أطياف

الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 5 يناير 2016

ماذا تريد إيران من الخليج ؟


  
   منذ ثورة الخميني عام ٧٩، وعلاقات إيران بالخليج في مد وجزر. تهدأ حيناً قليلا وتتوتر أحياناً كثيرة، والأخيرة تأخذ من الوقت أكثر وأطول.. لم يستطع طرفا الخليج بناء الثقة طوال أربعين عاماً، فالعلاقات في أصلها متوترة منذ أن كان الانقلاب على الشاه واعتلاء الملالي سدة الحكم، وتكاد العلاقات المتوترة تكون هي الأصل، فيما تهدئة العلاقات وتجويدها هي النشاز والغريب في العلاقة بين الطرفين.

   اندفعت الثورة الخمينية بحماسة وزخم عجيبين أثارت الجوار القريب مثلما البعيد كذلك، تريد التوسع والانتشار، الأمر الذي استدعى كبح جماحها بوسيلة وأخرى، فكانت أبرزها التورط في حرب مع العراق لثمان سنوات، أهلكت الحرث والنسل وأوقفت المد الثوري حيناً من الدهر. 

  تطورت بعد ذلك تقنيات طهران في التعامل مع الخارج، فكانت السياسة التفاوضية طويلة المدى أبرز التقنيات والوسائل، كسبت من ورائها الكثير في التعامل مع القوى الكبرى، فيما اتخذت طريقة الواجهات وتقديم الدعم المناسب من أجل التغلغل للعمق العربي، فتوسعت إيران بشكل غير مباشر، وقطفت الثمار على شكل عواصم عربية أربع.. بيروت ثم بغداد فدمشق وأخيراً صنعاء.

   تعقدت تقنيات التعامل التي بدأتها طهران تجاه دول الجوار على الضفة الأخرى للخليج، فكان الاستفزاز والتحرش من أبرز مظاهرها، وبالتالي حصدت ما زرعت، فمنذ حادثة منى خلال موسم الحج الأخير ، وطهران تحولت من دولة إلى ثورة في تعاملها مع السعودية . تصريحات إعلامية مثيرة من الساسة وقبل غيرهم ، ضمن حملة استفزازات وتحديات ، ما كان للمراقب إلا أن يتوقع عاقبة غير محمودة ، فحدث ما حدث وقطعت المملكة علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع ايران، وللمرة الثانية خلال عقود ثلاثة !

   المنطقة منذ أن خرج اللاعب العراقي القوي من دائرة الكبار الأقوياء بالخليج ، بعد الهجمة التترية الأمريكية عام 2003، أصبحت بين قوتين لا ثالث لهما ، السعودية وايران .. ولقد كان الوجود الأمريكي المؤثر عاملاً مهماً في ضبط وكبح جماح ايران،  التي رأت بعد فتور الهمة عند الأمريكان تجاه المنطقة ، أن الفرصة مواتية لتفعيل مشروع تصدير الثورة من جديد ، سواء بالخليج أو حتى التغلغل في العمق العربي من كل الاتجاهات .

   لقد تبين عملياً أن أمريكا ما عادت بتلك الحماسة وذاك الاهتمام بالخليج كما كان قبل عقود مضت، فالطاقة التي كانت مغرية لها بالمنطقة، قد اكتفت منها وخزاناتها الاستراتيجية مليئة تكفيها سنوات طوال، وأنظارها اليوم متجهة صوب آسيا الوسطى، للحيلولة دون قيام اتحاد سوفييتي جديد، وقطع أي علاقة مستقبلية محتملة على شكل تحالف بين الروس والصينين والهنود .. القوى المستقبلية الصاعدة . 

   من هنا يمكن فهم عدم ابداء الأمريكان أي حماسة في الأزمة السعودية الإيرانية الراهنة مكتفية بالدعوة للتهدئة ، ويمكن كذلك فهم سر تحولها والغرب تجاه إيران فجأة فيما يتعلق بالمشروع النووي ، وهو رغبة الأمريكان أن تلعب ايران دور شرطي المنطقة إلى حين .. ولكن فيما يبدو أن منطق الثورة غالبة لدى ساسة ايران ، وترك المنطقة أمامهم دون من يقف في وجههم ، سيحول المنطقة إلى فوضى ما بعدها فوضى.

   خراب المنطقة لم يعد مهماً كثيراً عند الأمريكان ، وهذا ما يجب أن يدفع بدول الخليج العربية إلى سرعة التعاضد والتكاتف ضد المد الثوري الإيراني السياسي ، الذي لا علاقة له بدين ، بل إن فكرة التشيع ما هي سوى غطاء لا أكثر .. ومن هنا نرى أن تعزيز المحور التركي السعودي بانضمام دول الخليج كلها إليه، سيكون صمام أمان للمنطقة وشعوبها إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا ..
   
      

ليست هناك تعليقات: