الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الخميس، 24 نوفمبر، 2011

أمثال تثير الإحباط بالمجتمعات


    تجد عند العامة في غالبية المجتمعات العربية بعض الأمثال التي ما زالوا يرددونها بين الحين والحين ، يأخذ بها كثيرون دون  مزيد بحث وتفكير وتعمق في معانيها ، حتى صارت تؤدي إلى معان أو أفعال غير مرغوبة .. أي أنها تُضرب في مواقف وأوقات لا تتوافق معها وتؤدي بالتالي إلى الإحباط والتثبيط .. وإليكم نماذج منها .

    يقولون لك : اتق شر من أحسنت إليه !! لماذا أتق شر من أحسنت إليه ؟ أليس في هذا المثل ما يدعو إلى عدم الإحسان، لأن النتيجة المتوقعة او كما يُراد أن يُقال عن الإحسان إلى الغير ، بأنها ستكون شراً عليك ؟!  ومَن منا يريد أن يجلب لنفسه الشر هذه الأيام بل كل الأيام؟ بالطبع لا أحد. ولكن هل يعني هذا أن أتوقف عن الإحسان إلى الآخرين بغية تجنب شرورهم؟ الأمر بكل تأكيد فيه خلط عجيب .


   نحن المسلمين مطلوب منا الإحسان في كل شي، لأننا نعتقد أن الإحسان من الدرجات العليا من الإيمان، ولأن من يحسن منا تعاملاته مع الغير فكأننا نعبد الله ونحن نراه وليس هو يرانا فقط. فأية منزلة هذه؟ وأي شعور هذا؟ إنه شعور راق ومنزلة عالية ، لأن الإحسان من أرقى التعاملات بين البشر بعضهم بعضا، فكيف ندعو إلى اتقاء شر من أحسنَّا إليه؟! هذا مثل أول.


   خذ مثلاً آخر على ما نتحدث عنه اليوم .

    يقولون لك : مد رجلك قد لحافك أو فراشك  أعزكم الله وأكرم مقامكم جميعاً !! هذا  مثل آخر محبط ولا أستبعد أنه مثلٌ يستخدمه الكسالى وغير الراغبين في الإنتاج والعطاء والسعي والبحث عن الأفضل والأجود.. قد يكون مقبولاً هذا المثل حين الحديث عن متاع الدنيا وحين يبدأ المرء بالطمع فيما عند الناس من مال وجاه فيحاول أن يقلدهم ويكون مثلهم فلا يستطيع، وفي حالته يقال له المثل هذا.. لكن أن يعمَّم هذا المثل ليكون في كل مواقف حياتنا فهذه دعوة إلى الدعة والركون والكسل والسكون، وإلى عدم بذل الجهد، باعتبار أن كل واحد منا عليه أن يمد رجليه -أعزكم الله- على قدر لحافه أو قدرته أو علمه.

   لا، الأمر هاهنا يختلف تماماً . إن كانت قدرتك أقل من المطلوب منك فحاول أن تزيد منها، وإن كان علمك أقل فتعلَّم، وإن كان جهدك لا يفي بالمطلوب، فابذل جهداً أكبر وحاول واعمل ولا تستكن، وإن كنت ذا مال قليل فابذل الجهد لتنميته وزيادته ، وثق أن هذا اللحاف سيتمدد بالضرورة حين يراك تسعى وتعمل وتبذل من الجهد الكثير.

   مثل ثالث يعمّق روح الإحباط في النفس يقول لك: القطو العود ما يتعلم أو القط الكبير لا يتعلم !! بالطبع هذا مثل محبط لكل راغب في الازدياد من العلم الديني أو الدنيوي، باعتبار أن السن حاجز أمامه أو أمامها، خاصة حين يلوح في الأفق المثل القائل إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر.. مما يزيد في إحباط المعتقدين بالمثل الثالث.


   نعم للسن دور في التعلم واكتسابه بشكل أسرع لاعتبارات فسيولوجية متعلقة بتكوينات الجسم الحيوية ،  ولكن لم يقل أحد بتوقف قدرة الإنسان عن التعلم في سن محددة. فلا سن لليأس في مجال التعلم ، وهذا المثل ومن يقول به ويردده إنما هو شعار واضح للكسالى يرفعونه بين الحين والآخر ، ليقولوا لمنتقديهم عن التوقف في عالم العلم والتعلم : دعونا وحالنا وشأننا، فلا نريد المزيد ولا يمكننا تقبل علوم ومهارات أخرى . لماذا ؟ لأننا كبرنا، أو هرمنا أو هكذا يعتقدون أو هكذا يريدون أن يوهموا أنفسهم بذلك.


   أين هؤلاء من حديث اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ، أو اطلبوا العلم ولو في الصين ، باعتبار المسافة الشاسعة بين الصين وجزيرة العرب يومذاك، وغيرها من حكم وأمثال تحث على طلب العلم إلى آخر نفس أو آخر لحظة في العمر..

   هل يعني هذا ان كثيراً من الأمثلة بحاجة إلى مراجعات وتصحيحات ؟ لم لا ؟ فكل شيء قابل للتعديل والتصحيح والتغيير في عالم هو يتغير بنفسه ، لا يخلد فيه شيء . 

هناك تعليق واحد:

Jasmine يقول...

بارك الله فيكم أستاذ العمادي، كم نحن في حاجة إلى أمثالكم لنتقدم إلى الأمام ولا نتقدم إلى الوراء على حد تعبير الجزائريين، بالفعل نحتاج إلى مراجعة كل شيء في حياتنا، من سلوكات وقيم ومبادئ وعادات وحكم وأمثال وشعارات ووو ... إذا أردنا حقا أن نعيش مثلما تعيش بقية الشعوب الأخرى التي تتعلم من أخطائها ومن تجارب الآخرين ...
جزاكم الله عنا خير الجزاء، أنا يوميا أتعلم منكم ... تحياتي الخالصة