abdulla.emadi@gmail.com

الخميس، 30 مارس، 2017

عالم الأرواح.. مساحة للإيمان

 منذ القدم والإنسان يتساءل ويستفسر ويبحث عن ماهية الروح التي بين جنبيه، لا يدري كنهها ولا سرها، وهل كانت قبل الجسد أم خُلقت معه، ثم ماذا بعد فناء هذا الجسد إلى غير ذلك من أسئلة كثيرة ومتنوعة، تداولها الفلاسفة قديماً وما زالوا، بل انضم إليهم مفكرون وعلماء نفس وأديان وغيرهم كثير كثير.
  
  جاء في البخاري عن عبد الله مسعود رضي الله عنه، قال: كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عسيب (عمود من جريد النخل) فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح فقالوا يا محمد، ما الروح؟ فما زال متوكئاً على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه.

  الإنسان كعادته يبحث عن المجهول والخفي، ولأن الروح من الأشياء المجهولة والتي ما زالت كذلك، تجد المرء منا لا يتوقف عن التساؤل والبحث عن هذا المجهول، وهو أمر، بادئ ذي بدء، جيد ومطلوب، فإن التفكر في خلق الله لا يقوم به إلا أولي الألباب، أصحاب العقول المفكرة الباحثة.
  
   في مقال الأسبوع الفائت (حياة المخ بعد الموت) تحدثنا عن أمر أدهش الأطباء والعلماء، واعتبروه كشفاً علمياً جديداً مفاده أن الشحنات الكهربائية للدماغ تشهد نشاطاً كبيراً بعد توقف كافة الأجهزة الداخلية للإنسان، أو حالة ما بعد الوفاة بدقائق معدودة. وفسروا بأن هذا النشاط ربما بسبب أمر خفي يحدث للإنسان حينها ويكون بالغ الأهمية والإثارة. وقالوا كذلك أن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف للإنسان أو لروحه، إن صح التعبير.. وقد ذكرنا بأن هذه الحقيقة يعرفها أي مسلم لم تلوثه عقائد فاسدة أو فلسفات لا معنى لها.
  
  مواصلة لحديثنا عن هذا الموضوع، نقول أن الأرواح خلقها الله قبل الأجساد بوقت لا نعلمه، كما قال بعض المفسرين في شرحهم لقوله تعالى:" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين "، حيث أن الله جمع ذرية آدم في أول الخلق في أرواحهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، لكن أحداً من بني آدم لا يتذكر هذا الميثاق.

  هذا يفيد أن الأرواح كانت موجودة قبل الأجساد وتعيش بطريقة ما في حياة معينة لها قوانينها، تتعامل مع بعضها البعض بصورة وأخرى لا ندري كيفيتها.. لكن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، أخبرنا بأن الأرواح في تلك الحياة، تلاقت وتعارفت مع بعضها البعض، فإما إنه كان يحدث التآلف أو التناكر، كما في الحديث الصحيح ( الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ). ومن الحديث يتبين أن عمليات التآلف والاختلاف بين الأرواح حدثت في حياة قبل حياتنا الدنيا الحالية، ودليل هذا ما يحدث بين أحدنا وآخر في حياتنا الدنيا، حين يتقابلان للمرة الأولى، فيشعران بالتآلف من قبل أن يحدث أي نوع من الحديث، بل ربما أحياناً قبل أن يلتقيا. وقد يحدث العكس فيقع التناكر وعدم التآلف حتى قبل التلاقي والتحادث.


   إن عمليات تلاقي الأرواح مازالت مستمرة في حياتنا الدنيا، لكن في وقت المنام، حيث يحدث تلاقي الأرواح، سواء أرواح الذين توفاهم الله أو من لا يزالون على قيد الحياة، في عملية نسميها الأحلام أو الرؤى. حيث يحدث تواصل وتعامل بصورة وأخرى وبشكل مختصر جداً، تكون واضحة حيناً ومشوشة حيناً آخر، ثم في لحظة معينة ينتهي التواصل واللقاء، فتعود الأرواح إلى مواقعها. فأما التي لا تزال في عالم الحياة الدنيا، فإنها تعود إلى أجساد أصحابها. وأما التي توفاها الله، فإنها تبقى في عالم البرزخ إلى ما شاء الله أن يكون..
  
  في هذا يقول الله عز وجل ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). وقد ذكر الطبري في تفسيره أن الله يقبض الأنفس حين موتها وانقضاء مدة حياتها، ويتوفى أيضاً التي لم تمت في منامها. وذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها.

  إن عالم الأرواح مساحة متاحة لتعميق الإيمان بالله الواحد القهار، القادر على كل شيء. مساحة رائعة للتأمل وتعميق الإيمان وترسيخه بالنفس. إنه عالم من الأسرار وفي الوقت ذاته، عالم باعث على الطمأنينة، وأن من فقدناهم من الأحباب إنما فقدنا أجسادهم فقط، فيما أرواحهم لا تزال حية بصورة ما في حياة أخرى لها قوانينها وسننها، ولا نعلم عنها كثيراً، هي ما نسميها بالحياة البرزخية. حيث لا يمكن التواصل مع أرواح تلك الحياة، إلا إذا شاء الله أن يكون، وذلك عبر التلاقي في المنام.. سائلين الله عز وجل الله في الختام، أن يجمع في المنامات أرواحنا بأرواح الصالحين والصديقين والشهداء والأحباب والأصدقاء، ومن ثَمّ كرّة أخرى يوم القيامة، في زمرة خير الخلق محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

ليست هناك تعليقات: