الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 25 مايو، 2011

قبل أن تكون رقماً منسياً ..

      
    
  تتعقد الحياة في نظر البعض يوماً بعد آخر وبصورة لم تكن كذلك منذ عقود عديدة مضت، فيما البعض الآخر يعتبر التعقيد هو مجرد مزيد من  التيسيرات والتسهيـلات الحاصـلة لكثير من معاملاتنا وتفاعلاتنا اليومية .. لكن لا احد يختلف على أن الحياة تتسارع وتيرتها وتدور عجلتها بشكل سريع لا يقدر المرء منا أن يلتقط أنفاسه ؛ للتوقف لحظة وتدبر ما قام أو ما سيقوم به، لأن الركب سيمضي وسيجد نفسه متأخراً ..

    إذن والحال كذلك ، أجد انه قد صار  لزاماً علينا جميعاً أن ندخل في سباق مع الزمن لمسايرة ومواكبة التغييرات، بل إن مجرد التباطؤ أو التوقف أو الإعراض عن التفاعل مع الحاصل في هذه الحياة السريعة المعقدة، سيعني خسائر كثيرة، وهي بالمناسبة مادية بصورة أكبر، لكن مع هذا فإن الدعوة للمسايرة لا تعني الإعراض عن التفاعل مع الحياة والتزهد والإعراض عن الماديات الدنيوية، أو كما توحي إليه بعض النفوس الطيبة الصافية التي تحاول أن تكون على الفطرة.. لكن مع ذلك أجد أن المسألة أكبر من هذا التصور


     حين ظهر الراديو في الخليج لأول مرة منذ أكثر من  ستين عاماً، خاف الناس من هذا الصندوق المتكلم، وظنوا به الظنونا ، بل ربطه البعض بالسحر والسَحَرة مروراً بالجن والعفاريت وانتهاء بوصفه علامة من علامات القيامة.. لكن بعد فترة، وجدوا أنه يصدر أصواتاً مألوفة غير غريبة.  إنه يقرأ القرآن ويحدثك عن أخبار العالم العربي الذي كان يعيش فترة غليان شعبي وثوري، بل كان هذا الصندوق يغني بصوت سيد درويش وأم كلثوم وعبد المطلب والأطرش وعبد الوهاب.. إنه صندوق عجيب ولطيف أيضاً.. وهكذا سنة بعد أخرى، صار هذا الصندوق حبيب الكل، يجتمعون حوله في بعض البيوت والمقاهي.

   ثم  ظهر صندوق آخر متكلم كأخيه الراديو، لكنه جذب العقول والقلوب سريعاً .. صار بالإمكان رؤية من كان يقرأ القرآن ، أكان الطبلاوي ام محمد رفعت أم المنشاوي ، بل بدأ الناس يرون ام كلثوم وفريد ، والأكثر من هذا صاروا يتسمرون امام أفلام الكاوبوي وفريد شوقي والمليجي وقبل ذلك مع بدايات البث ، أفلام ميكي ماوس الممتعة . إنه لسحر عجاب.

   هذا السحر ما لبث أن تطور وصار يثير أكثر من الآخر الذي يتكلم فقط، وأمسى مرغوباً شيئاً فشيئاً حتى أصبح السبب الرئيسي في تجمع الأسرة أو بالأصح أسر وعائلات في مكان واحد، يلتفون حوله يستمتعون به لساعات عدَّة.  وهكذا يوماً بعد آخر عاش الناس تطور وسائل الاتصالات ونقل المعلومات التي منها الهواتف بأشكالها المتنوعة وأجهزة استقبال الفضائيات، ولا ننسى كذلك أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت ووسائل النقل المختلفة.. 

   الشاهد من هذا الحديث هو تخوف كثيرين الخوض في عالم الرقميات  قبل أن أقول عالم الإنترنت، رغم أن العالم كله يسير بشكل أسرع مما نتصوره نحو جعل كل شيء تقريباً يعمل بصورة آلية عبر الكمبيوتر ومرتبط بشبكة الإنترنت .

 الأمية اليوم لم يعد تعريفها محصوراً في جملة " عدم معرفة القراءة والكتابة "  بل الأمية هي في عدم الإلمام بالكمبيوتر والعمل عليه ومعه في عالم الانترنت الذي يتوسع ويتمدد مع تمدد الكون إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا..  ولهذا أعتبر من الخطأ الإعراض عن هذا الأمر أو تأخير التعامل معه لأي سبب كان ، لأن الخاسر الأكبر سيكون من دون شك هو الإنسان الذي يقفل باب عقله أمام هذه التطورات الحاصلة في العالم، لأن هذا الجهاز أو الكمبيوتر لا يختلف أبداً عن الراديو والتلفزيون، وكيف أنهما صارا من أساسيات أي بيت في وقت من الأوقات ، فلماذا التخوف من البعض من هذا الجهاز؟

     لا أجد أي شيء يدعو إلى التخوف، والأمر أيسر مما تتوقعون ، إن المطلوب فقط هو بعض الإرادة والعزيمة والتوكل على الله من بعد ومن قبل .. إنها دعوة للاستمتاع واستثمار الحياة الرقمية قبل أن يتجاوزك الزمن وتكون رقما ، لكن غير مؤثر ولا نافع . 

ليست هناك تعليقات: