الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

قبل أن نقول بحسرة: يا ليتني قدمتُ لحياتي


    آيات كريمات من سورة الفجر، تصور لك مشهداً من مشاهد يوم القيامة، حين يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى.. تراه يردد قائلاً (يا ليتني قدمت لحياتي) .. هذا الإنسان - كما جاء في تفسير ظلال القرآن، الذي " غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء، والذي أكل التراث أكلاً لمًّا، وأحب المال حباً جمًّا. والذي لم يكرم اليتيم ولم يحضُّ على طعام المسكين. والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى.. ولكن لقد فات الأوان وأنَّى له الذكرى؟ ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً ! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا ! وحين تتجلى له هذه الحقيقة، يقول ( يا ليتني قدمت لحياتي ).. يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا. فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة. وهي التي تستأهل الاستعداد والتَّقدِمةَ والادخار لها. يا ليتني.. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة".
  حين يردد ابن آدم - الذي قد يكون أيَّ أحدٍ منَّا - تلك العبارة بحسرة وندم وألم، فإنما يرددها من بعد أن يرى حقيقة الحياة الخالدة، التي لم يقدم في حياته المؤقتة القصيرة هذه التي نعيشها، لما يجب الإعداد له وتقديمه لتلك الحياة الحقيقية الدائمة   .


   من الخبرات الحياتية التي يتعلم منها المرء كلما تقدم به العمر، أن الفرصة التي تأتيك في لحظة زمنية معينة، ربما لا تأتيك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى، وبموجب ذاك المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة من فورها واستثمارها أفضل استثمار.. وهل حياتنا الدنيا المؤقتة هذه سوى فرصة، يُحسِن استثمارها من يحسن، ويسيء من يسيء.
 ضمن سياق الفرص التي نتحدث عنها، يمكن القول إن رمضان هو أحدها أو إحدى المنح الربانية التي يكرم الله بها عباده، والحكيم الحصيف والذكي الفطن هو من ينتهز فرصة صحته وقوته حالما يرزقه الله بلوغ رمضان.
هذا الشهر إنما أيام معدودات، فما إن يبدأ حتى يبدأ عدّاد الرحيل بالاشتغال. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لتذكير وتنويه، لكن ما يحتاج للتنويه والتذكير هو أنه لا أحد يضمن لك الحياة أو الصحة والعافية والقوة لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم، بعد أكثر من ثلاثمائة وستين يوماً، ولعل هذا هو سر الدعوة إلى انتهاز كل لحظات هذا الشهر، واستثماره للغد الحقيقي، حتى لا يصل المرء إلى اللحظة التي يضطر حينها أن يردد عبارات الندم والحسرة على ما فرط وضيّع.

  إنه من قلة الحيلة والحكمة، إهدار الوقت في رمضان وعدم استثماره بالشكل الأمثل، فإن رمضان ما إن يبدأ حتى يعمل توقيت ساعته تنازلياً وبسرعة لا تفهمها، نعم قد يستشعر البعض ثقل أوقاته في البدايات، ولكن سرعان ما يعتاد المرء على النظام خلاله، فيبدأ التكيف مع الظروف، لكنه يفاجأ أنه دخل العشر الأواخر، وبعدها بقليل يجد نفسه أمام التلفاز في برنامج عن هلال شوال ينتظر خبر الرؤية!
    هكذا رمضان، كما الفرص الثمينة التي تلوح لنا في حياتنا فجأة، والتي إن لم نستثمرها بالسرعة المناسبة والشكل الأمثل، فإنها تذهب سريعاً وتختفي، لتبقى الندامة والحسرة بعدها! فمن يرضى أن يتعامل مع رمضان بهذه الصورة؟ 
في الحديث، نجد سيد الأولين والآخرين يحثنا على المسارعة إلى فعل الخيرات، قبل أن تلهينا شواغل الدنيا وما أكثرها: "بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا“، ويقول الحسن البصري رحمه الله: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره

    إن المسارعة إلى فعل الخيرات من أخلاق المؤمنين الصادقين ومن طبائعهم، وإن مثل هذه الأعمال إنما دلالة على رجاحة في العقل وسلامة في القلب، وحتى لا نطيل في الكلام أكثر، نقول بأن كل أحد منا سيأتي ويقابل جبار السماوات والأرض وحيداً منفرداً. لا شفيع ولا وسيط. سينظر سبحانه إلى أحدنا وما قدمت يداه، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أو يحكم في خلقه ما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحدا.
 لابد أن ندرك أيضاً بأننا كتلٌ حية متحركة تحمل الذنوب والآثام، مثلما الخيرات والحسنات، ووجودنا مؤقت في حياة قصيرة جداً، والأهم من كل ذلك أننا على موعد أكيد مع الله، وهو ما يدعونا إلى التدرب على الانعزال بين الحين والحين، والتفكر ليوم الانعزال والانفراد ذاك مع الله.. تلك العزلة التي لا نتمنى أن نخرج عنها إلا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأخذ بأيدينا إلى تلكم الجنة التي عرضها السموات والأرض، ندخلها ونستمتع إلى أصوات خزنتها وهم يرددون ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ).

ليست هناك تعليقات: