الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 11 مارس، 2014

ما ذنب الشعـوب ؟

  على خلفية قضية سحب الدول الخليجية الثلاث، السعودية والامارات والبحرين سفرائهم من قطر الأسبوع الفائت، لم يبق خليجي أو عربي إلا وخاض في الموضوع، كلٌ بحسب ما يهمه من الأزمة، ولن نقف هنا لمحاسبة كل شخص على نواياه وخفايا نفسه، ولكن سنقف على بعض النقاط التي لفتت الأنظار والانتباه

   أول تلك النقاط تتمثل في حشر الشعوب الخليجية حشراً في أزمة دبلوماسية طبيعية تحدث بين كثير من دول العالم، وعادة ما تتم معالجتها وفق الأساليب والأدوات الدبلوماسية، لكن في موضوع سحب السفراء هذا، تجد الأمر يختلف، وتبين ذلك من خلال وسائل التواصل المختلفة، إضافة الى وسائل الاعلام التقليدية المعروفة من صحافة وتلفزة..  فقد هاج البعض من هنا وهناك، كلٌ يبرر أو يدافع أو يهاجم أو ينتقد أو يتطاول أو غير ذلك من سلوكيات وردود الفعل على القرار. ولقد ساهم وللأسف في هذا أكثر، قرار وزارة الاعلام السعودية بمنع كل الكتاب والصحافيين السعوديين من التعامل والتعاون مع وسائل الاعلام القطرية المختلفة، بل وطالبت باستقالة البعض العامل في وسائل اعلامية لا علاقة لها بالسياسة، كالجزيرة الرياضية مثلاً، ومطالبة أصحاب أقلام علمية لم يصدر عنها إلا كل ما هو في صالح الشأن العام الاسلامي والعربي، بالتوقف أيضاً!


   أضف الى ذلك، دخول البعض المتربص بالخليج، سواء من الخليجيين أو غيرهم، فكانوا أشبه بحاملي براميل البنزين يريدون المزيد من الحرائق، أو لأجل ألا تنطفئ النار الأخيرة التي أشعلها من أشعلها دون مبرر، مهما سيقت المبررات والأعذار، فلقد مر الخليج بأزمات أعظم ومشكلات أكبر، وكانت طريقة التعاون الخليجي هي معالجتها بكل هدوء وفي كتمان وبعيداً عن الشعوب طوال ثلاثين عاماً، فما بال هذا الخلاف لم تقدر الدول الثلاث الصبر عليه وحله بنفس الطريقة، حتى لو قيل بأن الموضوع امتد لعدة شهور، فلم يكن هناك أي داع ومبرر لرمي الموضوع أمام الملأ وإقحام الشعوب فيه، كخطوة غريبة غير مسبوقة، وأحسبُ أن اشراك الحكومات للشعوب الخليجية معها في السراء والضراء، كان معدوماً تقريباً طوال العقود الثلاثة، فما بالهم أدخلونا فجأة دون سابق إنذار، في قضية خلافية طبيعية كان بإمكانهم معالجتها بكل يسر، لو أن النيات كانت صافية وأحسن الجميع الظن بالآخر، كيلا نصل الى وضع غير محبذ، حتى صار يتطاول هذا على ذاك، ويجرح كل طرف أخاه في الطرف الثاني وغيرها من سلوكيات وتصرفات مرفوضة.

   الاستمرار في التهديد بمزيد من اجراءات التصعيد ضد قطر، سواء تلك التي تصدر عن مسؤولين سعوديين أو إماراتيين، أو عبر وسائل الإعلام التابعة والمساندة والمؤيدة لهم، أمر يزيد المشكلة تعقيداً. يُفرح المتربص بالخليج، فيجد لذته في استمرار الانقسام الحاد الذي وصل إليه التعاون الخليجي، فيما يُحزن كثيرين من أبناء المنطقة.

   في مثل هذه الأجواء يطرأ على البال أمر الهيئة الاستشارية للمجلس، التي تم تشكيلها منذ سنوات مضت وتتكون من ثلاثين شخصية خليجية، حيث المفترض أنهم حكماء المنطقة.. فأين هي الهيئة؟ وأين حكماء الخليج من المفكرين والكتاب والمثقفين والوجهاء وأصحاب الرأي السديد؟ للأسف أنه لا أثر لهم، وحتى إن أراد البعض الظهور لإصلاح ذات البين، تجده وقد بدأ يحسب حساباته قبل ذلك، خشية اساءة الفهم، فيتعرض للملاحقة الأمنية والقوائم السوداء وغيرها من اجراءات ، فتجده نتيجة ذلك وقد مال الى الهدوء والسكون، متخذاً ومقنعاً نفسه ومن حوله بأن الابتعاد عن الفتنة أولى وأجدر، تاركاً الميدان للمراهقين في عالم السياسة والإدارة والإعلام، حتى يأتيه اليقين، فأي يقين ينتظره، لا أدري؟ 

خلاصة الحديث :
   لابد أن يتحرك كل خليجي مخلص لرأب الصدع، الذي يتلذذ برؤيته البعضُ المراهق في عالم السياسة والإعلام. ولابد أيضاً أن يكون لأعضاء الهيئة الاستشارية دور، هذا إن كانت الهيئة حية ترزق. كما أن على كل مقتدر في وسائل الإعلام، العمل على دفع المشكلة الى السياسيين وتحميلهم مسؤولية حلها في أروقة وقاعات الأمانة العامة بالرياض أو أي مدينة خليجية أخرى، وألا يتم حشر الشعوب حشراً فيها، فإن عواقب اختلاف الشعوب الخليجية غير سارة مطلقاً

   من المهم أيضاً من كل مقتدر على حملات التوعية، أن يقوم بدوره في توعية الشعوب وبيان أن الاختلاف أمر طبيعي وصحي، وأن قهر المخالف لا يجب أن يسود، وأن الجدال يكون بالحكمة والموعظة الحسنة والمنطق والحوار الراقي البنّاء، مع أهمية إحسان الظن قبل كل ذلك، وتصفية النيات كذلك، وإلا فلا نتيجة مرجوة، وهذا ما لا نتمناه أبداً.
 
                                        والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل.