤدي على الأغلب إلى عواقب ونتائج غير سارة، والأمثلة في حياتنا أكثر من أن تُحصى.. فالعلاقات بين البشر مثلما أنها تحتاج إلى قلوب واعية صافية نقية لتنمو وتستمر، فكذلك هي بحاجة إلى عقول يقظة فطنة تدعم توجهات ومشاعر تلك القلوب، كما جاء عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بأن العقل ثلثه فطنة وثلثاه تغافل، ما يعني أن استخدام العقل بمهارة في تعزيز وتقوية العلاقات أمر حيوي لا بد منه. ومثل تلك التعزيزات تحتاج إلى مهارات وفنون في التعامل. وأحسبُ أن التغافل أبرز تلك المهارات، بل هو من أخلاق السادة الكرام، الذي أجده حلاً لكثير من المشكلات بيننا، سواء في البيت بين الزوجين أو بينهما والأبناء، أو خارج البيت كما في بيئة العمل أو المجتمع بشكل أعم وأشمل.. والله بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخميس، 11 أكتوبر 2018

ربنا أفرغ علينا صبراً..

  
   هكذا ردد من بقي مع الملك طالوت من صفوة جنده، وهم في طريقهم لمواجهة ملك جبار ظالم قوي هو جالوت وجيشه الضخم.. قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبّت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين..


 هكذا رددوا تلك الدعوات وقد قل عددهم كثيراً من بعد أن كانوا ثمانين ألفاً، وقد تجمعوا مع طالوت لمواجهة عدوهم الذي أهلك حرثهم ونسلهم وشردهم في الأرض.. يريدون مواجهة هذا العدو واسترداد حقوقهم، بعد أن تحرك الإيمان في قلوبهم وأنه لا سبيل لتحقيق مرادهم سوى التوكل على الله والقتال في سبيله، ومن أجل ذلك ذهبوا إلى نبي لهم في ذاك الزمان، وطلبوا أن يدعو الله ليبعث لهم ملكاً يقاتلون عدوهم تحت رايته.

  النبي الذي لم يذكر اسمه القرآن في القصة، استغرب وتعجب من هذه الحماسة الدينية التي سرت في نفوس قومه، وهو يدري أنهم ناقضوا عهودا ووعودا، وأن التحول من الحق للباطل صار أمراً يسيراً عندهم، بل أصبح عادة يُعرف بنو إسرائيل بها..

  بعد أن رأى حماستهم (قال هل عسيتم إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا) أي هل أنتم على درجة تامة ويقين جازم أنكم إذا فرض الله عليكم القتال، لن يكون هناك تردد وتخوف وتراجع؟ يريد أن يطمئن إلى أنهم جادون في الأمر، باعتبار أن مطالب الأنبياء من الله ليست بالأمر الهزل، فإذا ما رفع النبي يديه يدعو ربه، ونزل الأمر، صار تكليفاً واجباً، وأصبح التراجع عنه معصية تجلب غضب الله وعقابه.. ثم ينتهي مشهد بني إسرائيل مع نبيهم بأول مخالفة، حيث اعترضوا على الملك طالوت، وكيف يكون هو الملك وهم أحق منه؟!

  كانت أول صدمة لطالوت بعد نزول أمر القتال.. فكيف يقاتل عدواً شرساً مثل جالوت بأمثال هؤلاء الجند، وهم بعد لم يجمعوا صفوفهم؟ تساؤل منطقي وواقعي، لكن بعد عدة نقاشات جرت بينهم وبين نبيهم، استقر الأمر وبدأ طالوت يجمع جنوده ويجهز جيشه للمعركة المرتقبة، وهو لم ينس ما جرى منهم واعتراضهم عليه.. الأمر بحاجة لضبط وربط وتمحيص، فالمهمة التي هم بصدد القيام بها ليست سهلة، ولأنها كذلك، فهي تحتاج إلى رجال أصحاب عزائم وبأس وولاء وطاعة، فلا مجال للخلاف والمشاكسة والمعارضة لأجل المعارضة. فكان لابد من اختبارهم، وكانت قصة النهر الذي سيمر الجيش عبره بعد قليل.. (فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلاً منهم).

  أراد الملك طالوت إذن أن يختبر من معه من الجنود الذي كان فيهم الكثير من الذين عارضوا نبيهم حين أخبرهم بأمره، وهو يعلم الآن أنه في مهمة صعبة، كما أسلفنا، وأن الكثير ممن معه في جيشه لا يمكن الاعتماد عليهم من بعد حادثة الاعتراض الأولى، فكيف يأمن أن يخوض بهم حرباً لملاقاة قائد شرس جبار، واحتمالية الخيانة وتولي الأدبار كبيرة جداً منهم..

ألهمه الله اختبار المرور عبر أو جنب النهر، في وقت كان قد بلغ العطش بالجيش مبلغاً لا يمكن مقاومة الماء لدى رؤيته. قال بأن الله مختبرهم بعد قليل، وأن هناك نهراً بالطريق، فمن شرب منه فسيعتبره خارج الجيش ولا حاجة له به، إلا من يغترف بيده أو يشرب الماء بقدر كف يده، فلا بأس.. وكانت المفاجأة. انكب الكثير من الجيش على الماء يشربون شرب الهيم، فخالفوا بذلك الفعل تعليمات قائدهم، وبالتالي لم تنجح الغالبية في الاختبار، حيث قال بعض المفسرين بأن عدد من شرب من الجيش بلغ قرابة ستة وسبعين ألفاً من مجموع ثمانين ألفاً هم كل جيش طالوت. 
لم تبق معه سوى فئة مخلصة صادقة، التزمت بتعليمات القائد، فتيقن حينها بأنه بهذه الفئة القليلة المخلصة سيتمكن بإذن الله من تحقيق الإنجاز المطلوب بهم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.. ولقد كان من بين الفئة القليلة تلك، نبي الله فيما بعد، داود عليه السلام، الذي قاتل تحت راية طالوت، فكان له شرف قتل عدوهما جالوت.

  الشاهد من الحديث أن الإخلاص في العمل وصحة أساليب التنفيذ، مع علو الهمة نحو تحقيق الهدف والتوكل أولاً وأخيراً على الله، هي عوامل أساسية رئيسية لتحقيق أي نصر أو إنجاز، وهي قد توافرت في الفئة القليلة التي مكثت مع طالوت، فكان النصر..
قانون كوني دقيق. من التزم به انتصر، ومن خالفه خسر.

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أربعـون يوماً بلا وسائل تواصل !!


    
   تكملة لما بدأنا به الحديث في المقال السابق حول موضوع وسائل التواصل وتجربة الانقطاع عنها رغبة لا رهبة، أواصل الحديث اليوم حول التجربة التي استوحيتها من حملة تقوم عليها الجمعية الملكية البريطانية للصحة العامة، التي بدأت قبل أيام في بريطانيا تحت شعار " سبتمبر بلا تصفح "، التي تستهدف متصفحي عدد من التطبيقات التواصلية التي استحوذت على اهتمام العالم لا سيما الشباب، وهي " تويتر، فيسبوك، انستغرام ، سناب شات ومعهم واتز آب"، واعتبرت ذلك الانبهار والانشغال بها أقرب الى الإدمان الذي يجب معالجته الآن وقبل فوات الأوان..

ولأننا نعيش زمن الثورة المعلوماتية والاتصالاتية، ولأن القوة العسكرية لم تعد معياراً وحيداً دالاً على قوة أي دولة فقط، من بعد أن تم إضافة السيطرة على وسائل الاتصال ووفرة المعلومات كمعايير جديدة، صارت القوى الكبرى تبعاً لذلك تتسابق فيما بينها للهيمنة عليها وأن تكون ذات اليد العليا في ميادين الاتصال والمعلومات.. وصارت برامج التواصل ضمن أدوات ووسائل تلك القوى للهيمنة على العالم، وهذا يفسر لك سر مجانية تلك الخدمات، رغم أن المجانية في عالم رأسمالي متوحش، لا معنى ولا وجود لها. إذ أن الرأسمالية لا ترى الإنسان سوى عملة نقدية متحركة أو هدف تجاري متحرك. وتبعاً لذلك صرنا أشبه بفئران تجارب، نقوم طواعية وعن طيب خاطر، بتجربة ما تريد تلك القوى التي تقف وراء انتاج وإدارة تلك البرامج.   

·       من المستفيد من برامج التواصل؟  
 عودة لتجربة الابتعاد عن برامج التواصل الأساسية التي قاربت على الأربعين يوماً، وهي المدة التي يُقال إنها كافية لاكتساب عادة جديدة أو التخلص من عادة سيئة، وجدتُ أن لهذه البرامج التواصلية دون شك ايجابياتها الكثيرة، لكن في الوقت ذاته تحمل بالمثل الكثير من السلبيات أيضاً، وهي معروفة للجميع ويمكنك عبر محركات البحث في غوغل الحصول على سلبيات وايجابيات تلك البرامج، حيث لا أجد ضرورة لتكرارها هنا، بقدر ما أجد بعض الأهمية للحديث عن انطباعات وقراءات ومتابعات قمت بتدوينها خلال فترة المقاطعة الاختيارية.. منها أن التصدي لهذه الثورة الاتصالية والمعلوماتية الحاصلة الآن، هو أمر غير حكيم البتة، لأنها صارت حقيقة من حقائق العصر، وإن ما يحدث الآن هو أشبه بسيل جارف لا يمكن الوقوف أمامه، ولكن يمكن مسايرته ومحاولة استثمار قوة اندفاعه بصورة وأخرى من صور الاستثمار، بدلاً من الارتهان التام والاستسلام له وتركه يجرفنا إلى حيث يسير، وهو بالطبع لا يسير على هواه، وإنما ضمن برمجة معينة وخط سير محدد ستصب نتائجها في صالح أجهزة أمنية واستخباراتية للقوى الكبرى بالإضافة للشركات عابرة القارات، التي تبحث زيادة أرباحها كل دقيقة، هنا أو هناك ..

·        إدمان النت مرض نفسي 
 لقد بلغ الإدمان على تلك التطبيقات درجة، صارت بعض الدول مثل الصين وأستراليا وإيطاليا واليابان، تعترف وتقر بأن إدمان الانترنت لاسيما على تلك التطبيقات هو مرض نفسي، فيما تعترف كوريا الجنوبية بأن إدمان الانترنت قضية صحية عامة تحتاج إلى تلقي العلاج بالمستشفيات الحكومية، فيما لا تزال القضية مدار نقاش وبحث في الولايات المتحدة.
توصلت دراسة نشرت في دورية (الكمبيوتر والسلوك البشري) إلى أن الأشخاص الذين يقولون إنهم يستخدمون سبعة أو أكثر من منصات التواصل الاجتماعي، يكونون أكثر عرضة لمستويات مرتفعة من القلق بنسبة تزيد على ثلاثة أضعاف، مقارنة بالأشخاص الذين يستخدمون منصة أو اثنتين من منصات التواصل الاجتماعي، أو الذين لا يستخدمونها مطلقا.
   من طرائف هذا الموضوع، أنه في الوقت الذي يصرف الأمريكي مثلاً مبلغ 800 دولار لشراء هاتف، تجد الكثير من العائلات الأمريكية تصرف حوالي 90 ألف دولار لجعل أبنائهم بعيدين عن تلك الهواتف.. فقد افتتحت في وادي السليكون بالولايات المتحدة منذ سنوات خمس ماضية، الكثير من المصحات والعيادات التي تقدم علاجات لمرض (إدمان الانترنت) في ذات المكان الذي تجد فيه كبرى شركات التكنولوجيا في العالم مثل آبل وتويتر وفيسبوك وغوغل وغيرها !     

·       تقييم سريع للتطبيقات
بعد أربعين يوماً من تجربة الانقطاع عن وسائل التواصل، وجدت أن أكثر التطبيقات إزعاجاً ولا تجد خصوصية فيه، هو تطبيق "واتز آب" ، وخاصة لو كنت مشاركاً في أكثر من مجموعة.. أما التطبيق الأكثر جلباً للتوتر وسوء المزاج واكتساب سلوكيات غير طيبة مع الوقت، هو دون منازع تطبيق " تويتر" ، فيما تطبيق " سناب شات" صار رمزاً لتضييع الوقت ووسيلة للتكسب والشهرة السريعة قصيرة الصلاحية، كالفقاعات الصابونية التي لا تستمر طويلا.. ويبقى تطبيق انستغرام هو الأهدأ وإن بدأ يتحول مع الوقت إلى منصة تجارية للبيع والشراء، فضاعت مهارات وفنون التصوير ورصد اللحظات الجميلة بين حسابات ودعايات المطاعم والملبوسات ومكاتب الأفراح والأزياء وغيرها ! ويستمر بالطبع التطبيق العملاق " فيسبوك " في جمع المعلومات عنك وعن أصحابك ومهاراتك وهواياتك وميولك ومزاجك، والتي تقدمها للتطبيق مجاناً وطواعية !
·       كن أنت المسيطر لا العكس
   إذن كما رأينا التناقض في وادي السيليكون الأمريكي، ووجدنا من ينتج الوسائل الإلكترونية التي تجلب معها مشكلاتها والتسبب في الإدمان عليها، وفي الوقت ذاته وجدنا في المكان نفسه من يعالج آثار الإدمان على تلك الوسائل.. كل ذلك يشير بوضوح إلى أن المشكلة ليست كامنة في تلك الوسائل أو البرامج بقدر ما هي كامنة في المستخدم نفسه أو نفسها، وهذه هي النقطة الأساسية التي أردت الوصول إليها في خاتمة هذا الموضوع.  
   الإنسان هو من بيده أن يعيش في صحة وعافية، ومزاج راق وأعصاب هادئة، أو يهلك نفسه بنفسه ويتعرض لتوترات واكتئابات واحباطات وغيرها من مشاعر، تدمر وتستهلك طاقة الإنسان أكثر مما تبني وتعطي.. هذه الوسائل التقنية التي بين أيدينا، وإن كانت تعمل لحاجات في نفوس صانعيها ومديريها ومروجيها، فإنها يمكن أن تكون وسائل مفيدة إيجابية إن أحسن أحدنا التعامل معها والسيطرة عليها، لا أن تسيطر هي علينا، وهو الحاصل اليوم مع الغالبية العظمى من المستخدمين حول العالم، وهذا ما استدعى دولاً كثيرة للتحرك عبر مؤسساتها المتنوعة والتدخل والانتباه الآن وقبل فوات الأوان، باعتبار أن العالم حديث عهد بالإنترنت وبهذه الوسائل التواصلية، وأنه ليس من الحكمة ترك الأمور على عواهنها، بحيث يسيطر أصحاب تلك الوسائل على أفئدة وألباب المستخدمين كما الحاصل اليوم.  يجب الدعوة إلى ضرورة استخدامها بوعي وحكمة ومهارة أيضاً، فإن لم نتنبه للسلبيات والمؤثرات الضارة التي بدأت تخرج للعلن بسبب الإدمان على الانترنت وملحقاته، والإفراط في الاستخدام، فإن الأمر سيبدو غامضاً وربما مخيفاً بعد قليل من الدهر يمضي..
   لكن رغم كل هذا، لا يمكن القول بأن وسائل التواصل غير مفيدة، بل يمكن عبرها تحقيق الكثير من الإيجابيات، ولن يقع هذا إلا بشرط التقليل من السلبيات. وهذه هي المعادلة الرياضية المطلوبة. التوازن فالتوازن ثم التوازن في الاستخدام، فكل شيء زاد عن حده، انقلب ضده كما تقول العامة.
·       آخر سؤال..
قد يسأل سائل: ماذا استفدت من التجربة وماذا خسرت؟ لا أخفيكم سراً أني واجهت بعض الصعوبة في الأيام الأولى من الانقطاع عن هذه البرامج. لكن مع العزم والإرادة وشيء من الصبر، بدأت التحرر التدريجي من سيطرة تلك البرامج على وقتي وتفكيري، بل وجسمي كذلك. قد أكون خسرت " التواصل الشبحي " مع الأصدقاء والمعارف عبر الواتز آب وتويتر مثلاً، لكن بالمقابل بدأت أجني مكاسب السيطرة على الوقت، حيث قرأت قرابة ثلاثة كتب في فترة الانقطاع، واستمعت للكثير من الدروس القيمة عبر تطبيق " بودكاست " وجدول النوم صار أفضل من السابق، وآلام الرقبة والكتف اختفت، ومجال الحركة توسع وازددت نشاطاً، واكتشفت كذلك بأن التحدث إلى العائلة والأقارب والأصدقاء بكل جوارحك أمر ممتع جميل، بدلاً من الجلوس معهم جسمياً، فيما ذهنياً تكون منشغلاً بآخرين..
   لن أظل أسرد الإيجابيات. لكن أدعوك فعلاً إلى التجربة واكتشاف الأمر بنفسك.. ولك أن تتابع قبل التجربة، هاشتاق بريطاني نشط حول الموضوع نفسه (#ScrollFreeSeptember  ) لترى مدى التفاعل الحاصل من الانجليز مع حملة المقاطعة هذه، ولتبادر أنت أيضاً. فلن تخسر شيئاً بإذن الله.. جرب ولن تندم.