الحياة مدرسة.. أستاذها الزمن ودروسها التجارب

الأحد، 19 سبتمبر 2010

شريط الحياة .. ما أقصره


   المرء منا  قد يمد الله في عمره ويعيش إلى السبعين أو الثمانين أو ربما أكثر من ذلك .. ولقد عاش قبلنا بشر تجاوزت أعمارهم القرنين والثلاث ، وكان أحدهم يعيش ثلاثمائة عام وحين يدنو أجله يشعر أنه لم يعش طويلاً !! وسيدنا نوح عليه السلام أطول البشر عمراً ، فقد مد الله في عمره أكثر من تسعة قرون ..

   وقد تدعوك بعض الظروف أحياناً أن تجلس إلى بعض من أنجاهم الله من الموت من بعد أن رأوه بأم أعينهم في حوادث معينة ، يحدثونك عن لحظات محددة كان بينهم وبين الموت دقائق معدودة ، يروون لك   بعض ما رأوا أثناء تلك الدقائق القليلة وأهمها شريط حياتهم ، الذي يقولون عنه أنه مر سريعاً وقد احتوى كل الأحداث وكل الأحباب والأقارب والأصحاب في الدقائق المعدودات تلك !! وقد رأوا إلى جانب ذلك أيضاً أموالهم وأملاكهم وأعمالهم وكل ما كان له أهمية ومكانة في حياتهم.. 
 
    حياتنا وأعمارنا إذن ، مهما طالت وتمددت ، فإنها لحظات قليلة ، وهذا الأمر يستحق منا فعلاً بعض التوقف والتفكر والتأمل في لحظات متكررة نشقى ونتعب ونُهلك فيها أنفسنا تعباً وهماً وكدراً .. لحظات لابد أن نتوقف ونتساءل مع أنفسنا حول العديد من المعاني التي قد نغفل أو نتغافل عنها ..

 ما قيمة هذه الحياة التي نكره بعضنا بعضاً بسببها ، ونتآمر على غيرنا أو نظلم من حولنا لمتاع قليل من متاعها ؟ ما هذه الحياة التي يصل أحدنا إلى أن يقطع أهله ويؤذي جاره ، ويتلذذ بالحرام ويشمت بالناس ويعق والديه وغير ذلك من مشاهد حياتية يومية عديدة نمارسها أو نسمع عنها ولا نتأثر بها كثيراً ؟ وهذه التساؤلات تدعونا بكل تأكيد إلى استشعار أهمية أن يتوقف أحدنا لحظة ويتفكر في هذه الحياة .. لا أقول الحياة بشكل عام ، لكن حياته هو نفسه ، فإن حياته هي الأهم بالنسبة إليه . إنّ حياة ، رآها بعض من كانوا قاب قوسين أو أدنى من الموت ، لم تكن سوى شريط قصير من الأحداث لا يتجاوز وقته دقائق قليلة لأحداث سنوات طوال ، هي والله فعلاً ، حياةٌ بحاجة إلى إعادة نظر.

   علينا إذن ، وقد عرفنا قيمة هذه الحياة القصيرة ، أن نغير نظرتنا إلى هذه الحياة وأن ننظر إليها بشكل دقيق وفهم أدق . إنها ليست فصولاً من الأكل والشرب والتكاثر وجمع الأموال .. لا ليست هي كذلك ، لكنها بكل تأكيد ودون ريب أو تعقيد ،  وسيلة أو طريق لشيء أكبر وأعقد وأصعب مما يمكن تصوره .. إن حياتنا هذه ما هي إلا قنطرة لحياة أخرى مختلفة تماماً لا يمكن وصفها بأي حال من الأحوال في سطور محدودة ها هنا ..

   إذن طالما والحال كذلك ، أو هكذا هو التصور الأكثر واقعية للحياة ، فلماذا إذن التعب والنصب والكدر والهم والحزن والغل والحسد والحقد وربما سفك للدماء إلى آخر قائمة المكدرات والممنوعات ؟ إن كانت حياة يمكن اختزال أحداثها ووقائعها في شريط أشبه بالشرائط السينمائية من ثلاث دقائق ، فأحسب أنها لا تستحق كل هذا الهم وهذا الحزن وهذا القلق وتبعات تلك المشاعـر.. أليس كذلك ؟

   لنعش إذن الدقائق القليلة الباقية أو حياتنا القصيرة هذه ، في سلام وأمن داخليين ، لكي ينعكس ذلك النمط من العيش على أخلاقياتنا وسلوكياتنا وعلى مظهرنا وفعلنا الخارجي مع الناس والأشياء.. إن الدقائق القليلة هذه لا تستحق أبداً كل ما نقوم به الآن من أعمال وأقوال ،  سوى اللهم الصالح منها وما شابه ..إنها دقائق معدودة .. فانظر كيف تتعامل معها وتستثمرها ، ثم انظر ماذا تريد بعدها ؟