الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

قبل أن نقول بحسرة: يا ليتني قدمتُ لحياتي


    آيات كريمات من سورة الفجر، تصور لك مشهداً من مشاهد يوم القيامة، حين يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى.. تراه يردد قائلاً (يا ليتني قدمت لحياتي) .. هذا الإنسان - كما جاء في تفسير ظلال القرآن، الذي " غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء، والذي أكل التراث أكلاً لمًّا، وأحب المال حباً جمًّا. والذي لم يكرم اليتيم ولم يحضُّ على طعام المسكين. والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى.. ولكن لقد فات الأوان وأنَّى له الذكرى؟ ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً ! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا ! وحين تتجلى له هذه الحقيقة، يقول ( يا ليتني قدمت لحياتي ).. يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا. فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة. وهي التي تستأهل الاستعداد والتَّقدِمةَ والادخار لها. يا ليتني.. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة".
  حين يردد ابن آدم - الذي قد يكون أيَّ أحدٍ منَّا - تلك العبارة بحسرة وندم وألم، فإنما يرددها من بعد أن يرى حقيقة الحياة الخالدة، التي لم يقدم في حياته المؤقتة القصيرة هذه التي نعيشها، لما يجب الإعداد له وتقديمه لتلك الحياة الحقيقية الدائمة   .


   من الخبرات الحياتية التي يتعلم منها المرء كلما تقدم به العمر، أن الفرصة التي تأتيك في لحظة زمنية معينة، ربما لا تأتيك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى، وبموجب ذاك المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة من فورها واستثمارها أفضل استثمار.. وهل حياتنا الدنيا المؤقتة هذه سوى فرصة، يُحسِن استثمارها من يحسن، ويسيء من يسيء.
 ضمن سياق الفرص التي نتحدث عنها، يمكن القول إن رمضان هو أحدها أو إحدى المنح الربانية التي يكرم الله بها عباده، والحكيم الحصيف والذكي الفطن هو من ينتهز فرصة صحته وقوته حالما يرزقه الله بلوغ رمضان.
هذا الشهر إنما أيام معدودات، فما إن يبدأ حتى يبدأ عدّاد الرحيل بالاشتغال. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لتذكير وتنويه، لكن ما يحتاج للتنويه والتذكير هو أنه لا أحد يضمن لك الحياة أو الصحة والعافية والقوة لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم، بعد أكثر من ثلاثمائة وستين يوماً، ولعل هذا هو سر الدعوة إلى انتهاز كل لحظات هذا الشهر، واستثماره للغد الحقيقي، حتى لا يصل المرء إلى اللحظة التي يضطر حينها أن يردد عبارات الندم والحسرة على ما فرط وضيّع.

  إنه من قلة الحيلة والحكمة، إهدار الوقت في رمضان وعدم استثماره بالشكل الأمثل، فإن رمضان ما إن يبدأ حتى يعمل توقيت ساعته تنازلياً وبسرعة لا تفهمها، نعم قد يستشعر البعض ثقل أوقاته في البدايات، ولكن سرعان ما يعتاد المرء على النظام خلاله، فيبدأ التكيف مع الظروف، لكنه يفاجأ أنه دخل العشر الأواخر، وبعدها بقليل يجد نفسه أمام التلفاز في برنامج عن هلال شوال ينتظر خبر الرؤية!
    هكذا رمضان، كما الفرص الثمينة التي تلوح لنا في حياتنا فجأة، والتي إن لم نستثمرها بالسرعة المناسبة والشكل الأمثل، فإنها تذهب سريعاً وتختفي، لتبقى الندامة والحسرة بعدها! فمن يرضى أن يتعامل مع رمضان بهذه الصورة؟ 
في الحديث، نجد سيد الأولين والآخرين يحثنا على المسارعة إلى فعل الخيرات، قبل أن تلهينا شواغل الدنيا وما أكثرها: "بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا“، ويقول الحسن البصري رحمه الله: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره

    إن المسارعة إلى فعل الخيرات من أخلاق المؤمنين الصادقين ومن طبائعهم، وإن مثل هذه الأعمال إنما دلالة على رجاحة في العقل وسلامة في القلب، وحتى لا نطيل في الكلام أكثر، نقول بأن كل أحد منا سيأتي ويقابل جبار السماوات والأرض وحيداً منفرداً. لا شفيع ولا وسيط. سينظر سبحانه إلى أحدنا وما قدمت يداه، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أو يحكم في خلقه ما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحدا.
 لابد أن ندرك أيضاً بأننا كتلٌ حية متحركة تحمل الذنوب والآثام، مثلما الخيرات والحسنات، ووجودنا مؤقت في حياة قصيرة جداً، والأهم من كل ذلك أننا على موعد أكيد مع الله، وهو ما يدعونا إلى التدرب على الانعزال بين الحين والحين، والتفكر ليوم الانعزال والانفراد ذاك مع الله.. تلك العزلة التي لا نتمنى أن نخرج عنها إلا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأخذ بأيدينا إلى تلكم الجنة التي عرضها السموات والأرض، ندخلها ونستمتع إلى أصوات خزنتها وهم يرددون ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ).

ترامب إذ يعـيد تاريخ الأندلس !!



    دولة الأندلس كانت عظمتها في وحدتها وتماسك جميع أطرافها وتجمعها تحت راية واحدة وحاكم واحد وشرع واحد، ونتج عن ذلك حضارة رائعة راقية.. لكن مع الزمن وشيوع الرخاء والتساهل في التعامل مع الأخطار الداخلية والخارجية المحيطة والمتربصة، وفي الوقت ذاته غلبة الطمع في نفوس البعض من المتنفذين، والجري وراء شهوات الاستئثار بالكراسي والخيرات تحت وابل من المبررات والأعذار، وصل الحال بالدولة الواحدة إلى أن تتفتت لتصل إلى أكثر من عشرين دولة..    

  هذا الانقسام الشديد لدولة الأندلس، ساعد المتربصين بها على الانفراد بكل دولة. وبدأ عهد الدخول في أحلاف ومعاهدات حماية مقابل الجزية، فكنت تجد كل دولة وقد بدأت تدفع الجزية لدولة نصرانية قريبة لأجل الحماية أو الدعم للإغارة على دولة شقيقة جارة، وهكذا تشتت مسلمو الأندلس إلا ما رحم ربي وقليل ما هم، وكان أبرز الصامدين أمام هذا التشتت والفرقة والخنوع والذل لممالك النصارى في تلك الفترة، المتوكل بن الأفطس حاكم دولة بطليوس، الذي رفض دفع دينار واحد للفونسو السادس ملك قشتالة، الذي بنى مملكته ووسعها بفضل أموال الجزية التي كان يدفعها ملوك وأمراء الطوائف في الأندلس له مقابل الحماية. وتحالف المتوكل مع يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين الشجعان، الذي وقف وقفة صارمة ضد ملك قشتالة الانتهازي، الذي لم يتوقف عن ابتزاز أمراء الطوائف ويمنّ عليهم بمسألة الحماية، وفي الوقت نفسه كان متربصاً بالجميع، ينتظر الزمن المناسب للقضاء على كل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة في أسبانيا..


وهكذا بين شد وجذب، انتهت حضارة الأندلس. ولمن أراد الاستزادة، أنصح أن يقرأ أو يستمع للدكتور راغب السرجاني حول تاريخ بلاد الأندلس من عهد عبد الرحمن الداخل حتى عهد أبي عبد الله محمد الثاني عشر من بني الأحمر، آخر ملوك الأندلس الذي رحل عنها وقد باع كل ما يملك لينهي بذلك قصة حضارة إسلامية رائعة ضاعت كغيرها من حضارات إسلامية هنا وهناك.
  
 التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي بمعية الرئيس الفرانكفوني أثناء زيارته لواشنطن، حول الدول الثرية بالشرق الأوسط ووجوب دفع تكاليف وجود القوات الأمريكية هناك، وأنه لولا الأمريكان لسقطت دول خلال أسبوع وغير ذلك من تصريحات ترامبية إعلامية غير منضبطة ومثيرة كالعادة، تجعل المرء يستحضر ويتأمل صفحات من تاريخ الأندلس، وكيف أن التاريخ يعيد نفسه فعلاً.. فما الفرق بين ملك قشتالة وترامب؟ لا شيء. كلاهما واحد. كلاهما دخلا عالم الابتزاز والاستغلال، والظروف تشابهت بين الماضي والحاضر.
    
   ملك قشتالة وملوك نصارى آخرون أقوياء، كانوا يعيشون بين عشرين دولة أو إمارة مسلمة. كل واحدة منها تتودد إلى هذا أو ذاك لحاجات في النفوس، فكان أولئك الملوك يقابلون ذاك الود والتقارب بالمال.. بمعنى أوضح: أعطونا دراهمكم نعطيكم ودنا وحمايتنا.. وهكذا أنهكت العطايا وأموال الجزية تلك الدول، فيما كانت تساهم تلك الأموال في اقتصاديات قشتالة وغيرها من ممالك النصارى فكانت تقوى أكثر وأكثر.. وهذا هو عين ما يقوم به ترامب وغيره من زعماء النصارى اليوم، مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما..
   
  رجل الأعمال الثري ترامب، والذي بقدرة قادر أصبح زعيم أقوى امبراطورية بشرية تعيش الآن، يتعامل مع نظرائه زعماء ورؤساء العالم كما لو أنهم مجموعة رجال أعمال أو مستثمرين أو زبائن. المال أولاً وثانياً وأخيراً. هو يبحث عن كيفية دعم خزينة دولته، بغض النظر عن الوسائل، فالغاية تبرر الوسيلة عنده وعند غيره كثير.. والابتزاز الذي يمارسه حالياً مع السعودية وغيرها من دول الخليج، إنما هو وسيلة من وسائل جمع المال، وهي وسيلة لا تبدو أن لها نهاية، ولا أرى كذلك رداً حاسماً حازماً من الطرف الخليجي، الذي بعثرته الخلافات وسهّلت على أي مبتز أجنبي، الانفراد بهم دولة دولة، واستغلال ما يمكن استغلاله، في مشهد أندلسي عجيب يكرر نفسه بعد أكثر من ألف عام!
     
  في هذا السياق، لا يمكن غض الطرف عن موقف مخز وكدليل على ما تفعله الفرقة والخلافات غير المبررة بدول الخليج، أن تجد ترامب يعلن من واشنطن ضرورة قيام دول شرق أوسطية بدفع تكاليف وجود القواعد العسكرية الأمريكية الحامية لها، فيقوم عادل الجبير من الرياض مقام الشارح الأمين لحديث ترامب، كما لو أنه المتحدث الرسمي للبيت الأبيض، ويطالب قطر بدفع تكاليف وجود القوات الأمريكية بسوريا ، لأن " النظام القطري " سينهار لو قرر ترامب سحب القاعدة العسكرية من قطر، في مخالفة واضحة لأبسط قواعد الدبلوماسية، التي أضاع الجبير بوصلتها منذ بدء الحصار الفاجر على قطر..
  
   خلاصة ما يمكن قوله في هذا الاستحضار السريع لتاريخ يكرر مشاهده من جديد، هي أن الفُرقة الضاربة جذورها في عمق العلاقات الخليجية، لم ولن تأت بخير على المنطقة. وما ابتزاز التاجر ترامب المستمر لدول الخليج، إلا إحدى ثمرات هذه الفرقة وهذا الخلاف غير المبرر. الابتزاز الأمريكي الفاضح، فتح شهية آخرين لممارسه الفعل نفسه، وقد بدأ البعض فعلاً والبقية في الطريق، كما لو أن ملك قشتالة وملوك النصارى الآخرين عادوا في صور ترامب وماكرون وغيرهم، يعيدون المشهد الذي كان مع ملوك وأمراء الطوائف في الأندلس، ليكون مع الخليج المتفرق.. ابتزازهم مستمر، وخلاف الأشقاء مستمر أيضاً، بل ويتعمق بصورة لا مؤشرات دالة على قرب نهاية سليمة لها، ما لم يخرج متوكل جديد يرفض هذا الابتزاز، يتعاون مع يوسف بن تاشفين جديد يقف وقفة الرجال معه ضد كل مبتز أجنبي، لا يرى الخليج سوى بنوك متحركة لا أكثر من ذلك..

فمن سيكون هذا المتوكل ومن هو بن تاشفين؟    

سيأتي قوم يتكلمون فلا يُرد عليهم


      بعد أن تولى أبوبكر الصديق الخلافة، قام وخطب خطبة بليغة قصيرة قال من ضمن ما قال: "فإني قد وُليتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة".

   الشاهد من الخطبة البليغة تلك والتي استقطعنا بعضاً منها فقط، هو أن الصديق رضي الله عنه، الذي تربى على يد خير المربين والبشر، ألقى الخطبة وكله ثقة في أنه لن يخرج عن تعاليم المدرسة المحمدية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وما يساعده على ذلك أن من يتولى أمرهم وشؤونهم، على مستوى من الفهم كبير، بحيث يقدر أي أحد منهم تصحيح أي خطأ قد يقع فيه. وبالتالي أدرك أبوبكر أنه يدير خريجي مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وفيهم من هو ربما أعلم منه في الدين وأحفظ لكتاب الله وسنّة رسوله.

  كما يمكن الاستنتاج من خطبة الصديق رضي الله عنه هو تواضعه العظيم، وهو من هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه: "أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي". رغم هذه المنزلة التي كان عليها عند خير البشر، لم يتجبر ويتكبر أو يدع للغرور منفذاً إلى نفسه، بل قال: "فإني قد وُليتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني". 

  على المنوال نفسه، نجد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قام في يوم جمعة، وخطب فقال: إنما المال مالنا والفيء فيؤنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا.. فلم يرد عليه أحد. فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد. فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا، بل المال مالنا والفيء فيؤنا، ومن حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا.. فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على كرسي الحكم، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس، إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد، وفي الثانية فلم يرد عليَّ أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله – وأشار إلى الرجل – وقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: سيأتي قوم يتكلمون، فلا يُرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما ردّ هذا علي أحياني، أحياه الله، ورجوت ألا يجعلني الله منهم.

    ما جرى مع معاوية قد سبق أن حدث مع أبي بكر وعمر بن الخطاب بصورة وأخرى، حين كان الصحابة لا يتأخرون لحظة في انتقاد أي أمر ليس فيه نص من القرآن أو لم يقل به الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان الأمر أو الفعل من طرف الخليفة نفسه، يواجهونه في الطريق أو المسجد أو البيت إن استدعى الأمر، وبالمقابل كانت ردود أفعال الخلفاء يومها طبيعية جداً، لا تعصب ولا تشنج ولا نفور من المنتقدين، ولا اعتقالات سياسية أو تغييب في غياهب السجون سنوات طوالا. وهكذا استمر الوضع على ذاك النهج حيناً من الزمن.

    إن أي مسؤول أو زعيم كبير اليوم، من الغرب والشرق على حد سواء، يمكنه أن يقول بمثل ما قال أبوبكر، لكن بشرط أن يكون هذا المسؤول أو الزعيم على نهج أبي بكر أولاً ولا أقول بمستوى أبي بكر، ومن ثم يكون هذا المسؤول أو الزعيم على درجة من الصدق وصفاء الباطن والظاهر، ونظافة اليد من دماء وأموال الناس، ما يستطيع أن يقول بثقة أنه ليس بخير الموجودين، حتى يكون مسؤولاً عليهم أو زعيماً لهم. ويمكنه أن يطلب منهم كذلك وبكل ثقة، أنه إن حاد عن جادة الصواب، تقويمه دون خشية أو وجل، ونختم الموضوع بقصة عن الفاروق عمر رضي الله عنه، حيث كان بينه ورجل كلامٌ في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من الحاضرين: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فقال عمر: دعه فليقلها. نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها.

   بهذه النوعيات من القادة والمسؤولين، والشعوب التي كانت لا تخاف في الله لومة لائم، تقول الحق في وجه الزعيم قبل غيره، ترقى الأمم والدول. وبمثل هؤلاء وصل الأولون من هذه الأمة إلى ما وصلوا إليه، وبفقدان تلك النوعيات شيئاً فشيئاً، وصلت الأمة إلى ما هي عليه اليوم، دون دخول في كثير شروح وتفصيلات.

الباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك


  حين تقرأ آية ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً ) ستعلم بأن هناك ما هو أفضل وخير من المال والبنين، وهي الباقيات الصالحات وحولها قال بعض المفسرين بأنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فيما قال آخرون بأنها جميع أعمال الخير..  

   الخير الذي تقوم به هو الذي سيبقى في رصيدك الأخروي، فلا المال ولا البنون باقون معك أو عندك. نعم قد تستمتع بهما حيناً من الدهر يطول أو يقصر، ولكن مع انتهاء الأجل، ستتفرق الأموال والأولاد هنا وهناك، ولن تبقى معك سوى الباقيات الصالحات.

المسألة تحتاج إلى إيمان عميق متغلغل في القلب، لكي يقتنع هذا القلب بأن الباقيات الصالحات خير من البنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والأنعام والحرث وغيرها من متع ونعيم وزينة الدنيا.


  أنت تتحدث ها هنا مع قلبك أو نفسك حول أمور غيبية، تريد أن تقنعها بأفضلية تلك الغيبيات على المحسوسات المادية حولك، من تلك التي يتهافت الناس عليها ويبذلون الجهد في سبيل بلوغها وامتلاكها. فتجد نفسك في صراع مع نفسك التي بين جنبيك، وتجد صعوبات بالغة في إقناعها بذلك.

   المسألة صعبة لأن النفس البشرية ضعيفة الإيمان أو الخاوية منه، تجدها غاية في التعقيد وغاية في القسوة، وخاصة حين تأتي المسألة وفيها غيبيات أو مستقبليات. لكن الإيمان حين يتمكن من النفس، فلا شيء يمكنه أن يوقف تلك النفس من تصور المستقبل أو الآخرة، إن صح التعبير، واستشرافها وتمني خيراتها، والتي تكون الباقيات الصالحات هي أساس خيرات الآخرة وسعادة النفس حينها.

   الإيمان أساس حياة أي منا، وبدونه لا يمكن تفسير ظواهر كثيرة تقع أمامنا أو الاقتناع بها، لوجود المحسوسات حولنا والتي غالباً ما تكون قوية وذات تأثير بالغ على النفس، أكثر من الغيبيات غير المحسوسة كالباقيات الصالحات مثلاً، والتي بدون إيمان راسخ بالقلب، لا يمكن أن تكون مقنعة مقبولة.  

   أدري أن المسألة بحاجة إلى شيء من عميق التأمل والتفكر، وأحسبُ أن مثل هذه الأيام والليالي المباركة من أجمل وأفضل الأوقات لمثل هذه التأملات، وكل ما يمكن أن يحفز ويدعم الإيمان بالقلب.
فهل نفعل؟



  

لا تعاكس مشاعرك فتخسر

 يمر أحدنا بتجارب ومواقف حياتية متنوعة، يفشل في بعضها ويحزن، أو ينجح في أخرى ويفرح. يخسر في موقف ويربح في آخر، وهكذا يتنقل المرء منا بين تلك الحالات الحياتية المتنوعة المتغيرة في توافق مع طبيعية الحياة الدنيا المتقلبة. حزن وفـرح، صبر وغضب، جوع وشبع، صحة ومرض، وغيرها كثير ضمن قائمة طويلة لا تنتهي.
  
  بشيء من التفكر في هذا التغير المستمر لأحوالنا ومشاعرنا، سنجد أن الطريقة المثلى للتعامل معها هو التعايش مع كل حالة وبتلقائية، دون تكلّف أو تفاعل غير عاقل معها، أي لا إفراط ولا تفريط، أو بمعنى آخر، لا نحاول الوقوف طويلاً أمام كل حالة وما ينتج عنها من مشاعر ونكبتها، أو نفتح لها المجال إلى ما شاء الله أن يكون. لا هذا ولا ذاك إنما المطلوب هو القصد والتوسط في التعامل مع كل موقف، وفق تقدير حكيم عاقل.

   سيكون من الخطأ لو قام أحدنا بمخالفة شعور الحزن أو الفرح على سبيل المثال تجاه أي موقف حياتي، وقام يمارس فعل الضد معها. كأن يقاوم الحزن ويكبته بنفسه، أو لا يفرح لموقف سار.. إنه ها هنا يرتكب خطأ فادحاً واضحاً، لأنه يكون قد قام بعمل معاكس لعمليات حيوية طبيعية تنشأ داخل الجسم في العقل والوجدان، وأي معاكسة لتلك العمليات من شأنها إحداث تأثيرات سلبية غير محبذة، فيكون الخاسر هو هذا الجسم الذي يحوي كل تلك الأجهزة وكل تلك المشاعر والأحاسيس.. إن أجسامنا بما حوت من أجهزة دقيقة، تحتاج إلى كل عناية واحترام، وإن التعامل الإيجابي المحترم لها، تأثيره عميق وذات مردود إيجابي أيضاً، انطلاقاً من مفهومنا للوصية النبوية الكريمة:".. وإن لبدنك عليك حقا ".     
         

لاحظ معي حين تقول أحياناً (ضاق صدري) لأي سبب ما، فإن هذه الجملة ما تقولها إلا بعد جولة صراع مع مشاعر مختلطة تنتاب النفس، تكون السلبية منها هي الأقوى والأكثر سيطرة، فتخرج تلك الكلمات صادقة معبرة عما يجيش بالصدر، فيقول المرء: ضاق صدري.  
ضاق صدري مما سمعت من أخبار مؤلمة، وضاق صدري من كلمات جارحة سمعتها للتو من صديق، وضاق صدري لمشاهد حزينة لفقراء ومساكين، وضاق صدري لأني نمت عن صلاة مكتوبة، وضاق صدري لعدم بري بوالدي اليوم، وضاق صدري من تصرفات ولدي أو ضاق صدري من كلمات مسؤولي، وقائمة طويلة لا تنتهي من تلك التي تبعث على ضيق الصدر وكدره.
 
   يقول الأطباء بأن الكلمات التي قد تبعث على الانفعالات النفسية السلبية، تؤثر بشكل كبير على شرايين القلب، وإن كان الشخص صحيحاً قوي القلب. ومن هنا ربما جاءت مقولة ضاق صدري عند العامة، بسبب ما يحدث لشرايين القلب من تغييرات يشعر بها الإنسان على شكل ضيق وبعض الألم في الصدر، فتراه من بعد ذلك على الفور يبحث عن مكان مفتوح ليتنفس فيه بعمق، ربما كنوع من عمل لا إرادي بحثاً عن أكسجين نقي يملأ به صدره، ويريح قلبه وشرايينه.

    إن المحافظة على جسم صحيح لا يكون فقط بالغذاء الصحي، بل أيضاً بالغذاء الفكري أو النفسي السليم. إن السماح بدخول الغث والرديء من الأخبار والأحاديث والكلمات السيئة المحبطة والمحزنة إلى الذهن، أشبه بدخول الطعام والشراب غير الصحي إلى الجوف، والمؤدي بعد حين من الدهر لا يطول، إلى أمراض ومشكلات لا حصر لها.


   لنهتم إذن - ونحن نتحدث عن قوة المشاعر- بما يخرج من أفواهنا من كلمات تجاه النفس والغير. ولنهتم بتنقية أسماعنا وأبصارنا وأذواقنا من كل ما يربك الشعور العام لدى النفس، ويصنع مشاعر سلبية كئيبة محبطة. لنتفاءل بالخير كي ينعكس هذا التفاؤل على سلوكياتنا مع أنفسنا وغيرنا، لأجل أن تطمئن نفوسنا ومن حولنا. وليس هناك أفضل ما يستعين المرء به على ذلك سوى ذكر الله.. ألا بذكر الله تطمئن القلوب. 
 
   إن معاكسة النفس والضغط عليها أو مدافعة المشاعر، كلها تؤدي الى مرض العصر، الاكتئاب. وما من أحد إلا وقد هاجمه بصورة وأخرى وبدرجات متفاوتة، بحسب الظروف والمزاج والنفسية وقوة الإيمان واليقين.. فمنا من يقاومه كيلا يتطور ويقوى شأنه وأثره على النفس، ومنا من يستسلم له، فيذهب ضحية أوهام وأفكار ووساوس تنتهي به الأمور إلى أن يرى الدنيا سوداء قاتمة، وربما وجدته غير راغب في أداء أي عمل سوى البقاء وحيداً منعزلاً عن الناس والحياة بشكل عام..  وقد يتساءل أحدكم والحال هكذا عن الحل أو العلاج إن فاجأه الاكتئاب يوماً..  وأجد أن الحل يكمن في أمور بسيطة جداً قد نغفل كثيراً عنها لسبب أو جملة أسباب.

   أول وأفضل وأنجع العلاجات والحلول لمرض الاكتئاب هو الاكثار من ذكر الله، لأن به تطمئن القلوب. وقراءة القرآن حتى تزول غمامة الاكتئاب عن النفس، ولا يوجد أدنى شك في تأثير القرآن، مع أهمية مقاومة الأفكار المثبطة للمعنويات، وذلك عبر القيام بعكس ما توحي به النفس أثناء تأجج مشاعر الإحباط والكآبة، ومن ثم ضرورة الاختلاط بالناس الإيجابيين المتفائلين، وتجنب الانعزال السلبي أو مخالطة السلبيين والمتشائمين بأي طريقة، لاسيما وقت مهاجمة الاكتئاب للمرء منا.. 

    وفي الحديث:" دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له..