الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأحد، 17 مارس 2019

لماذا الإمام البخاري ؟


 
 محاولات قديمة متجددة ومستمرة للنيل من الإسلام كدين بشكل عام، لكنها متعثرة. ورغم تعثرها، إلا أنها مستمرة بأساليب أخرى ومن جوانب وزوايا متنوعة. كان البدء بالدين ككل، ثم رمزه المقدس المتمثل في سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ثم بعده القرآن. ومع ذلك تجد نتائج المساس بثوابت ومقدسات هذا الدين، سواء كانت بيد أعداء الإسلام أو بيد من ينتمون إليه بصورة وأخرى، نتائج عكسية غير مرغوبة. بل إن الأرقام والأحداث في مجتمعات غير مسلمة تتحدث عن تحول ملحوظ إلى هذا الدين أو بحث عنه أو دراسته. 

  اليوم تتم إعادة محاولات قديمة لإحداث شرخ بين المكونات الصلبة لهذا الدين، القرآن والسنة، وذلك عبر التشكيك في المصدر الثاني للتشريع، السنّة النبوية. وحين نتحدث عن السنّة، فالصورة الذهنية الأولى الواضحة بذاتها تشير إلى صحيح البخاري، ثم من بعده صحيح مسلم وبقية كتب السنّة. لكن لماذا التركيز على الإمام البخاري وليس الإمام مسلم أو النسائي أو ابن ماجه والحاكم وغيرهم كثير؟

   وجد أعداء الإسلام ومن وضع يده بيدهم من أبناء المسلمين، مثل الليبراليين والقرآنيين وأدعياء العلم الشرعي ومن يسمون أنفسهم بالمفكرين أو الحداثيين، أن القرآن كتاب فوق النقد والتجريح والتشكيك، وأنه لا يمكن لأي مسلم قبول المس به، ما أدى للتحول نحو الهدف التالي وهو السنة النبوية، وأهم ما يرتبط بها - كما أسلفنا – هو صحيح البخاري، والذي إن نجحت محاولات التشكيك فيه، فإنه يعني صناعة فجوة أو هوّة بين القرآن والسنة، ما يؤدي بالضرورة إلى غياب الوسيلة التي بها يفهم المسلم العامي غير الدارس والمتبحر في علوم الدين، كتاب ربه. وإن عدم الفهم أو ضبابيته سيكون عاملاً مساعداً وداعماً لمحاولات تشكيك السواد الأعظم من المسلمين في دينهم ومعتقداتهم وقيمهم، وهي الفئة المستهدفة بالدرجة الأولى، باعتبار أن الدارسين لعلوم الدين أو المتبحرين في الشرع، لا يمكن تجاوزهم أو مواجهتهم والتشكيك بالسنة النبوية أمامهم.

   ولكن لماذا الإمام البخاري؟ 
   
  أجمع علماء الأمة قديماً وحديثاً بأن أصح كتاب في الإسلام بعد القرآن الكريم هو صحيح البخاري. قال عنه أبرز علماء الأمة قديماً، وهو الإمام النووي رحمه الله:" اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صحَّ أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظيرٌ في علم الحديث ".   
 وفي عصرنا الحديث يقول عنه الشيخ الألباني رحمه الله:" والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا عن غيرهما من كتب السنّة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الضعيفة والمتون المنكَرَة، على قواعد متينة، وشروط دقيقة، وقد وُفقوا لذلك توفيقاً بالغاً لم يُوفّق إليه مَن بَعدهم ممن نحا نحوهم في جَمع الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، حتى صار عُرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا. وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن. لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيءٍ من ذلك من بعض الرواة. كلا، فلسنا نعتـقد العصمةَ لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلاً… كل من شمَّ رائحةَ العلم بالحديث الشريف يعلمُ بداهة أن قول المحدث في حديث ما (رواه الشيخان) أو (البخاري) أو (مسلم)، إنما يعني أنه صحيح". انتهى.

  من هنا تأتي أهمية التنبه لأي تطاول أو هجوم على الإمام البخاري، باعتباره رأس علم الحديث الذي إن تم المساس به، بتجريحه أو النجاح في محاولات قطعه، فإنما هو قطع للوسيلة التي بها يفهم المسلمون قرآنهم ودينهم بشكل عام، ما يزيد من حيرة وتوهان غالبية المسلمين في مثل هذا العصر، الذين تكاثرت عليهم الأفكار والمعتقدات والمشروعات التغريبية والإلحادية وغيرها، من تلك التي تتم بصورة لا يمكنك التشكيك لحظة في أنها ممنهجة ووفق خطط مدروسة.

  لماذا التشكيك بالبخاري الآن؟
 الجيل الحالي بعيد عن الأحاديث النبوية، فلا المدارس تعطي السنّة الشريفة حقها، ولا وسائل الإعلام تقوم بدور مقنع في خدمة أحاديث الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -  وهذا الانفصال الواقع بين الجيل الحالي من المسلمين وبين سنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ساعد أصحاب حملات التشكيك والنيل من السنة المطهرة في أعمالهم، وأبرزها التشكيك في صحيح البخاري.

   إنه لأمر مؤسف أن تُفسح المنصات الإعلامية في الدول العربية وكذلك المنابر الثقافية، ليتحدث من لا يعرف ( كوعه من بوعه ) في علم الحديث، ويبدأ في التشكيك والنيل من الإمام البخاري وصحيحه، وهو من هو في هذا العلم. هذا الأمر، الذي تكرر مؤخراً من إعلاميين مسيسين، وأكاديميين في تخصصات بعيدة عن علم الحديث، وآخرين يزعمون أنهم أهل فكر وأهل حداثة، يحتاج إلى هبة ووقفة حازمة حاسمة من كل من له القدرة على التصدي لهم وبيان زيفهم وضلالاتهم.

   المؤسسات التربوية عليها الدور الأهم في هذا المجال، عبر إعادة الهيبة والاعتبار للحديث النبوي في مناهج التعليم، حفظاً وفهماً وتطبيقا. ولا يقل دور المؤسسات الإعلامية المختلفة عن التعليمية، والتخطيط لإنتاج مسلسلات وبرامج حول الإمام البخاري وبقية أصحاب السنن، على غرار مسلسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمجال مفتوح للإبداعات الإعلامية في هذا الأمر. أما المؤسسات الثقافية، فإنه يمكنها – كأضعف الإيمان- إدراج مسابقات حول الحديث النبوي على غرار مسابقات حفظ القرآن. والأمر مستمر ليصل إلى الدعاة وخطباء الجمعة، وأهمية بيان ما يحاك ويخطط ضد السنة النبوية، وضرورة توعية العامة بخطورتها وكيفية التصدي لها.. فهذه بعض مقترحات لا يسمح المجال هنا الاسهاب فيها، وإن كنت لا أشك في أن هناك الكثير والكثير مما يمكن القيام به في سبيل الدفاع عن نبينا وسنته المطهرة، ورجالات هذه الأمة، الذين قاموا على سنته ونشروها. وإن نشر سيرهم بالتي هي أحسن وأجمل، هو حق لهم وواجب علينا.. هذا والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. 

   

ليست هناك تعليقات: