الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 17 يناير، 2012

أمن الخليج .. من يحميه ؟ والى متى ؟


   يبدو أن قدر دول التعاون أن تعيش بين الحين والآخر تحت رحمة دول الجوار الكبيرة. مرة إيران ومرة العراق، وفي حين خرج العراق من كونه مصدرا للتهديد، بقيت إيران منذ الثورة  في أواخر عام 79 حتى بدايات عام 2012، وهي في مد وجزر في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، ما بين مد الأيدي للهدوء والتعايش السلمي حيناً، وسحب تلك الأيدي ورفع صوت السلاح بالتهديد والوعيد، كلما ضاق عليها الخناق أو اشتدت عليها ضغوط الخارج والداخل على حد سواء.     

    
  لو أن بدايات إيران الثورية اقتصرت على الداخل الإيراني وإصلاح البلاد على جميع الأصعدة، لما كانت ظهرت ما يعرف اليوم بمنظومة مجلس التعاون الخليجي، والتي هي نتيجة حتمية، ظهرت أعقاب تهديدات إيرانية مبكرة بتصدير ثورتها إلى الجوار.. فظهرت المنظومة عام 1981 كعمل جماعي أمني لمواجهة مشروع تصدير الثورة التي كانت يومها في أوج حماستها وطاقتها واندفاعها، وكان لها زخم رهيب مخيف، استدعى تحركاً عاجلاً من دول الخليج بمعية ومساعدة الغرب، فكانت المحصلة ظهور منظومة مجلس التعاون الخليجي، وهدفت بكل تأكيد - وإن لم يكن بشكل مباشر-  إلى تعزيز الأمن من أجل التصدي للثورة، وربما عزز إنشاء تلك المنظومة قيام الحرب العراقية الإيرانية التي جعلت إيران تنشغل بنفسها وبمشاكلها مع العراق حيناً طويلا من الدهر، استمر لثمانية أعوام، أهلك فيها الطرفان الحرث والنسل، وتناست أو تم تأجيل مشروع تصدير الثورة إلى الخليج إلى حين الانتهاء من أم المعارك ..

  وصل التأثير السلبي للحرب إلى دول التعاون جميعاً، وازدادت تمسكا بالمنظومة بمعية الولايات المتحدة ودعمها الكبير.. ولم يكن هناك ما يمنع تلك المنظومة من أن تتوسع في تحقيق أهداف أخرى في مجالات الاقتصاد والاجتماع والتربية وغيرها، حتى لا يُنظر إليها على أنها منظومة أمنية بحتة.. وهذا هو واقع مجلس التعاون الخليجي ..

   لعبت إيران دوراً أساسياً عبر فكرة تصدير الثورة إبان سنواتها الأولى، في قيام كيان خليجي على الطرف الآخر لساحل الخليج في الثمانينيات، ويبدو أنها الآن، مرة أخرى ستعدل وتغير هذا الكيان أيضاً. وما قيام دول التعاون بدعوة الأردن والمغرب - كدولتين عربيتين ملكيتين – إلى الانضمام إلى الكيان الخليجي إلا من أجل تعزيز دور المجلس في مواجهة خطر إيراني محتمل قد يصيب دول الخليج بالضرر في أي وقت.

   من يدقق في المعسكر الخليجي الجديد الذي يتم العمل على تفعيله، سيجد أنه معسكر لا يتوافق مع المزاج الإيراني، أو إن صح التعبير، هو معسكر مضاد لإيران وسياساتها، فلا الأردن ولا المغرب في وفاق ووئام مع إيران، وبالتالي تسببت إيران في توسيع دائرة أعضاء الكيان الخليجي المقابل لها جغرافيا، من دون أن تجد طريقة للدخول في هذا الكيان بدل آخرين تفصلهم مسافات شاسعة عن مياه الخليج الدافئة دوماً ..

   اليوم، ومنذ بدايات عام 2012، وإيران على خارطة الأخبار المزعجة للغرب والشرق على حد سواء. فقبل أيام هددت بعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي للغرب، والذي تعبره أهم واردات الغرب والشرق غير العربي من النفط الخليجي، وأي تعطيل للملاحة فيه، من شأنه خلخلة اقتصاديات عالمية كبيرة، في وقت لا يحتمل العالم أية هزات اقتصادية جديدة.

   وما إن هدأت الأمور نسبياً على المستوى الإعلامي، وإن نشطت على الجانب العسكري واقتربت آلات الحرب الغربية من المنطقة في رسالة تهديد واضحة لإيران، حتى بدأت طهران بتهديد مباشر لدول التعاون الخليجي، إن هي عوضت العالم باحتياجاته من النفط، في حال التوقف عن شراء النفط الإيراني!

   دول التعاون في موقف لا تحسد عليه، فهي في كل الأحوال مهددة من طرف إيران، في السلم والحرب؛ ففي الأوقات التي يسود فيها السلم، ستقوم إيران بتنشيط فكرة تصدير الثورة الشيعية، حتى بعد أن خفت الزخم القديم لهذه الفكرة، ولكن ما من مانع يمنعها في إحياء ذلك المشروع، بهدف دفع الأنظار والاهتمام بعيدا عن الداخل الإيراني، وفي ذلك تهديد لدول التعاون السنيّة. وإن سادت حالة الحرب وأجوائها المشؤومة مع الغرب، فإن إيران لن تتردد في تهديد ما تصل إليه من أهداف، ودول التعاون هي مواقع تلك الأهداف، وفي مرمى نيران أسلحتها المتنوعة، فما الحل إذاً مع جارة كبيرة، صارت مصدر تهديد وعدم استقرار دائمين ، بدلاً من كونها عامل تهدئة وصمام أمان؟

   يبدو أن إيران تعيش أزمة حقيقية بعد أن شعر الغرب بأن مخالب إيران طالت أكثر من اللازم، وقد حان الوقت لوقف نموها، وقبل ذلك بالطبع إعادة تلك المخالب إلى أطوالها وأحجامها الطبيعية المقبولة في عرف الغرب. التوسع الإيراني في المشاريع النووية أرعب الغرب والشرق على حد سواء، ودعاياتها حول تلك المشاريع ساهمت في أزمتها الراهنة.

   أضف إلى ذلك انتشار نفوذها وتمددها في جغرافية واسعة، بعد أن تمكنت من الوصول إلى قدرة ملحوظة على التحكم بمفاصل دول مهمة عدة في المنطقة، بل والتأثير في قراراتها بشكل عميق ومؤثر، كالعراق وسوريا ولبنان وأفغانستان، وتهديداتها المتكررة بإغلاق مضيق هرمز أو ضرب أهداف ومصالح خليجية وأجنبية في دول التعاون، إلى حد أن الغرب ما عاد يستسيغ سماعها، وإن بدت تهديدات إعلامية قد لا تصل إلى درجة التنفيذ على الأرض.

   كل تلك العوامل أدت بالغرب ومعه جزء كبير من العالم إلى إحكام السيطرة على إيران عبر تضييق الخناق الاقتصادي، على أمل أن تهدأ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، لترضخ هذه المرة وبقوة الحصار قبل السلاح لشروط والتزامات تكثر يوماً بعد آخر، كلما طال الوقت وكلما زاد الطرف الإيراني من حرق أوراقه وتضييع فرصه في أن يكون عامل وصمام أمان لواحدة من أهم المناطق في العالم .

   دول التعاون تأخذ تهديدات إيران على محمل الجد منذ عقود، حتى أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، قال في ديسمبر 2004 إن صياغة نظام أمن إقليمي جديد، تحتاج إلى أربع دعائم أساسية هي:" وجود مجلس تعاون خليجي قوي وفعال يضم أعضاء متكاملين اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وانضمام اليمن إلى مجلس التعاون، وقيام عراق مستقر وموحد، وإدخال إيران في مجلس التعاون لدول الخليج العربية".    

   أعوام مضت على ذاك التصور، ولم يتحقق سوى دخول جزئي غير فاعل لليمن إلى المجلس، والعراق يسير نحو التفتيت وعدم الاستقرار، ودول المجلس نفسها، لم تصل بعد إلى ذاك التكامل السياسي والاقتصادي والعسكري المنشود، وأخيرا إيران، فلا هي دخلت المجلس، ولا تركت المجلس في حاله، والوضع يزداد سوءاً على ما نلاحظ اليوم .

   ما عاد الخليج اليوم، منطقة يمكن لدول التعاون الخليجي وحدها القيام بمهمة الحفاظ على استقرارها وأمنها، ولأنها أمست تؤثر بشكل فاعل في قوى عالمية كبيرة وكثيرة، وأي خطر يهدد المنطقة سيعني بالضرورة استقرار تلك القوى، فإنه لم يعد هناك أدنى شك في قيام الولايات المتحدة ومعها الغرب مضطرين، بالمساهمة في دور فاعل في الحفاظ على استقرار الخليج من أي أخطار ومسببات عدم الاستقرار، وإيران على رأس تلك الأخطار .

   
   وحتى قيام إيران جديدة تهتم بالداخل وتكف شرها عن الخارج والجوار، وقيام عراق مستقر ديمقراطي موحد، ويمن فاعل متطور، ودول تعاون متكاملة، فإن أمن الخليج سيكون مهمة دولية تقوم عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وما انضمام الأردن والمغرب إلى التعاون الخليجي إلا من باب دعم الدور الخليجي الفاعل في توفير الأمن والاستقرار، وبالمثل يمكن أن يُقال عن دور تركي أكبر وأكثر فاعلية في المنطقة، وعلى هذا السيناريو يبدو أن الأمور تسير، أو هكذا تبدو المؤشرات وتلوح في أفق الخليج . 

ليست هناك تعليقات: