الخميس، 26 مارس 2026

يسبّح الرعـدُ بحمده

     



  كل شيء في هذا الكون الواسع الممتد يسبّح بحمد الله دون أن نفقه تسبيحهم ومنطقهم، أو اللغة التي بها يسبّحون بها الله تعالى. ومن تلك الأشياء الرعـد، الذي يأتي بعد البرق بلحظات قليلة، فتهتز القلوب خيفة ورهبة من صوته، لاسيما إن كان بليل شديد الظلمة، شديد المطر..

  قبل الدخول في تفاصيل الرعد، لابد أن أحدنا تساءل يوماً عن تلك الصيحة التي هبطت على قوم ثمود فأهلكتهم عن بكرة أبيهم. وهل كانت تلك الصيحة صوت رعد شديد إلى درجة لم تتحمل آذانهم وأعضاؤهم الداخلية ضغط الصوت فهلكوا بسببه جميعاً؟


   لم لا يكون فعلاً ذلك العذاب الذي نزل عليهم عبارة عن صوت رعد شديد لا يتحمله الجسم البشري، باعتبار أن الصوت الذي يتحمله جسم الإنسان تكون شدته ما بين 120 إلى 130 ديسيبل، أو الوحدة العلمية لشدة الصوت، ومثال ذلك صوت طائرة نفاثة.

  لكن إن وصلت الشدة إلى 150 ديسيبل مثلاً، فهذا مستوى تتمزق عنده طبلة الأذن، فتخيل كيف يكون وضع الإنسان إن تعرض لصوت شدته أكثر من ذلك؟ وبالتالي ليس مستبعداً أن نزل على قوم ثمود صوت رعد بلغت شدته ما بين 180 إلى 200 ديسيبل، لأن هذه الشدة تمزق الرئة، بالإضافة إلى المعدة والأمعاء، أو تتسبب في حدوث صدمة عنيفة للجهاز العصبي قد تؤدي إلى توقف القلب.     

 

ما هو الرعـد ؟ 

نعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو الرعد، لنقرأ معاً قوله تعالى ( وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته) فتشعر أن هذا الرعـد كأنما هو كائن، أو مخلوق من مخلوقات الله يسبّح بحمد الله، ولكن التسبيح بصوت جهوري تسمعه الخلائق جميعاً فترتعب.


   يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إنّ هذا لوعيد لأهل الأرض شديد. وقد قال أكثر المفسرين - كما في معالم التنزيل للبغوي - أن الرعد اسمُ مَلَك من الملائكة يسوق السحاب، وأنّ الصوت المسموع منه، هو صوت تسبيحه. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرعد مَلَكٌ موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبّح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر .

وعنه أيضاً قال: جاءت اليهود وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟

فقال: ملك من الملائكة، موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. 

قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟

فقال: زجره السحاب .   

  إن هذا الصوت المقرقع المدوي، كما جاء في ظلال القرآن، أثرٌ من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان.

وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً ، ويكون الرعـدُ ( يُسبّح ) فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر، لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل !

 

البرق والرعـد علمياً


علمياً، الرعد ظاهرة صوتية ناتجة عن تفريغ كهربائي هائل، أو ما يُعرف بالبرق، الذي تصل حرارته إلى 30,000 درجة مئوية، أو ما يعادل خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس.. وهذا التفريغ الكهربائي يؤدي إلى تسخين هائل جداً للهواء المحيط بسرعة فائقة يسبب تمدداً مفاجئاً وانضغاطاً في الهواء، وهذا التمدد أو الانضغاط الحاصل في الهواء يولّد موجات صوتية مسموعة تنتشر في الغلاف الجوي، وتُعرف باسم الرعد، أو الهزيم، الذي يأتي فوراً بعد وميض البرق.

  من الجميل أن تتفاعل وتعايش لحظات العواصف الرعدية الماطرة، حيث يمكنك بعد تسبيح الله والاستغفار والدعاء، معرفة المسافة التي تفصلك عن العاصفة الرعدية، وذلك عبر حساب عدد الثواني بين لحظة وميض البرق حتى سماعك لصوت الرعد الذي يتبعه، ثم اقسم عدد الثواني على ثلاثة، فيكون الناتج هو المسافة بينك وبين العاصفة الرعدية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عنها.   


   معلومة أخرى حول خطورة البرق كما في الآية الكريمة ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) حيث يقول الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله، بأن أهم أخطار البرق هو الذهاب بالبصر. والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيارون من أخطار في حالات العواصف الرعدية، والومضات البرقية، خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة، أو شرارة هائلة، وبالتالي كثرة النظر إليها قد تفقد البصر، حيث لا يقوى الطيار على الاستمرار في قيادة طيارته.


  الأهم من كل هذه التفصيلات، وهو لب هذا الحديث والمغزى النهائي منه، أن كل شيء في هذا الكون الرحب الواسع يسبّح بحمد الله، دون أن نفقه الكيفية، لكن الإيمان بها واجب. وهو ما يدعونا أن نردد دوماً وأبداً، حين نتأمل الآيات الكونية العظيمة المتعددة قوله تعالى ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك، فقنا عذاب النار ).

    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق