الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

انقلاب أبي لهب !!

   أبرز ما نعرفه عن عم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم المدعو أبولهب ، هو أنه وزوجته في النار ، كخلاصة وخاتمة لحياتهما كما جاء ذكرهما في القرآن.. فقد عاشا على الكفر وماتا عليه ، وكانت شهرتهما عبر التاريخ هو في ذلك الايذاء غير المبرر والإساءة البالغة لخير البشر محمد ، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم . 

   أبولهب ، من ضمن ما لم يسمع عنه كثيرون ، أنه كان من أكثر المحبين لأخيه عبدالله الذبيح ، والد نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ، الذي قال عن نفسه : أنا ابن الذبيحين ، ويقصد النبي اسماعيل حين أراد أبوه ابراهيم أن يذبحه تنفيذاً لرؤية رآها ، والذبيح الآخر هو والد النبي الكريم عبدالله بن عبدالمطلب ، الذي نذر والده لله إن رزقه الله بعشر من الولد أن يفدي بأحدهم ويذبحه ، فكانت القرعة على عبدالله ، ورفض كل من كان موجوداً يومها ، لحبهم الشديد لعبدالله ، حتى استقر الأمر أن يفتدي عبدالمطلب ابنه عبدالله بمئة من الإبل ..

    مذ ذاك الوقت أحب أبولهب أخاه عبدالله حتى إذا ما رزقه الله بولد وحيد هو نبينا الكريم وتوفي بعدها ، أكمل أبولهب محبته لابن أخيه إلى درجة كبيرة ، إلى درجة أنها أعتق جاريته التي زفت إليه خبر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ، واختار اثنتان من بنات النبي صلى الله عليه وسلم لأولاده ، فتزوجت رقية من عتبة ، وتزوجت أم كلثوم من عتيبة ، رغم أنهما كانا على الشرك فيما كانت رقية وأم كلثوم مسلمتان ، حيث لم تكن آية تحريم تزويج المسلمات للمشركين قد نزلت بعد ..


  ما إن انتشر خبر الدعوة والرسالة ، حتى انقلبت قريش على الصادق الأمين ، وانقلب معهم أبولهب الهاشمي بل كان أول من جاهر بعداوته له صلى الله عليه وسلم ، في خطوة غير مفهومة ولا مقبولة عند العرب حينذاك .. انقلب هذا العم المفترض فيه أن يكون كبقية إخوانه مع ابن أخيهم ، يدافعون عنه حين بدأت قريش تؤذيه ، ولو من باب العصبية ليست أكثر كعادة العرب في الجاهلية .. لكنه لم يفعل ذلك بل خالف توجهات بني هاشم واصطف مع كبار مجرمي قريش أمثال أبي جهل وعقبة وأمية .. فما الذي دفع بأبي لهب لأن يتحول من حب شديد إلى عداوة أشد؟

   إن الانقلاب الهائل الذي حدث في حياة أبي لهب مع بعثة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، من بعد حب شديد مميز لابن أخيه إلى عداوة أشد ، ومجاهرة  بالإيذاء المادي والمعنوي ، إنما لا يمكن تفسيره سوى إصابته بداء القلوب القاتل الذي يعمي القلوب قبل الأبصار .. داء الحسد .

   كان أبولهب يرى أنه الأحق بهذه المنزلة التي نالها ابن أخيه بنزول الوحي عليه ، فصار الرسول المنتظر الذي سمعت بمقدمه العرب ومن قبلهم اليهود والنصارى .. فقاده الحسد إلى عمى البصيرة ، فحاد عن الحق المبين ، ودخل دائرة عتاة المجرمين ، الذين رفعوا لواء العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم من قريش وأبرزهم أبي جهل وأمية وعقبة ابن أبي معيط والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وغيرهم ..

  هذا الداء هو نفسه الذي أعاق أبي جهل بن هشام أن يتبع دين الاسلام ، رغم أنه عرف الحق واعترف للناس بأنه دين حق ولكنه لن يؤمن بمحمد ، ذلك أن الحسد كان قد سيطر على قلبه وزاده الكبرياء أن يتبع النبي صلى الله عليم وسلم ، فليس هو بذاك الرجل العظيم في قومه حتى يتبعه كما كانت العرب تردد يومها ، استخفافاً بالنبي الكريم :" لولا نُزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ".. أي لو أن هذا الدين والقرآن حق ، فلم لم ينزل على أحد عظماء مكة كالوليد بن المغيرة مثلاً أو عروة بن مسعود الثقفي ، عظيم الطائف.. وهكذا عميت القلوب عند أبي جهل وأبي لهب وغيرهم .

   إن داء الكبر والحسد إن تمكنا من الإنسان ، فلا شك أنه هالك هالك ، ما لم يتنبه سريعاً ، فلقد هلك فرعون وقارون بسببهما ، وهلك أبولهب وأبوجهل مثلهما ، وسيهلك كل إنسان لا ينتزعهما سريعاً من نفسه قبل أن ينتزع الله روحه وهو في الآخرة من الخاسرين ..   

   

ليست هناك تعليقات: