الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 28 مارس 2019

وإن عُـدتم عُـدنا


 
   إنها سنّة الله في خلقه، لا تتبدل ولا تتغير. قانون إلهي يسري على كل خلقه، لا ينظر إلى دينهم وخلقتهم أو طبائعهم وثقافاتهم أو عاداتهم وأعراقهم، بل إلى أعمالهم فقط. وإن عدتم عدنا. هكذا جاءت الآية في سورة الإسراء أو بني إسرائيل - عند بعض المفسرين - ومن بني إسرائيل ننطلق في حديث اليوم.
  في الآيات الأولى لسورة الإسراء، نجد السنن الإلهية واضحة، حيث يخبرنا سبحانه عن حال بني إسرائيل من خلال هذه الآيات. أولئك القوم الذين اصطفاهم الله واختارهم من بين شعوب الأرض في زمن ما - وما زالوا يرددون أنهم شعب الله المختار- حيث كانوا يحسنون. يتبعون أنبياءهم ويسيرون على صراط مستقيم، إلى أن بدأت مشاعر الانحراف عن ذاك الصراط تتفاعل في نفوسهم جيلاً بعد جيل، ليأتي جيل العذاب أو الذي يستحق أن تتعامل السنن الإلهية معه. 

وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب، لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً.. في هذه الآية القصيرة، قصة بني إسرائيل الطويلة، وكيف كانوا حين البقاء على الصراط المستقيم وكيف تتبدل أحوالهم وتتغير حين الانحراف عنه.. فهكذا كانوا عبر التاريخ. يؤمنون ثم ينتكسون، ثم يؤمنون تارة أخرى ثم لا يلبثون إلا وقد انتكسوا من جديد، في دورة حياتية مشهودة مستمرة إلى يوم الناس هذا.. 
    لقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين - كما جاء في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب - وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون. وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد، سلط عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميرا.. ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً ) فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض المقدسة، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها. فيبعث الله عليهم عباداً من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب (وكان وعداً مفعولاً) لا يخلف ولا يكذب.  حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل؛ فرجعوا إلى ربهم، وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم. وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم، فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكن للمستضعفين من المستكبرين ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ) ..
ثم تتكرر القصة من جديد! 

  في التاريخ تجد قصتهم مع الملك البابلي "بختنصر" وكيف سفك دماءهم وسبى نساءهم وذراريهم واستولى على أموالهم سنين عديدة، حتى عادوا بعد سنوات الذل والمهانة إلى الله، فكان الله معهم. ثم انتكسوا تارة أخرى، فأهلك جالوت حرثهم ونسلهم حيناً من الدهر، ثم ما لبثوا أن عادوا لرشدهم، فهزموا جالوت ومن معه، ليستمر السيناريو نفسه فيذلهم فرعون سنين طويلة، حتى أعلى الله شأنهم باتباعهم نبي الله موسى فهلك فرعون.

   لكن هل صلح حالهم بعد ذلك؟ لا، بل عادوا سريعاً سريعاً إلى الضلالة، حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة.. وهكذا هم حتى قرأنا قصصهم في العصر الحديث ومآسيهم في أوروبا وخاصة على يد النازية، ومع ذلك لم يعتبروا. ها هم اليوم يعيثون في الأرض الفساد. تجدهم في كل مكان، أو تجد عملاءهم وأشباههم. الظلم والإفساد الذي يقومون عليه منذ عقود ستة مضت على أرض فلسطين، تشهد أنه لا عبرة ولا عظة من تاريخ أسلافهم.. بل إن قانون ( وإن عدتم عدنا ) قريب منهم، وسيبعث الله عليهم من يعيدهم إلى مربع الذل والهوان من جديد. وإن غداً لناظره قريب.

   لكن التساؤل المهم في هذا الموضوع الذي ربما يطرح نفسه ها هنا، يقول: هل القانون الإلهي الذي تحدثنا عنه في بداية المقال خاص ببني إسرائيل أو اليهود فقط، أم أنه يشمل آخرين؟ لا أشك لحظة أن الأمر عام يخص كل البشر، وإن أتى الله ببني إسرائيل كمثال على الإفساد والعلو وما بينهما من أحداث.. فهكذا أسلوب القرآن في ضرب الأمثال والحديث عن أخبار الأولين. هو للعبرة والعظة والاستفادة من الماضي لكي ينضبط الحاضر من أجل مستقبل مرغوب محمود.  

   حتى لا نبتعد كثيراً، أمة المسلمين لا تختلف في هذا الأمر أيضاً. لا أريد أن أتحدث عن أمم أخرى ها هنا، فما يهمني الآن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – إذ يوم أن كنا على الصراط المستقيم، كان الله معنا. نشرنا نوره ودينه في أرجاء الأرض. وحين بدأ الفساد والظلم يدب في مفاصل الأمة، برز القانون الإلهي فأصابنا ما أصابنا من هوان وذل نعيشه اليوم، دون حاجة لكثير شروحات وتفصيلات.

   إن عدتم عدنا. معادلة رياضية صحيحة واضحة لا ريب فيها. يوم أن نكون مع الله، يكن الله معنا. ويوم أن نبتعد عن صراط الله المستقيم، ونسير لاهثين نحو صراط المغضوب عليهم أو صراط الضالين، فالمؤكد أننا سنعيش تيهاً لا يختلف عن تيه بني إسرائيل.. أربعين أو سبعين سنة أو ربما أكثر من ذلك.. ألا يشهد وضعنا الحالي البائس خلال الخمسين أو الستين سنة الفارطة، على أن بوصلتنا ضاع مؤشرها بين الشمال والجنوب، أو الشرق والغرب، لا يستقر على جهة ما؟  
   لكن الأمر رغم سوداويته وقتامته، أجد أن الأمل قائم ومأمول في حدوث إصلاح وتغيير قادمين يشملان الأمة كلها بإذن الله، وإن حالتنا الراهنة لا يجب أن تدفع بنا ليسيطر اليأس على النفوس ( فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ). أضف إلى ذلك أن هذا الظلام الذي نعيشه سينجلي، بل لابد أن ينجلي بإذنه تعالى ( يقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).


الخميس، 21 مارس 2019

ما الجديد في مذبحة نيوزيلندا ؟

  
 أغلب من بدأ يومه الجمعة الفائتة بمتابعة الأخبار والأحداث، لا شك وقد صدمته حادثة دخول سفاح أسترالي معتوه مسجد النور في نيوزيلندا - أبعد دول العالم عن التجمعات البشرية - وإطلاقه النار على من جاءوا مبكرين لصلاة الجمعة من رشاش آلي، على غرار ألعاب الفيديو العنيفة، وقيامه ببث المشاهد الدموية المتوحشة مباشرة عبر منصة فيسبوك، ببرودة دم دنيئة وحشية.
   صدمتنا دون أدنى شك تلك المشاهد غير المألوفة إلا في العوالم الافتراضية، حيث ألعاب الفيديو العنيفة التي سنأتي على ذكرها في ثنايا هذا الحديث. كانت صدمة ذكرتنا بصدمات كثيرة عشناها ولا زالت أمتنا تعيشها، مثل مذبحة الحرم الإبراهيمي في تسعينيات القرن الماضي على يد سفاح صهيوني، أو المذابح الأكثر بشاعة في التاريخ الحديث تلك التي كانت على يد سفاحي الصرب أثناء حربهم على مسلمي البوسنة أواسط التسعينيات كذلك، بالإضافة إلى مذابح جماعية عديدة حول العالم بحق المسلمين، تقشعر منها الأبدان كلما بدأ المرء يتفكر فيها أو يتذكر بعض مشاهدها. 
   ما جرى في حادثتي المسجدين بنيوزيلندا، البلدة الهادئة والمشهورة بعزلتها وجودة الحياة فيها وتميزها بالتعليم الراقي، وسلامة بيئتها من الأحقاد والكراهية بين مواطنيها والمقيمين فيها، ليس بالجديد ولا المفاجئ. نعم، لم تكن الجريمة جديدة، لا لنا نحن المسلمين ولا لغيرنا من أمم وشعوب الأرض، باعتبار أن ما حدث هو نتيجة طبيعية لتوتر وشحن إعلامي وسياسي تعيشه مناطق عديدة في العالم ضد دين الإسلام والمؤمنين به، لاسيما في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية، مستفيدين من وجود آلة إعلامية إخطبوطية جبارة، سريعة التأثير والنفوذ والانتشار في ظل تقنية اتصالات متقدمة جداً.  

                                                 الإسلاموفوبيا ليست ظاهرة جديدة  

ما يسمى بالإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام، ظاهرة ليست جديدة على العالم الغربي، والتي ظهرت بداية في أوائل القرن العشرين (1910) حتى قاربت على التلاشي بعد ظهور كثير من الكتابات لمفكرين ومصلحين من الجانبين الإسلامي والغربي تقلل من شأنها. لكن قيام الثورة الإيرانية وتبعاتها في بدايات الثمانينيات (1980) من القرن الفائت، دفعتها للحياة مرة أخرى ليستخدمها كل من له مصلحة في مهاجمة الإسلام والمسلمين، حتى هدأت مؤقتاً أثناء الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي ( 1980 - 1989 ) لتعود سريعاً بعد أحداث سبتمبر (2001) وتشتد ضراوة إلى ساعة الناس هذه ! 

   الظاهرة إذن ليست بالجديدة منذ أن ظهرت وإلى يوم الناس هذا، لكن الجديد في جانبها الأول هو الدخول الأهوج المؤثر لرئيس أقوى إمبراطوريات الأرض اليوم وهي الولايات المتحدة، ليدعم بدخوله المباشر هذه الظاهرة، ويكون سبباً لتفعيلها وتأجيج نيرانها من جديد منذ أن قام بحملاته الانتخابية في (2016) وحتى بعد وصوله لرئاسة البيت الأبيض، واستمراره في تصريحاته التويترية وخطبه هنا وهناك والتي ما انفكت تهاجم وتحرض وتستفز مسلمي العالم، حتى صار ملهماً لكثيرين من أصحاب النزعات العنصرية المتطرفة من الأوروبيين البيض، الذين ما زالوا يعتقدون بتفوق وعلو العرق الأبيض على سائر أعراق وأجناس البشر!
 ألم يذكر السفاح الأسترالي إعجابه بالرئيس الأمريكي ترامب؟
 ربما إذن كان أحد أبرز الملهمين له.

   الفعل الإجرامي للسفاح الأسترالي المعتوه، هو نتيجة طبيعية لشحن منظم ممنهج مستمر في الإعلام الغربي - والأسترالي منه – ضد الإسلام والمسلمين، حتى ارتبط الاسمان بصور ذهنية غاية في البشاعة والسوء. ولا شك أن مثل هذا الشحن وهذه الصناعة الاستخباراتية المحترفة للصور الذهنية عن الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي بشكل عام، تؤدي بالضرورة إلى نشوء قناعات معينة لدى من عندهم تلك النزعة العنصرية وروح الاستعلاء على الآخرين، لتتجسد تلك القناعات على أرض الواقع، في شكل سلوكيات وأفعال غير قانونية وقبلها غير إنسانية. ولعل هذا هو الوصف الأمثل لما تقوم عليه الأحزاب اليمينية المتطرفة في عموم الغرب، وتحث أعضائها عليه بصورة وأخرى.

  ردود الأفعال الإسلامية الرسمية المحتشمة    

   مثلما أن ظاهرة الإسلاموفوبيا ليست بالأمر الجديد في الغرب، فكذلك كانت ردود الأفعال المحتشمة جداً للأنظمة الحاكمة في غالبية الدول الإسلامية، ليست بالأمر الجديد. فقد سئمت الشعوب المسلمة من ردود أفعال رسمييها الحكوميين. إذ لا تكاد تجد مواقف رسمية مسلمة في مثل هذه الأحداث يمكن البناء أو التعويل عليها، لصناعة أعمال مستقبلية إيجابية تحمي وتمنع أي تجاوزات وتعديات على الإسلام ورموزه المقدسة، وصولاً إلى أتباعه والمؤمنين به. وإن المثال الأخير الذي نتحدث عنه خير شاهد على ما نذهب إليه. إذ باستثناء التحركات التركية منذ اللحظات الأولى للجريمة، وقيامها بالمستطاع في حدود الإطارات القانونية الدولية، لم نجد أي تحركات منفردة أو تحركات جماعية عبر الكيانات المسلمة المتنوعة، سوى اللهم بعض بيانات إعلامية غالباً لا تسمن ولا تغني من جوع.


  التقنية سلاح ذو حدين 
  إن الجديد والخطير في الوقت ذاته لتأثيرات ظاهرة الإسلاموفوبيا - وهو الجانب الثاني منها - والتي فتحت جريمة المسجدين العيون عليها بشكل عميق، هو المدى البعيد الذي وصلت إليه التقنية في الاتصال والتواصل، حتى صارت مؤثرة على الأفكار والسلوكيات إلى درجة يُخشى منها مستقبلاً انفلات البشر عن القواعد المتفق عليها ضمنياً في تعاملاتهم مع بعضهم البعض، بل واحتمالية تحول البشر بعد حين من الدهر قصير، إلى وحوش تتقاتل في غابة كبيرة لا حدود لها.. فأن يقوم سفاح عنصري حاقد بعمل بث مباشر لعمليته الإجرامية، مستغلاً ومستفيداً من التقنية والمنصات الرقمية، هو الجديد والمخيف في هذه الجريمة، وربما المقطع الذي بثه وانتشر حول العالم في وقت قصير كانتشار النار في الهشيم، كان من أبرز أسباب الصدمة التي طالت الجميع، مسلمين وغيرهم ممن شاهدوه، حيث كان في اعتقاد الأغلبية وللوهلة الأولى أنه مقطع من لعبة افتراضية من ألعاب القتال الدموية العنيفة المنتشرة في العالم، التي يقبل عليها ملايين البشر من جميع الأعمار والفئات، في مشهد لا يبشر بخير للبشرية جمعاء.

   يمكن القول بعد هذا السرد، أن من بين أبرز العوامل التي ساعدت على شيوع الإسلاموفوبيا في العالم، هو هذا التقدم التقني الرهيب في الاتصال والتواصل بين البشر، وبعد أن صارت وسائل الإعلام إحدى المظاهر الدالة عليها وقوة تأثيرها في النفوس. والسفاح الأسترالي ما هو إلا نموذج لشخص عاش في بيئة كان لوسائل الإعلام الأسترالية دورها الكبير المؤثر في تأجيج الكراهية ضد الأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، حتى تشبعت النفوس وامتلأت حقداً وغلاً لكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة.. وأحداث المسجدين ستظل نماذج وشواهد على هذا الفعل غير السوي.

   ما لم تتعاون البشرية جمعاء في تفكير محدد يضبط هذا الاندفاع التقني، بحيث يتم توجيهه نحو صالح البشرية وأمنها واستقرارها، فإن الكراهية مرشحة للشيوع بين البشر، والعنف والجريمة تتعمقان أكثر فأكثر، وربما تصل البشرية بعد حين من الدهر غير طويل، إلى مرحلة تسيطر فيها (بلادة الحس والشعور) على الأفعال والسلوكيات، بحيث لا ترى الدماء إلا سوائل حمراء سرعان ما تتخثر وتتبخر، وما القتلى سوى كتل لحمية تُدفن لتأتي أخرى، في دوامة من عنف لا أحد سيعلم منتهاها، أو السبيل إلى إيقافها وعلاجها.. ( فنادوا ولات حين مناص ) .       

الأحد، 17 مارس 2019

لماذا الإمام البخاري ؟


 
 محاولات قديمة متجددة ومستمرة للنيل من الإسلام كدين بشكل عام، لكنها متعثرة. ورغم تعثرها، إلا أنها مستمرة بأساليب أخرى ومن جوانب وزوايا متنوعة. كان البدء بالدين ككل، ثم رمزه المقدس المتمثل في سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ثم بعده القرآن. ومع ذلك تجد نتائج المساس بثوابت ومقدسات هذا الدين، سواء كانت بيد أعداء الإسلام أو بيد من ينتمون إليه بصورة وأخرى، نتائج عكسية غير مرغوبة. بل إن الأرقام والأحداث في مجتمعات غير مسلمة تتحدث عن تحول ملحوظ إلى هذا الدين أو بحث عنه أو دراسته. 

  اليوم تتم إعادة محاولات قديمة لإحداث شرخ بين المكونات الصلبة لهذا الدين، القرآن والسنة، وذلك عبر التشكيك في المصدر الثاني للتشريع، السنّة النبوية. وحين نتحدث عن السنّة، فالصورة الذهنية الأولى الواضحة بذاتها تشير إلى صحيح البخاري، ثم من بعده صحيح مسلم وبقية كتب السنّة. لكن لماذا التركيز على الإمام البخاري وليس الإمام مسلم أو النسائي أو ابن ماجه والحاكم وغيرهم كثير؟

   وجد أعداء الإسلام ومن وضع يده بيدهم من أبناء المسلمين، مثل الليبراليين والقرآنيين وأدعياء العلم الشرعي ومن يسمون أنفسهم بالمفكرين أو الحداثيين، أن القرآن كتاب فوق النقد والتجريح والتشكيك، وأنه لا يمكن لأي مسلم قبول المس به، ما أدى للتحول نحو الهدف التالي وهو السنة النبوية، وأهم ما يرتبط بها - كما أسلفنا – هو صحيح البخاري، والذي إن نجحت محاولات التشكيك فيه، فإنه يعني صناعة فجوة أو هوّة بين القرآن والسنة، ما يؤدي بالضرورة إلى غياب الوسيلة التي بها يفهم المسلم العامي غير الدارس والمتبحر في علوم الدين، كتاب ربه. وإن عدم الفهم أو ضبابيته سيكون عاملاً مساعداً وداعماً لمحاولات تشكيك السواد الأعظم من المسلمين في دينهم ومعتقداتهم وقيمهم، وهي الفئة المستهدفة بالدرجة الأولى، باعتبار أن الدارسين لعلوم الدين أو المتبحرين في الشرع، لا يمكن تجاوزهم أو مواجهتهم والتشكيك بالسنة النبوية أمامهم.

   ولكن لماذا الإمام البخاري؟ 
   
  أجمع علماء الأمة قديماً وحديثاً بأن أصح كتاب في الإسلام بعد القرآن الكريم هو صحيح البخاري. قال عنه أبرز علماء الأمة قديماً، وهو الإمام النووي رحمه الله:" اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صحَّ أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظيرٌ في علم الحديث ".   
 وفي عصرنا الحديث يقول عنه الشيخ الألباني رحمه الله:" والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا عن غيرهما من كتب السنّة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الضعيفة والمتون المنكَرَة، على قواعد متينة، وشروط دقيقة، وقد وُفقوا لذلك توفيقاً بالغاً لم يُوفّق إليه مَن بَعدهم ممن نحا نحوهم في جَمع الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، حتى صار عُرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا. وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن. لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيءٍ من ذلك من بعض الرواة. كلا، فلسنا نعتـقد العصمةَ لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلاً… كل من شمَّ رائحةَ العلم بالحديث الشريف يعلمُ بداهة أن قول المحدث في حديث ما (رواه الشيخان) أو (البخاري) أو (مسلم)، إنما يعني أنه صحيح". انتهى.

  من هنا تأتي أهمية التنبه لأي تطاول أو هجوم على الإمام البخاري، باعتباره رأس علم الحديث الذي إن تم المساس به، بتجريحه أو النجاح في محاولات قطعه، فإنما هو قطع للوسيلة التي بها يفهم المسلمون قرآنهم ودينهم بشكل عام، ما يزيد من حيرة وتوهان غالبية المسلمين في مثل هذا العصر، الذين تكاثرت عليهم الأفكار والمعتقدات والمشروعات التغريبية والإلحادية وغيرها، من تلك التي تتم بصورة لا يمكنك التشكيك لحظة في أنها ممنهجة ووفق خطط مدروسة.

  لماذا التشكيك بالبخاري الآن؟
 الجيل الحالي بعيد عن الأحاديث النبوية، فلا المدارس تعطي السنّة الشريفة حقها، ولا وسائل الإعلام تقوم بدور مقنع في خدمة أحاديث الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -  وهذا الانفصال الواقع بين الجيل الحالي من المسلمين وبين سنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ساعد أصحاب حملات التشكيك والنيل من السنة المطهرة في أعمالهم، وأبرزها التشكيك في صحيح البخاري.

   إنه لأمر مؤسف أن تُفسح المنصات الإعلامية في الدول العربية وكذلك المنابر الثقافية، ليتحدث من لا يعرف ( كوعه من بوعه ) في علم الحديث، ويبدأ في التشكيك والنيل من الإمام البخاري وصحيحه، وهو من هو في هذا العلم. هذا الأمر، الذي تكرر مؤخراً من إعلاميين مسيسين، وأكاديميين في تخصصات بعيدة عن علم الحديث، وآخرين يزعمون أنهم أهل فكر وأهل حداثة، يحتاج إلى هبة ووقفة حازمة حاسمة من كل من له القدرة على التصدي لهم وبيان زيفهم وضلالاتهم.

   المؤسسات التربوية عليها الدور الأهم في هذا المجال، عبر إعادة الهيبة والاعتبار للحديث النبوي في مناهج التعليم، حفظاً وفهماً وتطبيقا. ولا يقل دور المؤسسات الإعلامية المختلفة عن التعليمية، والتخطيط لإنتاج مسلسلات وبرامج حول الإمام البخاري وبقية أصحاب السنن، على غرار مسلسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمجال مفتوح للإبداعات الإعلامية في هذا الأمر. أما المؤسسات الثقافية، فإنه يمكنها – كأضعف الإيمان- إدراج مسابقات حول الحديث النبوي على غرار مسابقات حفظ القرآن. والأمر مستمر ليصل إلى الدعاة وخطباء الجمعة، وأهمية بيان ما يحاك ويخطط ضد السنة النبوية، وضرورة توعية العامة بخطورتها وكيفية التصدي لها.. فهذه بعض مقترحات لا يسمح المجال هنا الاسهاب فيها، وإن كنت لا أشك في أن هناك الكثير والكثير مما يمكن القيام به في سبيل الدفاع عن نبينا وسنته المطهرة، ورجالات هذه الأمة، الذين قاموا على سنته ونشروها. وإن نشر سيرهم بالتي هي أحسن وأجمل، هو حق لهم وواجب علينا.. هذا والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. 

   

الخميس، 28 فبراير 2019

فجمع كيده ثم أتى

   

   من المشاهد الرهيبة المؤثرة بالنفس، ذلكم الذي كان قد جرى في زمن قديم بين طاغية مجرم مثل الفرعون الذي جاء ذكره في القرآن، وبين نبي كريم مثل موسى عليه السلام، الذي آتاه الله هيبة من بعد أن كان خائفاً في المدينة يترقب، ولا يكاد يبين في الكلمات بسبب لثغة في لسانه، حتى كان الفرعون يسأل الناس إن كان هذا الشخص خيرا منه، وهو لا يملك مالاً ولا ملكاً بل لا يكاد يفصح عن الكلام، استهزاء به
.
   هذا النبي من بعد أن دعا الله أن يشرح له صدره وييسر أمره ويحلل عقدة من لسانه، ليفقه السامع قوله، قد آتاه الله هيبة جعلت الفرعون، وهو من هو يومئذ، يرتعد من باطنه خوفاً وخشية حين جاءه موسى مع أخيه هارون إلى مجلسه يدعوانه باللين والقول الطيب، أن يرفع العذاب عن بني إسرائيل ويدعهم وشأنهم، وبقية القصة التي جرت في تلك الواقعة، منها رؤية الفرعون لمعجزة العصا واليد، حتى طلب من موسى موعداً ليواجهه بمثل سحره – حيث ظن فرعون أن ما جاء به موسى إنما هو السحر- فكان الاتفاق على يوم الزينة.
   الشاهد من القصة أن فرعون، وهو الذي زعم الألوهية، يطلب من موسى موعداً، وهو قبل قليل كان يسخر منه ويقلل من شأنه، فما باله الآن يطلب موعداً مع موسى؟ إنها الهيبة كما أسلفنا، والتي أنعم الله بها على موسى عليه السلام، فكان ذاك الموعد بداية النهاية للفرعون.


   لكن قبل التحدث عن مشهد يوم الزينة، حيث يجتمع الناس كلهم في أصفى وأفضل أوقات النهار وضوحاً، ليشهدوا الهزيمة الساحقة لموسى وأخيه أمام الزعيم الخالد. إليك وصفاً دقيقاً آخر لمشهد سابق كما في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله، بعد أن اجتمع السحرة مع فرعون على المشهد المرتقب والمكافأة: ".. وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المباراة بين السحرة وموسى عليه السلام. ثم يجيء مشهد السحرة بحضرة فرعون قبل المباراة؛ يطمئنون على الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين؛ ويتلقون من فرعون الوعد بالأجر الجزيل والقربى من عرشه الكريم. (فلما جاء السحرة قالوا لفرعـون: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم إذن لم المقربين).. وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون الطاغية؛ تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره، ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة. وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائماً في كل مكان وفي كل زمان، وها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر، يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه وهو بزعمه الملك والإله".


   احتشد الناس في ذلكم الصعيد، ويحضر فرعون في زينته وكبكبة السحرة وقد أخذت موقعها في الميدان، وكلها ثقة في الانتصار على سحر موسى - كما توهموا – لكن بضع كلمات من موسى عليه السلام موجهة إليهم، قللت من تلك الثقة حتى إن بعضهم قرر عدم خوض التحدي. (قال لهم موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب، وقد خاب من افترى). لكن السحرة استجمعوا قواهم وعززوا الخائف والمتردد منهم، وقرروا مواجهة موسى عليه السلام ولكن ليست بتلك الثقة والقوة التي جاءوا بها قبل قليل. أي يمكن القول بأنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من أن الذي يجري أو سيجري بعد حين من الدهر قصير، سيكون حاسماً وحازماً لهم ولكثيرين، ولكن ما هو هذا الشيء؟ هذا ما سيكون في الدقائق التالية، حين سألوا موسى إن كان يريد البدء، فكان قرار موسى أن يبدؤوا هم فيما هو ينتظر ليكون له القرار الأخير.
بدأ المشهد برمي الحبال حتى تخيلها الناس أنها ثعابين تسعى، وكانت قوة تأثير سحرهم كبيرة لدرجة أن موسى نفسه خاف للوهلة الأولى بعض الشيء لولا أن ثبته الله، حين أوحى إليه (لا تخف إنك أنت الأعلى) فكان هو الأعلى ذاك اليوم، وخسف الله بصورة الفرعون أمام الناس جميعاً، بهزيمة السحرة أولاً أمام الناس، ثم ثانياً والأكثر إثارة، مشهد السحرة وهم جميعاً دون أدنى تردد وتفكير، يسجدون ويتوبون إلى الله، بعد أن رأوا مشهد ثعبان موسى، وأن ما رأوه ليس بالسحر أبداً، فسجدوا وآمنوا من فورهم برب موسى.


   مشهد أغاظ الفرعون كثيراً.. فكيف انهزموا هكذا سريعاً بل آمنوا برب هارون وموسى دون أن يستأذنوه؟ لكن السحرة بطبيعة الحال ومن هول المشهد، تبين لهم الحق بقدرة الله، وتحول الفرعون الذي كانوا يطلبون وده وبعض ما عنده من متع ونعيم الدنيا قبل ساعات قليلة ماضية، تحول في أعينهم إلى شخص تافه لا يستحق أدنى انتباه أو احترام، بل ربما الندم كان شديداً ساعتئذ عند السحرة على ما فاتهم في حياتهم قبل هذا المشهد، ومن الكفر الذي كانوا عليه واتباع أمر الفرعون، وما أمر فرعون برشيد. نعم، لا ذاك الفرعون ولا أي فرعون يأتي بعده.. كلهم في الشر والسوء سواء.
   الشاهد من القصة، أن الحق ما إن يظهر في مشهد حياتي، ويقوم عليه أناس قد ملأ الإيمان قلوبهم، لا تشغلهم توافه الدنيا من أموال وأملاك ومناصب وغيرها، فإن هذا الحق منتصر لا شك فيه، والباطل زاهق دون أدنى ريب. فهذا الفرعون الذي جمع كيده وشره وخطط وتآمر مع زبانيته، انتهى في لحظات فارقة في تاريخ البشرية. لحظات ظهور الحق بشكل ما على يد موسى عليه السلام.


  إن الحاصل اليوم كما حصل في سابق الأزمان من استمرار الباطل وسيطرته وعلو كعبه، لم يكن ليحصل إلا لأن الحق لم يجد من يحمله ويظهره على الواجهة ويدافع عنه. فالقلوب المشغولة بهذا وذاك وتلك، أو ما بين الحق والباطل تعيش، لا يمكنها زحزحة الباطل والإجهاز عليه، لأن الباطل عادة هو الأقوى مادياً في الساعد والسلاح، وبيده مفاتيح أغلب القوى. لكن حين يدخل الإيمان في المواجهة، وتمتلئ القلوب به فقط لا غير، فإن الحسابات تختلف، والنتائج النهائية قد تكفل الله بها في قوله تعالى ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ).

   إنها معادلة رياضية سهلة واضحة. إن تنصروا الله، تكون النتيجة أن الله ينصركم.. تبقى إذن معرفة الكيفية أو كيفية نصر الله، وهذه تحتاج لشروح وتفصيلات أخرى، قد نأتي عليها في قادم الأيام بإذن الله.

الأربعاء، 16 يناير 2019

حين يكون التغافلُ حلاً


  
  الغفلة والتغافل، كلمتان بينهما فرق كبير. فالأولى أمر طبيعي ناتج عن قلة علم أو جهل بالشيء أو الأشياء، فيما التغافل فعل إرادي ناتج عن إحاطة وإلمام وإدراك بما يدور في البيئة المحيطة.. هذا يعني أن التغافل أقرب إلى أن يكون حكمة من الإنسان حين يقوم به في موقف ما، بل ربما يصل التغافل لأن يكون مهارة نحتاج إلى التدرب عليها واكتسابها لأجل علاقات إنسانية راقية. في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا مضطرين إلى استخدام مهارة «التغافل» في بعض المواقف الحياتية، لا لشيء سوى رغبة في كبح جماح موقف ما قد يتطور ليصبح ناراً تلظى، أو رغبة في السيطرة على أجواء حدث معين يوشك أن يتطور إلى ما لا يحمد عقباه، فيضطر أحدنا إلى هذا الفعل أو هذا الخُلق أو هذه المهارة.

 خذ مثالاً على ما نتحدث عنه..
إن وجدت نفسك أمام شخص ما في لحظة ما، يتحدث عن خبر معين أو حادثة من حوادث الدهر، لكنك وأنت تنصت إليه، تعـرف حق المعرفة أن الصواب قد جانبه في نقل الخبر أو الحديث عنه.. فهل من الصواب أن تقاطعه فجأة وتصحح ما يتحدث عنه أمام جمع من الحضور، قد يكون صغيراً أو كبيراً، أم تجد أن الحكمة حينها في التريث أو التغافل لبعض الوقت؟

  الواقع الفعلي عند كثيرين في مثل هذه المواقف هو الدخول والمقاطعة لأجل التصحيح، لكن الذي أميل وأدعو إليه، أو أراه الوضع الأمثل أو الأصوب ألا تتدخل وتقاطع المتحدث لتثبت له براعتك في التصحيح أو علمك بالأصح، بل الحكمة تتطلب ها هنا إلى أن تنصت إليه حتى النهاية دون مقاطعة، ثم تبدأ في طرح ما عندك من معلومات وتحاول التصحيح بصورة متدرجة، دون إظهاره بمظهر غير العارف أو أن معلوماته غير دقيقة، كأن تقول له مثلاً بأنك سمعت الخبر ذاته لكنه على نحو كذا وكذا، ثم تضيف في القول عبارة أخيرة مهدئة: لست مع ذلك متأكد أنه صحيح تماماً.. وبما أنني سمعته بشكل وسمعته أنت بشكل آخر، فمن الأفضل أن نتأكد أكثر.

  أنت هنا في هذا الموقف تستخدم مهارة أو خلق التغافل بحكمة، حيث سيدرك صاحبك من فوره أن معلوماته ربما غير دقيقة، وهذا ما سيدفعه إلى مراجعتها وتصحيحها فوراً، بل أكثر من هذا - وهو المهم - سيزداد إعجابه وتقديره لك، لماذا؟ لأنك لم تحرجه أو تجرحه، ولم تحفز هرمون « الأدرينالين» في دمه لكي ينتشر في ثنايا جسده وبالتالي يتعنت ويفور ويثور ويستعد لمقاومتك بكل الصور.

  إن قام شخص في موقف ما بتخطئة آخر بشكل مباشر، دون مقدمات أو اختيار الأنسب والأهدأ من الأساليب والألفاظ، حتى لو كان محقاً في تصحيحه بشكل لا يختلف عليه أحد، وسواء كان على شكل منفرد أو أمام الغير، إلا أنه في كلا الحالتين، هو موقف صعب ومحرج بالنسبة للطرف المجني عليه، إن صح التعبير، والأمر سيعتمد عليه في قبول التصحيح أو تطوير الأمر إلى جدال عقيم حتى يصل للمراء، وفي كلا الحالتين سيخرج الشخصان خاسرين من الموقف، إن تم رفض أسلوب التصحيح.. كما أن الخسارة واقعة كذلك في حال قبول أمر التصحيح، لأنه قد يتقبل منك الأمر ويحاول أن يكون كبير الموقف بقرار القبول ولو ظاهرياً، لكنه سيخرج من الموقف وفي نفسه عليك شيء، وما حدث يمكن أن تقع فيه أنت أيها القارئ وأيتها القارئة كذلك، سواء على شكل مصحح أو من يتم التصحيح له.. فحاول أن تتأمل المشهد.


   إن موقف التصحيح أو الإحراج إن صح التعبير، موقف صعب على الإنسان، أي إنسان، أن يتقبله وخصوصاً إذا خلا من الذوق وأدب الحوار والحديث والاستماع.. ولأنه موقف يسبب الكثير من الإحراج، فتوقع أن يكون رد الفعل من الطرف الآخر بنفس الزخم والقوة، سواء قام بإظهاره فوراً أم كتمه في الصدر إلى وقت قريب والى فرصة سانحة لرد الصاع صاعين أو ربما أكثر! وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - أن تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل.

  إن معرفة النفس الإنسانية ومعرفة خباياها وخصائصها، مهمة جداً في نجاح العلاقات مع الآخرين. وإن الجهل بها يؤدي على الأغلب إلى عواقب ونتائج غير سارة، والأمثلة في حياتنا أكثر من أن تُحصى.. فالعلاقات بين البشر مثلما أنها تحتاج إلى قلوب واعية صافية نقية لتنمو وتستمر، فكذلك هي بحاجة إلى عقول يقظة فطنة تدعم توجهات ومشاعر تلك القلوب، كما جاء عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بأن العقل ثلثه فطنة وثلثاه تغافل، ما يعني أن استخدام العقل بمهارة في تعزيز وتقوية العلاقات أمر حيوي لا بد منه. ومثل تلك التعزيزات تحتاج إلى مهارات وفنون في التعامل. وأحسبُ أن التغافل أبرز تلك المهارات، بل هو من أخلاق السادة الكرام، الذي أجده حلاً لكثير من المشكلات بيننا، سواء في البيت بين الزوجين أو بينهما والأبناء، أو خارج البيت كما في بيئة العمل أو المجتمع بشكل أعم وأشمل.. والله بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.