الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

هكذا تقنع غيرك ..




    كلنا يريد أحيانا التأثير في الآخرين وإقناعهم بوجهة نظره حول أمر ما ، وحتى نتمكن من ذلك ، فلا بد أن يوقن المرء منا أولاً أن الأمر ليست بالسهولة التي يتصورها ، أو يعتقد بأن الناس كالآلات تسير بطريقة آلية عبر البرمجة وغيرها .. الأمر يختلف كثيراُ لأننا نتعامل مع بشر ، أو إن صح التعبير ، نتعامل مع أمزجة وأهواء وأفكار متباينة ومتنوعة ... ولهذا المسألة بحاجة لتدارك بعض النقاط كي تتم عملية الإقناع بنجاح .. وإليك بعض التفاصيل .

    لابد أن يختلف الحديث وأدوات الإقناع من جمهور إلى آخر .. فالعوام غير المثقفين والرجال غير النساء ، وكبار السن غير الشباب ،  والملتزم غير الليبرالي وهكذا ، فلكل مقام مقال ، وفي هذا السياق ، كلما ابتعدت عن استخدام ( الأنا ) في الحديث كلما كان أفضل والوصول إلى إقناع المستمعين أسهل ، فيما العكس يجعلهم ،  يتمسكون بما هم عليه وتزداد عملية الإقناع صعوبة أكثر وأكثر .. تلك نقطة أولى ابتدائية مهمة.

    النقطة التالية في هذا الأمر ، ولكي تكون قادراً في التأثير على مستمعيك ،  فأنت بحاجة إلى معرفة العوامل المؤثرة على سلوكهم ، كالأشياء المفضلة لديهم أو غير المفضلة مثلاً ، ومعرفة النزعات والميول لديهم ..  ولعل عامل الدين من أقوى المؤثرات على الإنسان ، إذ لابد لك كراغب في إقناع الآخرين أن تتعرف على هذا العامل  وتضعه في حسبانك ،  فإنه عامل مهم وحاسم ومؤثر سواء على المتدينين أو غير المتدينين .

جهودك الإقناعية ستكون ميسرة لو أنك تفهمت بالإضافة إلى سلوك المستمعين ، معتقداتهم أيضاً ، إذ لا تدري كم ستكون استجابة المستمعين إليك حين تبدأ تمس معتقداتهم . إنها من الأجزاء الحساسة المهمة لديهم ولابد من مراعاتها بدقة متناهية . إنك حين تعتقد في شيء ما ، فلأنه صحيح وصادق ، والعكس صحيح كذلك ، وكلما كان الشخص يتمسك بمعتقد ما ، كلما كان من الصعب إقناعه لتغيير ذلك المعتقد أو العدول عنه ، بل وتزداد مقاومته لجهودك الإقناعية . 

  لابد كذلك أن تراعي عدم الإسهاب في الكلمات العاطفية واختيار الجمل الصعبة والرنانة التي تشعر المستمعين وكأنهم في محاضرة لعرض فنون اللغة ومعانيها ، فذلك الأمر سيعمل على بناء حاجز يمنعك الوصول اليهم بسهولة ويسر ، وبالمثل ، إذا زادت عبارات التخويف لديك ، فقد تؤدي إلى نتيجة عكسية يصل بالمستمع إلى الابتعاد عن الموضوع وعدم التفكر فيه .. وهنا نقطة غاية في الأهمية لا بد أن تراعيها ،  إذ كلما زدت في محاولاتك من أجل فرض رأيك ، كلما وجدت بالمقابل زيادة في المقاومة عند المستمعين . ولهذا لا بد من المرونة في مثل هذه الحالات ، ولا اجمل ها هنا من الحوار والمرونة فيه .

   إنه ليس من الحكمة أخيراً ، أن تؤكد على فوزك وانتصارك وإنك على صواب ، وتبرهن على صحة موقفك بشدة وتحيز من أجل أن تبين للمستمعين خطأهم ، فإن هذا هو حاجز فولاذي لن يكون بمقدورك النفاذ خلاله أبداً نحو قلوبهم وعقولهم ، وستكون النتيجة غير محبذة ، وأنت الخاسر الأكبر.

   تلك كانت بعض طرائق الإقناع التي قد تنفعك في مشروعات اقناع الاخرين بفكر ورأي وقناعات معينة ، ولك أن تزيد وتبتكر وتستفيد من خبرات الآخرين كذلك .. وليكن شعارك دوماً الآية الكريمة التي تضع لنا الأسلوب الأمثل والأنجع في اقناع الآخرين بالشكل الذي يتوافق مع الفطرة الإنسانية كما جاء في قوله تعالى" وجادلهم بالتي هي أحسن " ، وهي التي سار عليها خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أراد ، بفضل الله ورعايته. أفلا نقتدي به ؟