الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 21 أغسطس، 2013

تسطيـــح عـقـليات الشعـوب ..


   مصر أشغلتنا ثورتها منذ أن قامت في 25 يناير 2011 وانتهت في غضون أسبوعين، فانبهر العالم بذلك وانشغل، لتعود مرة أخرى الآن لتشغل العالم بأسره، ولتتواصل هذه الثورة وتسير في اتجاه، لم يكن أكثر المتشائمين المصريين يتوقعه ولا العرب المراقبون أو المتربصون، أو غيرهم من أصحاب إفساد وتدمير هذا البلد.

  منذ أن انقلب العسكر بمعية ليبراليين مزيفين تصدعت رؤوسهم قبل غيرهم من التنظير حول الديمقراطيات وحقوق الإنسان، على ديمقراطية وليدة كانت تخطو خطواتها الأولى بدايات الشهر الماضي، والشعب المصري بالدرجة الأولى ومن ثم بعض الشعوب العربية، تتعرض لحملة تسطيح مكثفة، يرى الواحد فيهم الحق باطلاً والباطل حقاً.. انقلبت الأمور والموازين.
   
   إن التسطيح الذي أعنيه، هو ذاك الاهتمام بالقشور في الموضوعات والقضايا، أو النظر إلى الأمور بنظرة سطحية وترك اللب أو الغوص في الأعماق، وهذه ثقافة يقوم عليها كثيرون ويؤكدون عليها ويحرصون أشد الحرص على تعزيزها.. وهؤلاء الآخرون، يكونون إما على شكل دول أو أحزاب أو مؤسسات أو شركات أو على شكل أفراد.
    
   وقد راجت هذه الثقافة قديماً وانتشرت في مجتمعات القمع والإرهاب أو التصفيق والتطبيل، قام على نشرها والتأكيد عليها زعماء وحكام وجبابرة البشر، وأرادوا من نشر ثقافة التسطيح تغييب الوعي العام عن عظائم الأمور والقضايا المهمة، فكانت جل معارف شعوب أولئك الجبابرة عبارة عن معلومات غاية في السطحية للكثير من القضايا الحياتية ولفترات طويلة من الزمن، حتى لم يعد الكثيرون يقدرون على معرفة الحق أو تمييزه من الباطل والصواب من الخطأ بسبب تلك الثقافة.
    
   
   أما اليوم، وبفعل وسائل الاتصال من فضائيات وإنترنت وغيرها، فقد تسارعت عجلات هذه الثقافة بين البشر، وتقوم وســائل إعلامـيـة بدور رهيــب وغـاية في الخطــورة في نشـر ثقافة التسطيح حول الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم القوة الهائـلة لشبكة الإنترنت تحديداً، للقيام بدور الضد لهذه الثقافة وبيان الحقائق أولاً بأول، إلا أن الملاحظ هو تزايد أعداد من تتسطح ثقافتهم يوماً بعد يوم، لا سيما في القضايا المصيرية العظيمة، وشواهد ذلك كثيرة حولنا يمنة ويسرة.
   
   نشر الوعي إذن مطلوب كأفضل أدوات مقاومة حملات التسطيح والتغييب، لا سيما من قبل النخب المثقفة صاحبة الضمير الحي والمطّلعة على بواطن الأمور وحقائق الأشياء، وإنّ ترك بعض وسائل الإعلام ومواقع في الإنترنت تسرح وتمرح بين الشعوب لتزيد من تجهيل وتسطيح العقول، أمرٌ غير مقبول البتة، بل صار من الواجب العمل على تفعيل الضد وتوعية الشعوب وتعميق الفكر فيهم، واستثمار نفس الوسائل أو الأسلحة المستخدمة في نشر ثقافة التسطيح، لتعم بدلاً منها ثقافة التدبر والتفكر والتأمل، التي لا شك نتاجاتها ستكون عظيمة الأثر، لا سيما في هذه الأمة التي لها عشرات من القضايا التي تتعرض للتسطيح والتجهيل كل يوم، وقضية الأقصى أبرزها، وفقدان الهوية تاليها.. وبينهما الآن ثورات الربيع العربي التي تتعرض لمحنة قاسية في كل من مصر وتونس، ومحنة أخرى في سوريا.. فهل النخب المفكرة على قدر المسؤولية ؟