الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

السبت، 5 فبراير 2011

تحرر أولاً لتبدع !!


  قد يكون العنوان أعلاه مستفزاً للوهلة الأولى .. إذ على الفور قد يتبادر إلى الذهن أنه لكي تبدع لابد أن تتحرر بمعنى التحرر المعروف من كل دين وقيمة وخلق ، أو كما هي الصورة الذهنية للتحرر المترسخة في الأذهان .. لكن الأمر ليس كذلك بكل تأكيد.

   قد يشعر المرء منا أحياناً برغبة جارفة إلى العمل والتحرك ولكن دون قيود أو موانع أو ضوابط أو حواجز ، إلى آخر قائمة تلك المصطلحات التي توحي  بالمنع والضبط والربط والحجز والقهر .. وتلك الرغبة التي تجتاحنا أحياناً ليس لجنون فينا بل إلى رغبة قوية في تعديل أو تغيير أمور نشعر أنه لا حل لها إلا بالتعامل المفتوح معها ، دون قيود وأغلال .. وأحسب أن الأمر ما زال غامضاً .. فلنتعمق أكثر وبشكل أوضح .

   تجد نفسك ترغب أحياناً في منع غيرك من ارتكاب مخالفات متكررة ومسيئة وظالمة في حقه قبل الآخرين ، فتحاول أن تبدع وتبتكر طريقة لمنع ذلك ، ولكن لأن هناك موانع عديدة وقيوداً كثيرة تمنعك ، تضطر إلى أن تكتم الغيظ الذي بنفسك على أمل أن يأتي الوقت الملائم لتغيير الموقف ، سواء على يديك أم غيرك .. هذا مثال أول .

  لكن الإبداع ليس محصوراً فقط  في تغيير السيئ وغير المرغوب ، فالحياة أوسع وأشمل من ذلك . ومن هنا تجد بعض المبدعين من العلماء في العديد من مجالات العلم والفن يذهبون أو يميلون إلى هذا الرأي ، وهو العمل دون الانتباه إلى القيود حينما ينشغلون في أعمالهم الإبداعية ، أو حينما يرغبون في الجديد غير المسبوق ، فتراهم يعكفون على عمل معين دون التفكير في أي أمر ، قانوناً كان أم عاطفة أم فكراً أم أي مؤثر محيط . 
  أحد الملحنين مثلاً حينما يرغب في إنتاج لحن جديد ، يقول بأنه يبدأ يترك كل شيء ، وينعزل بحيث لا يتأثر بأي موسيقى من قريب أو بعيد ، أو أي رأي فني وخلافه في موضوع الألحان .. يبدأ من الصفر وكأنه لأول مرة يبدأ في التلحين . وكذا يقوم أهل الرسم والحرف المبدعين ، إذ تجدهم لا يعتمدون كثيراً أو يلجأون إلى خبرات أخرى موجودة لدى الغير منعاً لأي تأثير محتمل منهم عليهم ..

  الشاهد مما سبق ، أن الإبداع أحياناً يتطلب بالفعل الانعزال والتفرغ التام للعمل . إذ حين يبدأ المرء التأثر بالقوانين والضوابط والمبادئ من حوله ، فمن المؤكد أن عمله سيكون نتاجاً لتلك المحددات ، ولكن حين تزول كل تلك القوانين والضوابط ، ويعمل المرء بعقلية مفتوحة وكأنه لا أحد يعيش على الأرض سواه ، تجده يبدع ، وخاصة حين يبدأ  يفكر البدء من الصفر وليس من حيث انتهى إليه الغير ..   

   لكن هل هذا يعني التمرد على الموجود من القوانين والمبادئ والقيم ؟ بالطبع لا ، فأنا لا أدعو إلى ذلك ، ولكن إلى التجرد التام للعمل الذي يقوم به أي أحد منا يرغب الإبداع في عمله ، بحيث يعيشه بكيانه ، فكراً وعاطفاً ومشاعر .. إذ حين تخلط عملك مثلاً بمشاعرك وفكرك وتتجرد له وتعمل فيه بكل إخلاص ، فمن المؤكد الذي لا غبار عليه ، سيخرج خالصاً بديعاً تفتخر به .. ومن هنا تجد ديننا العظيم مثلاً يدعو إلى أمرين مهمين في أعمالنا الدينية : الإخلاص والصحة . فلا ينفع عملاً صحيحاً دون إخلاص ، ولا ينفع الإخلاص وحده في عمل خاطئ .. ويدعونا بالمثل إلى الإتقان في الأعمال الدنيوية ، فإن الإتقان باب إلى الإبداع وهذا لب الموضوع . 

  وفي الختام ادعوك للاستمتاع لدقائق مع رسام مبدع لا يستخدم سوى الرمل .. شاهد واستمتع 

   



ليست هناك تعليقات: