abdulla.emadi@gmail.com

الخميس، 23 مارس، 2017

حياة المخ بعـد الموت !

   قبل فترة قليلة، يكتشف فجأة عدد من الأطباء الكنديين أثناء وجودهم مع مريض فارق الحياة بغرفة العناية المركزة، أن النشاط العصبي للدماغ لم يهدأ لمدة عشر دقائق، رغم توقف كافة الأعضاء الداخلية للميت وأهمها القلب بالطبع، ووصفوا الحالة بأنها غير عادية وغير مفسرة من ذي قبل، الأمر الذي دعا مجموعة من الباحثين في جامعة ويسترن أونتاريو الكندية لدراسة النبضات الكهربائية في دماغ شخص متوفى، وعلاقتها بضربات قلبه بعد إزالة أجهزة التنفس عنه، حيث لاحظوا استمرار المخ في إطلاق موجات دلتا، حتى بعد أن توقف القلب وانخفض ضغط الدم الشرياني! ولقد لاحظ العلماء الذين أجروا اختبارات شبيهة على فئران تجارب، حين قاموا بقطع رأس فأر وفحص دماغه مباشرة، أن النشاط الكهربائي في دماغه استمر لمدة ثلاثين ثانية كما لو أن الفأر لازال حياً، وبالتحديد في منطقة الإبصار أو المسؤولة عن الرؤيا بالدماغ، مع ملاحظة أن هذا النشاط تضاعف إلى ثمان مرات عما كان عليه قبل موت الفأر!

  تفسيراتهم لتلك النتائج تنوعت، لكن انتهوا إلى خلاصة مفادها أن هناك شيئاً ما يحدث بالدماغ حين يكون الإنسان على حافة الموت أو ساعة الاحتضار، وهذا الشيء هو الذي يدفع الدماغ الواعي إلى مستوى عال من الإثارة والنشاط الزائد، الأمر الذي يُحتمل أن يكون ذاك النشاط غير الطبيعي، بسبب رؤى معينة أو أحاسيس محددة تصدر عن دماغ الميت ومرتبطة بواقع آخر يختلف كلياً عن واقعنا الدنيوي، أو إن صح التعبير، حياة أخرى غير الحياة الدنيا. إضافة إلى أن هذا الاكتشاف العلمي يعتبر أول دليل علمي مادي على وجود حياة ثانية للإنسان بعد الموت، وأول إضافة من نوعها بهذا المجال في تاريخ العلم الحديث.
  ربما لمن لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من الملحدين أو المشككين في بعض الغيبيات، تكون مثل تلكم الاكتشافات مفاجئة لهم، أو قد يعتبرونها كشفاً علمياً مذهلاً، ولكن لو سألت عنها أي مسلم، لم تلوثه فلسفات ومعتقدات غريبة عن الإسلام، لأجابك من فوره، أن موت الإنسان لا يعني نهايته، بل الموت هو محطة انتقال الروح من حياة إلى أخرى، هي ما نعرفها بحياة البرزخ، التي لا ندري عنها ولا قوانينها المادية والمعنوية شيئاً، سوى أنها حياة تنتقل الأرواح إليها من الحياة الدنيا بعد خروجها من الأجساد الطينية، وفيها نعيم وعذاب، لكن لا ندري كيفيتها ولا كنهها، إلى أن يقضي الله أمره، وتنتهي الحياة البرزخية أيضاً والانتقال إلى الحياة الآخرة..
   بالعودة إلى الاكتشاف العلمي الأخير هذا، سنزداد علماً أشمل وبالضرورة إيماناً أعمق عما نحن عليه، فيما يختص بلحظات الموت وما بعدها. لاحظ معي قوله تعالى: وَلَوْ ترى إِذ الظَّالمونَ في غَمَرَات الموتِ والملائكةُ باسطُو أيديهِم أخرِجوا أنفُسَكُمُ.. الى آخر الآيات، ستجد أن في الآية تفسيراً واضحاً لهذا الاكتشاف العلمي حول الدماغ ونشاطه الزائد بعد الموت بلحظات.. ذلك أن الإنسان في لحظاته الأخيرة تنكشف عنه الحُجب ويرى الغيب، ومن ذلك الغيب الملائكة الكرام، سواء كانوا ملائكة رحمة أم عذاب. ويرى حينها أموراً لن يستوعبها العقل الواعي بحساباتنا الدنيوية المنطقية، ولكن القلب العامر بالإيمان، وبكل تأكيد، لن يجد صعوبة في أن يستوعب ويقبل وربما ينتظر مثل تلك اللحظات، كما في عقيدتنا الإسلامية.

  إن ذاك النشاط الكهربائي الزائد للدماغ الذي يحدث في منطقة الإبصار بالدماغ، ربما له علاقة بلحظات خروج الروح من الجسد، والالتقاء بالملائكة الكرام ثم العروج الى السماء السابعة والنزول مرة أخرى إلى الجسد، وبقية القصة المعروفة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق، عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس ... الى آخر الحديث.
  خلاصة القول أن العلم الحديث يكتشف يوماً بعد يوم، دليلاً تلو آخر على صدق ما جاء به الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم، ويثبت بالأدلة المادية ربانية هذا الدين الحق، الذي يخسر من يبتغي غيره. ويثبت كذلك العدالة الإلهية في خلقه، حين جعل الدنيا محطة يختبر فيها البشر، يتمايزون فيما بينهم لحياة أخرى حقيقية خالدة، وأن الموت لا يعني فناء ونهاية كل مخلوق، كما زعم كثيرون منذ القدم، ولايزال آخرون على المنوال نفسه يسيرون ويعتقدون، وإلى يوم الناس هذا. بل الموت محطة انتقال من حياة إلى أخرى ليس أكثر..
                          فماذا يريد منكرو الغيب والحياة الآخرة، بعد هذا الاكتشاف العلمي البشري؟


الخميس، 23 فبراير، 2017

العالم أكبر من خمسة

  
  دون أدنى شك، العالم أكبر من خمسة.. فقد أصبح العالم اليوم أكبر وأقوى وأوعى عما كان عليه قبل خمسة عقود مضت. إنَّ العالم الذي اتفق على انشاء هيئة أمم متحدة وفق قوانين ومبادئ معينة، وتحت ضغط الحروب والمآسي التي شهدتها مساحات كبيرة من العالم ضمن جنون الحرب العالمية الثانية، وافق هذا العالم نفسه، على قرار الأقوياء في تلك الفترة، الذين أنشأوا الهيئة الدولية هذه.. أمريكا، الاتحاد السوفيتي، الصين، فرنسا وبريطانيا. وافقوا على القرار غير المنطقي ولا المقنع، لا قديماً ولا حديثاً. قرار منح تلك الدول الخمس، ميزة حق النقض أو الفيتو، ضد أي قرار أممي!

   ربما كان مقبولاً منح امتياز الفيتو لتلك الدول الخمس لدى نسبة لا بأس بها من الدول في تلك الفترة وما بعدها بسنوات، ولكن مع سقوط الإمبراطورية الشيوعية المتمثلة حينذاك في الاتحاد السوفيتي، وانحسار الشمس سريعاً عن بريطانيا العظمى وكذلك عن جارتها فرنسا، وصعود قوى دولية جديدة، صار لها  لها تأثيرها الواضح والقوي على الأحداث العالمية، كل ذلك أثار الانتباه في العالم مجدداً إلى هذا الامتياز غير المنطقي، وغير العادل  الممنوح لأولئك الخمس.

   الرئيس التركي أثار هذه المسألة عدة مرات، حتى صار شعاراً يرفعه وينطق به ويدعو إليه في كل محفل دولي. نعم العالم اليوم صار أكبر من تلك الخمس، أو على أقل تقدير أكبر من بريطانيا وفرنسا وروسيا، باعتبار أن ما كان يميز هذه الدول الثلاث، صارت أخريات اليوم تتميز بها وربما أكبر وأقوى، سواء كانت على مستوى القوة الاقتصادية أم العسكرية أم البشرية أم غيرها من قوى.
  
  هناك دول تستحق أن تدخل منظومة الفيتو، إن لم يتم إلغاءها، مثل الهند، اليابان، تركيا، البرازيل، ألمانيا، أو منح التكتلات الكبيرة مثل هذا الحق. لكن المنطق السليم العادل، ألا يكون لهذا الامتياز وجود بين الأمم، وإنما تكون علاقات الدول مبنية على مواثيق وعهود واتفاقات ليست أكثر، فيكون الكل سواسية في مناقشة أي أمر واتخاذ القرار بشأنه، دون أن تضيع الجهود والأوقات والأموال سدى كما الحاصل الآن.         
  
  إن هذا الامتياز غير السوي، أضاع حقوقاً لدول وبشر، وأعان ظلمة ومجرمي حروب وآكلي لحوم بشر، ومن الأسباب الرئيسية للظلم الحاصل في العالم، والفساد المنتشر. وإن مثل دعوة أردوغان لابد وأن تلقى تأييداً وترويجاً في العالم كله، تتبناه الحكومات المتضررة ومنظمات حقوق البشر وكافة الهيئات المعنية بمصلحة الإنسان.. مانحين أنفسنا أملاً في تغيير قادم بإذن الله، باعتبار أن دوام الحال من المحال تعززه الآية الكريمة ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ).


الأربعاء، 22 فبراير، 2017

دار أبي سفيان

  الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومعه عشرة آلاف صحابي يدخلون مكة من أبوابها المختلفة في مشهد عظيم انتظره المسلمون أكثر من عشرين عاماً. دخلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أشد ما يكون حرصاً ألا تُراق الدماء من الجانبين ويفسد المشهد المهيب.. لكن دخول مكة بهذه السهولة قد لا يخضع للأمنيات، إذ ربما هناك من مشركي مكة مَن لا يزال غير راض عما آلت إليه الأمور، ولا يريد الاستسلام سريعاً.. فما الحل؛ ورغبة خير البشر، ألا يُراق دم خلال عملية دخول المدينة المقدسة؟
  
   كان الحل الذكي في اقتراح العباس بن عبد المطلب على النبي الكريم، وتمثل في استثمار نفسية أبي سفيان بن حرب، العاشقة للزعامة والرياسة والبقاء في الأضواء، وخاصة أنه كان زعيم قريش يومها، وبيده قرار الحرب والسلم. 
فلما أسلم أبو سفيان، أكرمه الرسول الكريم بقوله:" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، فجعل داره ضمن مواقع أخرى آمنة تم تحديدها. فأسرع أبو سفيان بعد إعلان إسلامه الى مكة منادياً، بأن من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره، فهو آمن. وأخيراً من يدخل دار أبي سفيان فهو آمن كذلك. 

 استغرب كفار قريش من موقف زعيمهم، واستغربوا أكثر وهو يعلن داره موقعاً آمناً للاحتماء من جيش المسلمين، فما عساها دار أبي سفيان أن تفعل أو تستوعب المئات في مثل هذه الأزمة العصيبة؟ تركه الناس وذهب كل أحد إلى داره، ينتظر قرار الزعيم الجديد، عليه الصلاة والسلام، حتى صدر بعد قليل من الوقت، وكان العفو، حسبما جاء في قولته الشهيرة البليغة:" اذهبوا فأنتم الطلقاء ".

الشاهد من القصة، أن الحكمة تقتضي منك أحياناً كثيرة، استثمار الظرف الأنسب لتحقيق الإنجاز والانتصار، حتى لو كنت أمام معركة حربية أو غيرها من المعارك الحياتية المتنوعة التي ستخوضها. فليست القوة دائماً تأتي بأفضل النتائج وأقل الخسائر، وهكذا صارت الأمور مع مسألة فتح مكة.
  
 لقد استثمر النبي الكريم، تركيبة أبي سفيان الشخصية، فقرر الاستفادة منها في تجنب معركة، لابد أن دماءً كثيرة ستُراق، إن نشبت وحمي وطيسها، فلم لا يكسب المطلوب بأقل الخسائر؟ فكان ما كان من أمر أبي سفيان، وخرج المسلمون يومها بنصر عظيم دون خسائر تُذكر.. وهكذا هم القادة العظام في المواقف العصيبة، والأزمات الكبيرة،  وليس هناك من هو أعظم من قائدنا إلى يوم الدين، حياً وميتاً؛ عليه وعلى آله وصحبه خير الصلاة وأزكى السلام. 

الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

الضمائر الساجدة

في اليوم والليلة نسجد أكثر من ست وثلاثين سجدة في الفروض الخمسة المعروفة، نختمها بركعة وتر آخر الليل. وقد يزيد بعضنا بحسب اجتهاده في السنن الرواتب والنوافل وما شاء له أن يصلي.. في حال السجود يكون المصلي أقرب ما يكون إلى الله، حيث يُستحب الإكثار من الدعاء، مع حُسن الظن بالله واليقين التام أن الله يستجيب له، عاجلاً أو آجلا، بصورة أو أخرى.

إن وضعية السجود فيها مذلة وإهانة كبيرة للإنسان مهما تكن الدوافع والرغبات، إلا في حالة واحدة لا ثاني لها، هي السجود لله، سواء في الصلاة أو خارجها. إنك حين تسجد للخالق خاشعاً ذليلاً، وتسجد معك كل جوارحك، تشعر بلذة لا يمكن وصفها، ولا يمكن أن تجدها في غير الصلاة، أو في غير السجود للهوكان النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذا أحزنه أمر وضاق صدره لأي سبب، يفزع إلى الصلاة. فقد أمره الله من بعد أن ضاق صدره للبذاءات والإساءات التي كان يسمعها من المشركين بقوله -تعالى- "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين".
  ذهب المفسرون لهذه الآية إلى أن المراد بالسجود هنا الصلاة، وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، وذلك لأهمية هذا الجزء وهو السجود وفضله، كما جاء عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
  لا شك أنك ترى يومياً الكثير من الساجدين وقد سجدت جوارحهم في الصلوات، لكن لم تسجد ضمائرهم ونفوسهم المريضة. سجودهم ما هو إلا حركات رياضية ليس أكثر. فلا ضمير يهتز ويخشع، ولا نفس تحمد خالقها على نعمه الكثيرة على صاحبها. إذ تجد هذا الذي سجدت جوارحه في الصلاة ولم يسجد ضميره، قد ظلم هذا قبل الصلاة، ثم سيفتك بذاك بعد الصلاة. وهكذا يستمر في جبروته وإلحاق الأذى والضرر بعباد الله.
 لنكن أصحاب ضمائر تسجد خاشعة لله في الصلاة وخارجها، قبل أن تسجد جوارحنا. فأحدنا لا يدري ما يصل الله من دعوات وآهات من ظلمهم قبل صلاته ومن سيظلمهم بعدها. فما نفعُ الجباه الساجدة إذا كانت الضمائر فاتكة ظالمة؟


الأحد، 19 فبراير، 2017

الأنانية .. نهايتها أليمة

  مهما شرّقت وغرّبت وطالعت في تاريخ وسير الأولين، فستجد أن كثيرين من أصحاب النهايات الأليمة، على اختلافها وتنوعها، كان حب الاستحواذ على الأشياء، أو الطمع في ما عند الغير، أو أنانية في غير محلها، من أسباب نهاياتهم.

  قابيل، أحد أبناء آدم عليه السلام، نهايته كانت أليمة. الطمع في ما عند غيره، كان سببها الرئيسي، بل أول من ارتكب جريمة قتل نفس بريئة، حتى صار قدوة لكل قاتل، وصاحب سنّة سيئة إلى يوم الدين.. وقس على ذلك ما قام به جبابرة وأباطرة، وملوك وزعماء على مدار التاريخ، والى يوم الناس هذا، من تصرفات وأفعال دموية وحشية، أهلكت الحرث والنسل.

  سلوكيات أولئك البشر، إنما ترجمة حقيقية على أرض الواقع، لأطماع النفوس أو أنانية بالغة أو حب شديد للاستحواذ وامتلاك ما عند الغير، بصورة وأخرى، وإن كانت بغير وجه حق هي الصورة الغالبة، لأن التراضي وتبادل الأملاك والخيرات، لا تفرز عنها دماء تسيل ولا أرواح تُزهق.


  إن مرض الطمع أو الاستحواذ على ما عند الغير، أو تلك الأنانية البشعة المتمثلة في حب تملك الأشياء، ومنع الآخرين منها، إنما هي أمراض نشأت منذ الصغر لم يتم التنبه إليها مبكراً، بل ربما وجَدَتْ بيئات مشجعة أو داعمة لها بشكل وآخر، حتى إذا تضخمت وانتشرت بالنفس، صارت أمراضاً قلبية، الشفاء منها عسير والسيطرة عليها أمرها غير يسير، فتؤدي بصاحبها إلى نهاية غير سعيدة، كنتيجة أخيرة نهائية.

  ما انتشرت الحروب والصراعات بين البشر، سواء على شكل أفراد أو جماعات وأحزاب، وصولاً إلى الدول، إلا نتيجة مرض الطمع فيما عند الغير، أو حب تملك الآخرين، أو أنانية عميقة لا تحب الخير للغير.. ولأن البشر ما زال كثيرٌ منهم ينشأ على مثل تلك الأمراض، تجد الأزمات والمشكلات والحروب والصراعات مستمرة إلى ما شاء الله لها أن تستمر، ولا سبيل للخلاص من تلك الأمراض إلا عبر تعميق الإيمان بالله، الخالق العادل، وبحياة أخرى قادمة لا ريب فيها. سيأخذ فيها كل ذي حق حقه، ولا يظلمُ ربك أحدا.