abdulla.emadi@gmail.com

الاثنين، 6 فبراير، 2012

ماذا بعد الفيتو الروسي الصيني ؟


  للمرة الثانية في أربعة أشهر، يصوت الروس والصينيون ضد قرارات مجلس الأمن الخاصة بسوريا، ولعل المرة الثانية كانت صدمة للمجتمع الدولي الذي توقع أن يحدث نوع من التعاطف مع مشروع الجامعة العربية بمعية الأوروبيين، ولكن موقف روسيا والصين لم يختلف كثيراً عن حالة الطقس فيهما من البرودة وصولاً إلى درجة التجمد ! 

  تنوعت ردود الأفعال الدولية تجاه موقف البلدين، حيث وصفت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس استخدام الفيتو بأنه "مخزٍ"،  واعتبرت أن هذا الموقف يظهر أن روسيا والصين تهدفان إلى "بيع الشعب السوري وحماية طاغية جبان". وحمّلت الدولتين مسؤولية إراقة المزيد من الدماء .. فيما شجب ساركوزي وبشدة استخدام حق النقض، وقال إن بلاده لن تيأس في محاولة الوصول إلى حل، وأن "المأساة السورية يجب أن تتوقف."
أما وزير الخارجية البريطاني، فقال في وصف موقف الدولتين، إنهما " يتخليان عن الشعب السوري ويشجعان نظام الرئيس بشار الأسد الوحشي على ارتكاب المزيد من المجازر، مثلما حصل في حمص في الساعات الـ24 الأخيرة". وندد الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" بالفيتو الروسي الصيني، معتبرا أنه "يقوض" الأمم المتحدة.
   أما العرب ، وبدءاً من المعارضة السورية التي رأت بأن الفيتو الروسي - الصيني في مجلس الأمن سيمنح الحكومة السورية مزيداً من التفويض بالقتل، مروراً بمندوب المغرب لدى الأمم المتحدة محمد لوليشكي، الذي لعبت بلاده دوراً أساسياً في صياغة القرار، فقد صرح قائلاً: "أود التعبير عن أسفنا وخيبتنا الكبيرين" من الفيتو الروسي والصيني.

   في المقابل يرى الروس، كتبرير لموقفهم من القرار، أن هناك نصاً فيه، يدعو صراحة إلى تغيير النظام، مشجعا المعارضة على السعي إلى السيطرة على السلطة، ويوجه رسالة غير متوازنة إلى الطرفين، وهما النظام والمعارضة، ولم يعكس القرار واقع الوضع في سوريا! كما يتهم الروس الغربيين بعدم إبداء مرونة في المفاوضات من أجل تعديل صياغة القرار؟!
   الصينيون رأوا أن أسلوب الضغط لإجراء عملية تصويت، في وقت لا تزال هناك خلافات كبرى بين الأطراف، من شأنه عدم المساهمة في الحفاظ على وحدة مجلس الأمن ونفوذه، ولن يساعد على إيجاد حل للأزمة !

ماذا بعد مشهد مجلس الأمن الأخير؟
  بكل تأكيد، يأتي القرار في وقت ما يزال العالم العربي يعيش غلياناً متصاعداً والأوضاع غير مستقرة والروح الثورية متأججة في النفوس، وربما تشير الاقتحامات الشعبية للسفارات السورية في عدد من العواصم، بعد الفيتو، إلى أن الوضع في العالم العربي لم يعد كما كان سابقا، وهذا الأمر لن يساعد أبداً، ما يراه الروس والصينيون ولو ظاهرياً على أقل تقدير، بأن المسألة السورية يمكن حلها سلمياً.
لقد بات من المؤكد أن الدول التي تمتلك حق الفيتو، لا يهمها سوى مصلحتها، وما جرى بخصوص سوريا، إنما هو صراع بينها، حيث انقسمت إلى فريقين أو تحولت لتكون كشقي رحى، الأول هو الأمريكيون مع بريطانيا وفرنسا، والشق الثاني روسيا والصين، وما يتم طحنه هو سوريا، ويبدو أن الجامعة العربية هي من تقوم بوضع سوريا كما الحبوب بين شقي تلك الرحى القاسية.
كما يبدو أيضاً، أنه قد بات مؤكداً، وبالتجربة، أن الثورة السورية تختلف عن نظيراتها التي بدأت في تونس ومصر وليبيا واليمن، وأن أسلوب التعامل مع الوضع، لا يمكن لآخرين من خارج المنطقة المعاونة فيه، بسبب عاملين مهمين من وجهة نظري:

العامل الأول هو وجود إسرائيل الذي يهم - بكل تأكيد - الدول الخمس دائمة العضوية كلها، قبل أي دولة أخرى في المنطقة،  فالكل يريد وضعاً سورياً يتناسب أولاً مع أمن إسرائيل، وبأي صورة يكون.
العامل الثاني هو إيران. ولا شك أن الدول الخمس تتصارع حول مصالحها الكامنة في المنطقة، وإيران على رأسها. هناك مراعاة لإيران من جانب الروس والصينيين، وإن كان بشكل غير مباشر، عبر منع حرق الورقة السورية المهمة التي تحتفظ بها إيران. 

   لقد بات واضحا أن الأزمة السورية، كما أسلفنا قبل قليل، لم يعد فيها للخارج ذاك الدور الذي كان مأمولاً منه، ويبدو أن الشعب السوري سيبدأ بفقد تطلعاته نحو دور مساند ومؤثر أكبر للجامعة العربية، ومن المتوقع أن يسير نحو التعامل الشعبي السلمي مع الثورة على غرار مصر، وتدريجياً وفي خط مواز للثورة السلمية، سيقوم هذا الشعب بالدخول في المواجهة العسكرية عبر تقوية ودعم الجيش السوري الحر على غرار ما جرى في ليبيا.

لا يبدو في الأفق ما يشير إلى أن مجلس الأمن يمكنه وقف نزيف الدم السوري أو كبح جماح النظام في سوريا ودفعه لوقف آلة القتل، ومن هنا سيبدو لزاماً استمرار الثورة السلمية، لأنها مصدر استنزاف بالغ ومؤثر للنظام وقوته وإن كان بطيئاً، مع أهمية أن تقوم دول يهمها وقف نهر الدم في سوريا، وتحديدا تركيا نظراً لموقعها وإمكاناتها الإستراتيجية، بتقديم المزيد من الدعم للجيش السوري الحر، ليقوم بمهمة ضرب مفاصل النظام، وتعطيل جهوده في إهلاك الحرث والنسل .

    الجامعة العربية يبدو أنها فقدت قدرتها على التأثير، مع تجمد موقفي الصين وروسيا تجاه أي مبادرة قد تؤدي إلى تغيير في النظام الحاكم في سوريا، وظني أن الجامعة يمكنها لعب دور مساند عبر الطلب من أعضائها محاصرة النظام السوري سياسياً، كما هو الحاصل في الجانب الاقتصادي، من أجل المزيد من العزلة الإقليمية تمهيداً لعزلة دولية أوسع، وخاصة بعد أن تبدأ العزلة الدولية لإيران تنتج مفعولها. كما أن الجامعة يمكنها دفع أعضائها للاعتراف بالمجلس الوطني السوري، إمعاناً في عزل النظام وسحب الشرعية عنه تدريجياً. وأخيراً دعم جهود الغرب في مشروع "مجموعة أصدقاء الشعب السوري" لدعم الأهداف السلمية للثورة، ولمزيد من الضغط على النظام .

   وأحسب أن المسألة باتت مسألة وقت لا أكثر، فهذا النظام يتآكل بمرور الوقت داخلياً وخارجياً، وما هذا التجمع الدولي شبه التام ضد النظام السوري إلا دليل على أن أيام النظام باتت معدودة، فمثل هذا التوحد الدولي نادر حدوثه إلا في الأزمات ذات العيار الثقيل، ونحسب الأزمة السورية واحدة منها .

ليست هناك تعليقات: