الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 22 يونيو، 2017

الحصار على قطر.. كيف نستثمره ؟

  مضى شهر كامل منذ كذبة سكاي نيوز أبو ظبي، ونشر تصريحات مفبركة كاذبة، التي على إثرها اندلعت أزمة خليجية تحولت سريعاً إلى مسألة دولية. وخلال هذا الشهر قرأنا وشاهدنا وتابعنا مشاهد متنوعة من التضليل والدجل الإعلامي على وجه الخصوص من جانب المعسكر المحاصر لقطر، حتى وصلت تلك المشاهد لتكون وجبة من الفكاهة اليومية ننتظرها فجر كل يوم، على اعتبار أن غالبية المشاهد الساخنة كان إنتاجها يتم ليلًا والناس نيام!
   لقد تابعنا الكم الكبير من الأوراق التي تم حرقها خلال هذا الشهر. فقد رأينا كيف الأوراق الدينية احترقت وانكشفت، ثم الأوراق السياسية والرياضية ثم تبعتها الفنية ومن قبلها جميعًا الإعلامية.. فقد انكشف كثيرون وسقطت أقنعة عن أناس اعتقدنا فيهم الكثير من الصلاح أو الحكمة أو الطيبة، ولكن ما إن سقطت الأقنعة عن وجوههم، حتى بانت خفاياهم، وتلك منحة أولى من هذه المحنة. وصدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: "جَزَى الله الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْر...عَرَفتُ بها عَدُوّي مِنْ صَديقي".
 محنة الحصار وإن لم نشعر به نحن المواطنين وأيضا المقيمين معنا في هذا البلد الطيب ولله الحمد، إلا أنه حصار له آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد. لكن الدروس والعبر غالبًا تكون في مثل هذه الشدائد والأزمات، وما لم يتعظ ويستفد المرء من دروس الأزمات، فإنه إلى عدم الاتعاظ والاستفادة في وقت الرخاء والسلم أبعد. 

استفادت قطر من تجربة عام 2014 وأزمة سحب السفراء، فرأت احتمالات مثل هذا الحاصل الآن مبكرًا، فاتخذت التدابير اللازمة لمواجهته، فكان التخزين الإستراتيجي للسلع الأساسية سواء بالداخل أو الخارج، وتم التدريب على السفر جوًا في مسارات جديدة، وأنشأت ميناءً دوليًا ضخمًا يرتبط بالعالم دون الحاجة إلىموانئ الجوار، إضافة إلى عقد التحالفات الدفاعية مع قوى ذات وزن، أهمها الدولة التركية عبر تحالف عسكري. وبتلك الخطوات والاحتياطات تم الاستعداد لسيناريو شبيه بالحصار المفروض علينا الآن. ولعل هذه الاحتياطات المدروسة هي التي جعلتنا حكومة وشعبًا نمتص الصدمة سريعًا ونتكيف مع الظروف وبهدوء ملحوظ يشهد له العالم.

 كل تلك الاستعدادات الإستراتيجية لا تمنع من التفاكر مجددًا، والعمل لما بعد الخروج من هذه الأزمة بإذن الله. وأحسبُ أن عملًا كبيرًا ينتظرنا جميعًا بعد انكشاف هذه الغمة عما قريب بإذن الله. فعلى المستوى السياسي لابد من استثمار قوى كبيرة والدخول معها في أحلاف ومعاهدات مشتركة، سواء من القريب أو البعيد، وسواء كانت معاهدات عسكرية أو اقتصادية أو قانونية وغيرها.
أضف إلى ذلك أهمية إعادة التفكير في دعم سفاراتنا بالخارج بكوادر وطنية في مجال الإعلام والثقافة والقانون وغيرها من مجالات. فالسفارات لابد أن تتكون من فرق كاملة تدعم السفير. الحاجة صارت ماسة لوجود ملحق عسكري، ثقافي، إعلامي، اقتصادي وقانوني. هذا الفريق مهمته الأساسية كسب شعب وحكومة كل دولة بها سفارة لقطر. إن مثل هذه العلاقات التي تُبنى بهدوء ووفق خطة إستراتيجية، من شأنها أن تظهر أهميتها وفائدتها وقت الأزمات والملمات..  وقد كسبنا من هذا الحصار المغرب العربي، حكومات وشعوبا، وهذا الوزن الجغرافي الإستراتيجي له أهميته بعد قليل من الوقت. أضف إلى هذا الثقل المغاربي الذي كسبناه فيما خسره المحاصرون لنا، كسبنا شعوبًا هنا وهناك، الأمر الذي يدفعنا إلى أهمية استمرار الوقوف مع الشعوب العربية والمسلمة والصديقة في السلم والحرب، فإن الشعوب لها تأثيرها الساحر على حكوماتها وعلى الرأي العام العالمي، وهذه قوة لابد من التخطيط العلمي الواعي في كيفية استثمارها. 
  من الأمور المهمة التي لابد من استثمارها والعمل عليها لمثل هذه الأوقات، الاكتفاء الذاتي من الطعام والشراب. فنحن دولة صغيرة ذات سكان محدودين مقارنة بما حولنا، وبالتالي يدفعنا ويشجعنا هذا إلى دعم الصناعة والزراعة المحلية والتشجيع على ذلك. ومن ناحية أخرى يتم التخطيط والعمل على خوض إستراتيجي في مجال الصناعة والزراعة ولكن في مناطق خارج البلاد، بحيث يعمل الداخل مع الخارج في السلم، وفي أوقات الأزمات إن تعطل الداخل، يكون الخارج هو السند والبديل. كما ظهرت أهمية الإعلام في هذه الأزمة، لاسيَّما سلاحنا الإستراتيجي الإعلامي المتمثل في شبكة الجزيرة الإعلامية. هذه الشبكة التي أظهرت الدور المؤثر الفاعل في تفكيك وزلزلة المعسكر المحاصر لنا، وإن لم تعمل بكامل طاقتها بعد، وهذا يدعو إلى أهمية الحفاظ عليها وأن تكون في كامل قواها، وألا يتسلط عليها سيف التقشف وضغط المصروفات، فهذه الشبكة كما أسلفنا، سلاح إستراتيجي لا يجب التقتير عليه ومعاملته كأي مصلحة أو وزارة حكومية عادية..

المقيمون خاصة العرب، أثبتوا وبالشواهد والأدلة أنهم مواطنون في هذه الأزمة. التعاطف بدا واضحًا عندهم، بل وصل إلى حد البقاء في البلد، يصيبهم ما يصيب أهل البلد. فكما أنهم عاشوا في أمن وسلام هذا البلد، فإنهم لن يتركوه في وقت الضيق والشدة. وهذا ما يدعو إلى تقدير اليد العاملة العربية وأهمية تعزيز علاقاتهم وارتباطهم بهذا البلد وشعبه، وإزالة ما يمكن إزالته من فروقات بينهم وبين المواطنين.
  الحديث في كيفية استثمار هذه المحنة وتحويلها إلى منحة، حديث طويل ومتشعب. وما تطرقنا إليه من نقاط إنما أشبه بعصف ذهني سريع، وأحسبُ أن هناك الكثير الكثير مما يمكن التفكير فيه من وحي هذه الأزمة التي نعيشها، والتي نسأل الله أن يكشفها عنا قريباً، لاسيَّما وأن الظروف السياسية من حولنا بدأت تهب رياحها وتدفع باتجاه زوالها، وما ذلك على الله بعزيز.


ليست هناك تعليقات: