الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الثلاثاء، 5 أبريل، 2011

رزقك يطلبك أكثر من أجلك !



  أرزاقنا تطلبنا بشكل يفوق الأجل الذي هو يطلبنا أيضاً .. وقد قرأت ذات مرة قصة رائعة تثبت عظمة الخالق الرازق وتثبت كيف أن الرزق يأتيك بأشكال وصور متعددة لا تعرف كيفيتها ، بل لا يمكنك بعد حصولك عليه إلا أن تنطق بقول : سبحان الله .. 
   سأكتب لك قصة كما قرأتها ، ولا أدري لها مصدراً ، ولكن سأكتبها لبيان فكرة معينة أريد منها أن تترسخ في اعماق قلبك وانت تسير في هذه الحياة .. تقول القصة : 
  
  خرج طبيب جراح من بيته على عجل كي يذهب الى المطار للمشاركة في مؤتمر علمي دولي ،  حيث يشارك فيه ببحث علمي ، وسيلقى تكريماً من أكاديمية الجراحين العالمية على انجازاته في علم الطب .. كان متحمساً جداً ولم يصدق أنه وصل الى المطار دون عوائق في الطريق ، وصعد إلى الطائرة التي أقلعت بكل هدوء ، وهو يتخيل وقت التكريم الكبير الذي حلم به طوال حياته المهنية .. لكن فجأة ، وبعد ساعة من الطيران ، جاء صوت قائد الطائرة ليعلن أن الطائرة أصابها عطل بسبب صاعقة وستهبط اضطراريا في أقرب مطار .. 
   توجه الى استعلامات المطار وقال : أنا طبيب عالمي مشهور وكل دقيقة من وقتي تساوي أرواح أناس وأنتم تريدون أن أبقى 16 ساعة بانتظار طائرة ؟! هناك مؤتمر عالمي يجب أن أصل إليه .. أجابه موظف  الحجوزات : يا دكتور ، لستُ أنا من يقرر مواعيد الطائرات ، ولكن إذا كنت معلى عجلة من أمرك  الى هذا الحد فيمكنك استئجارسيارة ، فالمدينة التي تقصدها لا تبعد عن هنا سوى ساعات قليلة بالسيارة . 

  رضي الطبيب على مضض ،  فهو لا يحب القيادة لمسافات طويلة ، واضطر الى أن يستأجر سيارة ويكمل طريقه ، وظل يقودها في طريق طويل.. وفجأة تغير الطقس وبدأ المطر يهطل بكثافة وأصبحت الرؤية شبه معدومة في الطريق من شدة المطر ، ولم يتنبه أثناء القيادة إلى المنعطف على يمينه المؤدي الى مقصده ، وظل مستمراً بالقيادة .. 

    بعد ساعتين من القيادة المتواصلة ، أيقن أنه قد ضل طريقه وأحس في الوقت ذاته بالجوع والتعب ، فرأى أمامه بيتاً صغيراً ، فتوقف عنده ودق الباب فسمع صوتاً لامرأة عجوز يقول: تفضل بالدخول كائناً من كنت،  فالبابُ مفتوحٌ .. دخل الطبيب المنهوك ،  وطلب من المرأة العجوز الجالسة على كرسي متحرك أن يستعمل هاتفها،  لأن بطارية هاتفه النقال قد نفذت .. ضحكت العجوز وقالت : أي هاتف يا ولدي ؟ ألا ترى أين أنت ؟ هنا لا كهرباء ولا ماء ولا هواتف كما في المدن ، ولكن تفضل ، استرح وصب لنفسك فنجاناً من الشاي الساخن ، وهناك طعام على الطاولة ، كُل حتى تشبع وتسترد قوتك ، فأمامك طريق طويل يجب أن تعود منه .. شكر الطبيب ،  المرأة العجوز وجلس يأكل ، فيما كانت العجوز تصلي وتدعو ، وانتبه فجأة إلى طفلٍ صغير نائم بلا حراك على سرير قرب العجوز ، وهي تهزه بين كل صلاة وصلاة . 

  استمرت العجوز بالصلاة والدعاء طويلاً فتوجه الطبيب إليها قائلاً : يا أم ، والله لقد أخجلني كرمك ونبل أخلاقك وإغاثتك الملهوف ، وعسى الله أن يستجيب لكل دعواتك . قالت له العجوز: يا ولدي، أنت ابن سبيل أوصى بك الله كل من في قلبه إيمان ، وأما دعواتي فقد أجابها الله سبحانه وتعالى كلها إلا واحدة ، ولا أدري ما السبب ولعل ذلك بسبب قلة إيماني.. قال لها الطبيب : وما هي تلك الدعوة يا أم ؟ ألكِ حاجة في نفسك فأقضيها لك ؟ فأنا مثل ولدك .

  قالت العجوز: بارك الله فيك يا بني ، ولكني لست بحاجة إلى شيئ لنفسي ، أما هذا الطفل الذي تراه فهو حفيدي وهو يتيم الأبوين وقد أصابه مرضٌ عضالٌ عجز عنه كل الأطباء عندنا ، وقيل لي أن جراحاً واحداً قادراً على علاجه يقال له سعيد ، ولكنه يعيش على مسافة كبيرة من هنا ، ولا طاقة لي بأخذ هذا الطفل إلى هناك ، وأخشى أن يأخذ الله أمانته ويبقى هذا المسكين بلا حول ولا قوة ، فدعوت الله وما زلت ، كل يوم وليلة أن يسهل أمري وأجد طريقة أعرض بها هذا اليتيم على الدكتور سعيد ، عسى الله أن يجعل الشفاء على يديه .
  بكى الطبيب متأثراً مما يسمع من العجوز وقال : يا أم ، والله لقد طرتُ وسرتُ وعُطلت الطائرات وضُربت الصواعق وأُمطرت السماءُ كي تسوقني إليكِ سوقاً !!  فوالله ما أيقنتُ أن الله عز وجل يسبب الأسباب لعباده المؤمنين إلا في بيتك هذا .. فو الله أنا هو ذاك الطبيب سعيد ... فما تمالكت العجوز وهي تسمع الطبيب إلا أن بكت ولم تقل أكثر من : سبحان الله ، ما أعظمك يا رب ..