الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأربعاء، 16 فبراير، 2011

شعور المصري والتونسي

  

     الثورات   عادة يكون لها زخم رهيب في الأوقات الأولى لانتصارها وتحقيق بعض ما كانت تصبو إليها.. وتكون تلك الأوقات ذات طعم لا يمكن أن يستشعرها سوى من عاش أجواءها ومر بظروفها المتنوعة.. إنه طعم الانتصار والنجاح من بعد أن كان هذا النصر وذاك النجاح بعيد المنال، أو هكذا كان في الإدراك الداخلي للثوار من قبل بدء الثورة لسبب أو جملة أسباب.. 
  من يريد أن يعرف طعم وقيمة النجاح والانتصار، فليسأل على الفور أي تونسي أو مصري.. لماذا؟ لأنهما أحدث اثنين على الأرض خرجا من حالة إلى أخرى، الفرق بينهما شاسع كبير، بل بعيد بُعد السماء عن الأرض. 
   سيفيدك أي منهما بما تريد معرفته، بل سيسهب في الحديث وبتفصيل دقيق حتى تدرك ما يشعر به. ولكن ما فائدة هذا الإسهاب بالوصف الذي سيقوم به التونسي أو المصري، والطرف الآخر المتمثل في السائل الذي ربما يكون أي عربي، لن يدرك ما يشعر به التونسي والمصري، مهما حاولا وبذلا الجهد في الوصف والتعبير!


   أكاد أجزم بأن ما يشعر به الآن أي مصري أو تونسي صادق مخلص عاش بوجدانه الثورة في بلده، لا يمكن أن يكون عليه أي عربي آخر. إنهما الآن يشعران بأن قوة هائلة تقف خلفهما والمتمثلة في قوة الثورة، بمعنى أن أحدهم يدرك الآن معنى الأمن ومعنى الأمان ومعنى الثقة بالنفس، فلن يقدر أحد من الآن وصاعداً على إرهابه أو قهره أو تخويفه أو منعه بغير حق، لأنه إن حدث ذلك فستقوم الثورة بدورها.. إن كمية هائلة من الشجاعة تملأ قلوب التونسيين والمصريين الآن، وهي كافية لإحداث تغييرات استراتيجية على الأرض إن تم استثمارها بشكل صحيح ودقيق.


  
   هذا الزخم الذي تكتسبه الثورات في مثل هذه الأوقات لا بد أن يستثمره أبناؤها بالشكل الأمثل كما أسلفنا، حتى لا تضيع الجهود سدى، أو ينشغلوا بتفاصيل التفاصيل من تلك الصغائر التي لا تكاد تبين، وتأخذ من الجهد والوقت الشيء الكثير، والتي لم تقم الثورة أساساً وتضحي بأبنائها لأجل تلك الصغائر، التي يدفع بها أعداء الثورة المحليين إلى الواجهة، بقصد إشغال الثوار بها عن طموحاتهم العالية وأهدافهم الاستراتيجية، وكلهم أمل أيضاً أن يقع الخلاف والشقاق بينهم، فيعيش أولئك الأعداء فترة أخرى من الدهـر ربما يستطيعون التقاط الأنفاس وإعداد العدة لهجوم ارتدادي.

   هذا هو أكثر ما يخيف أي محب لتونس ومصر أن يحدث خلال هذه الفترة.. إذ إن هناك أعداء للثورتين. أعداء الداخل الذين سيتلونون بألوان الطيف كلها من أجل البقاء لهدف أو أهداف، وأهمها ضرب الثورة من الداخل وفي العمق، نظراً لخبرتهم بالبلد والشعب، ويعاونهم في ذلك دون شك، أعداء الخارج، الذين لا يمكن الاستهانة بهم في كل الأحوال، والذين تأتي تحركاتهم منطقية وبدافع الحفاظ على مصالحهم المهددة، وخاصة في الفترات التي لا تكون الصورة أو الرؤية واضحة لمستقبل الثورة.. وأرجو أن قادة الثورتين على دراية وإدراك لمثل هذه الأمور، وأحسبهم كذلك، وفقهم الله..

ليست هناك تعليقات: